الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 45

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 45

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 45، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

المرحلة الجهرية لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم وبدايتها

بدأ النبي صلى الله عليه وسلم دعوته جهرًا في بداية السنة الرابعة من نزول الوحي، حيث نادى قبائل قريش لتحذيرهم من عذاب شديد. جمع قريشًا وأخبرهم أنه نذير لهم، فأصابتهم الدهشة ولم يستطيعوا الرد إلا أبو لهب الذي لعنه القرآن بسورة المسد.

سمات وخصائص الدعوة الجهرية لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم

تميزت الدعوة الجهرية للنبي صلى الله عليه وسلم بست سمات رئيسية: كثرة الأذى، مواجهة الكفار، كثرة العروض للمساومة، الاهتمام بتربية الناس على العقيدة الصحيحة، تصبير أصحابه على الأذى، والتبشير بأنواع النصر والتمكين. لم يبدأ النبي دعوته الجهرية بمزاحمة الرؤساء أو التنازل عن شيء من دينه.

ختام الدرس والدعاء والصلاة على النبي

يختتم الدرس بدعاء بأن ينفع الله بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، معربًا عن الرغبة في نيل رضا الله والتوفيق. يُظهر الختام التأكيد على أن الله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في هذه المنظومة الميئية في ذكر بيان حال أشرف البرية عليه الصلاة والسلام، ومع قول الناظم: ثم دعا في أربع الأعوام بالأمر جهرةً إلى الإسلام. وأشرنا أن هذا البيت قد احتوى على مسائل مهمة من مسائل ومراحل دعوته عليه الصلاة والسلام، ففيها أولًا بيان للمرحلة السرية والتي دامت ثلاث سنوات. وأشرنا إلى هذه المرحلة وما تميزت به من الاهتمام بالأصول التي حرص نبينا، وكيف كانت آلية الدعوة السرية. ومما يناسب ذكره أيضًا ونحن لازلنا في هذا البيت، كذلكم العروج إلى المرحلة الجهرية، إذ أن المؤلف رحمه الله تعالى إنما اكتفى بالإشارة إلى هذه المرحلة المهمة من حياته، والتي تعتبر نقطة تحول في دعوته عليه الصلاة والسلام، أن اكتفى المؤلف رحمه الله تعالى بهذا البيت: ثم دعا في أربع الأعوام بالأمر جهرةً إلى الإسلام. ونحب كذلك كما أشرنا إلى أهم المسائل المتعلقة بالمرحلة السرية، نحب كذلك أن نعرج إلى أهم مسائل المرحلة الجهرية التي بها صدع وصرح نبينا صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الإسلام. وكان ذلك في بداية السنة الرابعة، في بداية السنة الرابعة من وحيه وإنزال وحي السماء عليه، فقد جاء في الصحيحين من حديث بن عباس رضي الله تعالى عنه قال: لما نزلت ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ كانت هذه الآية إذانًا لرسول الله بضرورة أن يجهر بالدعوة وأن يجاهر بها. فقال سبحانه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، وفي ذلكم إشارة إلى أن أولى الناس بالدعوة من كان من ذوي القربى، من ذوي القربى هؤلاء يحرص عليهم قبل أي أحد، ثم بعد ذلك الهداية بيد الله، يهدي الله جل وعلا من شاء. قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفاء، أي لكي يعلم الناس بهذا الوحي المنزل من السماء، إلا أنه اختار هذا المكان المرتفع، صعد وارتقى على الصفاء، وفيه إشارة إلى أن الكلام المهم إذا أراد أحد أن يدلي به فليختر مكانًا مرتفعًا، لأن الارتفاع أولًا يعينه في أن الناس يرونه، وهكذا يعينه في أن صوته يبلغ غيره، أن صوته يبلغ غيره، وهذه ميزة في الأماكن المرتفعة. ولهذا تجد عندنا مثلًا في شريعتنا أن خطيب الجمعة إذا أراد أن يخطب يصعد يصعد على منبره، وهكذا عرج الناس على ما يسمى بالمنصات ونحو ذلك للمسائل المهمة والخطابات أن تكون على أمر مرتفع، لأن صاحبه يرى ويستطيع أن يسمع غيره. فصعد نبينا صلى الله عليه وسلم على الصفاء، فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي، لبطون من قريش، أي أخذ ينادي قبيلة تلو قبيلة، ينادي هذه الرؤوس من قبائل قريش يناديهم أن يعلمهم بضرورة الحضور إلى مقامه ويسمعوا مقاله. قال: يا بني فهر، ويا بني عدي، قال: لبطون من قريش، حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، بعض الناس لربما ما يستطيع الخروج لانشغاله، لمرضه، لعدم قدرته، فماذا يفعل؟ فلا يكتفي بالاعتذار وإنما يرسل رسولًا بدلا عنه حتى ينظر ما هذا الكلام الذي يدار والذي به ينادى على الأشراف وعلى القبائل. قال: فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فقال: أي قال رسول الله بعدما صعد، قال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟» لما اجتمع الناس مهد لهم نبينا بهذا التمهيد، ما ظنكم لو أخبرتكم بأن خيلًا أي عدوًا سيغير يهجم عليكم أكنتم مصدقي؟ فقال الناس: قالوا نعم، ما عهدنا أو ما جربنا عليك إلا صدقًا، لو أنت أخبرتنا بهذا لكان قولك محل قبول، فما علمنا منك إلا الصدق، وكيف لا؟ وقد كان يسمى عندهم بالصادق الأمين، فما جربوا عليه كذبًا قط. وهذا فيه من رسول الله عليه الصلاة والسلام من أعظم أنواع خصومة الخصم، أنك تقرره على ما هو متفق عليه، تقرر الخصم على ما هو المتفق عليه، فإن من المتفق عليه بألسنتهم أنهم علموا أنه صادق وليس بكاذب، صادق وليس بكاذب، وهذا باعترافهم هم، باعترافهم هم. فقالوا: ما جربنا عليك إلا صدقًا. فقال: «إنما أنا نذير لكم بين يدي عذاب شديد». هذه المقالة الذي اكتفى بها نبينا: «أنا نذير لكم بين عذاب شديد». وهذا الحديث يذكرنا بما جاء أيضًا في الصحيحين عندما مثل نبينا نفسه مع ما كان من بعثته، فقال: «مثلي ومثل ما بعثني الله كمثل رجل كمثل رجل قال لقومه: يا قوم إني رأيت عدوًا بعيني، بعيني، بعيني، وإني أنا النذير العريان». وإني أنا النذير العريان، والنذير العريان هذه كانت طبيعة في العرب في حق من يتولى الحراس والحماية لقرية ولمدينة ما، وهو يراقب الأعداء لربما يظهر عدو بغته وفجأة. وهذا الحارس والمراقب بينه وبين منطقته لربما مسافة، فيعلم أنه إن خرج ما يدرك أن ينذر قومه، فماذا يفعل؟ فيحل إزاره يتعريًا، يحل إزاره فيلوح به، وهذه أقصى ما يملكه الإنسان من ماذا؟ من التضحية به أن يظهر سوأته، لا لشيء فقط لأن ينذر قومه، فيلوح بإزاره فيراه الناس من قريته من بعد، يعلم أن هناك خطرًا قد دهمهم قد دهمهم، فهذا يسمى بالنذير العريان، وهي من أعظم أنواع النذارة. ثم قال: «إني أنا النذير العريان». وهذا الحديث كذلك لما قام نبينا وجمع قريشًا لأول مرة يصرح بهذا الكلام أمام الملأ بعد فترة سرية دامت ثلاث سنوات، صعد وقال: «إني لكم نذير بين يدي عذاب شديد». فسكت الناس وأصابتهم الدهشة، وما استطاع أحد أن يتكلم لعظيم ما سمعوا وما وقع في قلوبهم ونفوسهم، إلا ما كان من شأن أبي لهب الذي صرح بالعداوة لأول وهلة، فسب نبينا وقال: «تبًا لك، أليس لهذا جمعتنا سائر اليوم؟ أليس لهذا جمعتنا سائر اليوم؟» فأنزل الله قوله جل في علام: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. فالشاهد أن قريشًا عندما سمعوا هذه المقالة من رسول الله رجعوا إلى بيوتهم وعليهم الحيرة والدهشة والصدمة لما سمعوا من نذارة رسول الله، كيف يملكوا ردا لرجل يعلمونه أن من أصدق الناس، وما جربوا عليه كذبًا بإقرارهم، إذا على ماذا يحذرنا؟ على ماذا ينذرنا؟ لكنهم بعد مطمئنة وأن بهم المقام في بيوتهم أظهر العدواة وأظهر العلو والاستكبار في الأرض. فهذه إخواني في الله بداية المرحلة الجهرية الذي بدأ بها نبينا صلى الله عليه وسلم دعوته، وهذه المرحلة إخواني في الله من المراحل المهمة التي ينبغي علينا وعلى كل مسلم ومسلمة أن يعتني بها، وخاصة كذلك من سلك مضمار الدعوة من الفرق والجماعات ومن الأحزاب والتيارات والتنظيمات، لأن كل هذه الفرق الإسلامية والجماعات الدعوية كلها تعترف أن ما نحن فيه في مثل هذه الأزمان هو شبيه بالغربة التي عاشها نبينا عليه الصلاة والسلام. بل هذا بتصريحه كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ». فكأن التاريخ يعيد نفسه، وها نحن نعيش في هذه الغربة والكربة من غربة الإسلام بين أهله وبين العالم بأسره، إذن كيف العمل؟ العمل يا عبد الله ننظر كيف نشأ نبينا هذه دعوة الجهرية مع هذا الضعف الذي كان فيه والذي كان عليه. حتى قال المؤرخون وأهل السير أن لما صرح نبينا بالدعوة الجهرية لم يكن معه من أسلم سوى ثلاثين شخصًا بين رجل وامرأة، ثلاثين شخصًا هؤلاء هم من أول من بدأ بالإسلام، ثم تسابق من كان من السابقين للدين. ولهذا إخواني في الله فهذه المرحلة ينبغي أن ننظر إليها كيف دعى نبينا؟ كيف استطاع أن ينتشل هذه الدعوة من لا شيء حتى أصبحت كل شيء؟ هنا تأتي الأسئلة التي ينبغي أن تصحى عند كثير من الناس، هل نبينا صلى الله عليه وسلم بدأ هذه الدعوة الجهرية بما يسمى بمزاحمة رؤساء والكبراء في مسائل الملك والزعامة؟ نافس هذا ونافس هذا حتى يصل إلى سدة الحكم؟ هل فعل هذا نبينا؟ الجواب: لا، مع أن هذا قد أتيح له، هذا قد أتيح له كما سيأتي معنا في باب المساومة، حتى قيل: يا رسول الله يا محمد، إن شئت إن جئت بالذي جئت به ملكًا ملكناك علينا، إن أردت بالذي جئت به ملكًا ملكناك علينا، الملك قد جاءه، لكن هل أراد الملك؟ الجواب: لا. هل نبينا عندما بدأ بالدعوة الذي بدأ بها وكان في غاية من الضعف، هل استخدم قضية التنازل عن شيء من دينه، عن شيء من عقائده، عن شيء مما أنزله إليه ربه؟ الجواب: لا، مع أن هذا قد أتيح له، حتى قالوا: يا محمد، نعبد إلهك عامًا وتعبد آلهتنا عامًا، جاءت المساومة والتنازل مقابل تنازل، فأنزل الله قوله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾، فرفض نبينا صلى الله عليه وسلم قضية المساومة. إذن ما الذي فعل نبينا؟ هل استطاع أنه يأتي بهذا التنظيم المسلح من قبل أصحابه وجند أتباعه إلى الإطاحة بالرؤساء بالكبراء والطواغيط حتى يتسن له الجو؟ لما فعل هذا، مع أن هذا قد أتيح له، عندما في أيام عقبة، وسيأتي معنا أن أصحابه في تلكم الليلة قالوا: «يا رسول الله، نميل نميل على أهل الوادي فنقتلهم»، قال: «لا، لا». رفض، مع أن هذا قد أتيح له في أن يستأصل الكثير من رؤوس الطواغيط، لكن رفض صلوات ربي وسلام عليه. هل انشغل نبينا عليه الصلاة والسلام بفضول الأعمال، بفضاء الأعمال، بما يسمى بالتهذيب، تهذيب الأخلاق وتهذيب النفوس دون تربية الناس على العلاقة بالله وعلى العلاقة بالعقيدة والتوحيد وعلى إصلاح المجتمعات؟ هكذا عباد الله ينبغي أن ننظر إلى هذه التساؤلات والتي أصبح الكثير من الناس في حيرة وفي تخبطات، ننظر إلى هديه وإلى سمته وإلى كيف كانت بداية دعوته الجهرية عليه الصلاة والسلام. وهنا يا إخواني في الله مما أختم به هذا المقام أن أشير إلى ستة مسائل، وهذه المسائل الست كما يقول العلماء هي من أعظم السمات التي تميزت بها الدعوة الجهرية، التي تميزت بها الدعوة الجهرية. وهذه السمات الست هي: كثرة الأذى واشتداد البلاء على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. طبعًا هذه المسائل سأذكر الرؤوس فقط، وأما الشرح والتفصيل سيأتي معنا في دروس قادمة بإذن الله، سيأتي أن هذا من أعظم ما تميزت بها الدعوة الجهرية. كثرة الأذى واشتداد البلاء على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثانيًا مواجهة الدعوة من قبل الكفار بشتى الطرق وبشتى الوسائل، وذلك في سبيل صد الناس عليها، سنتعرف على ما هي الطرق والوسائل الذي اتخذها الكفار لهذا الأمر ولهذا الشأن. ثالثًا: كثرة العروض من المساومات، كثرة العروض على الرسول صلى الله عليه وسلم لمساومته على الحق وعلى الذي أنزله الله جل وعلا به. رابعًا: اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بتربية الناس على العقيدة الصحيحة وعلى التوحيد. خامسًا: تصبير الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه على الأذى، يصبرهم ويوطنهم على تحمل الأذى والألم وعدم الانتقام والانتصار للنفس، كل ذلك في سبيل الحفاظ على الدعوة. سادسًا: التبشير لأصحابه، وما كان من ذكره لأنواع النصر والتمكين وما سيأتي في المستقبل القريب ليس البعيد، لما سيكون من الظفر للإسلام وأهله. هذه الأمور الست من أعظم ما تميزت بها الدعوة الجهرية التي ابتدأها نبينا صلى الله عليه وسلم، وهذه العناوين كما ذكرنا سيأتي ذكرها في دروس قادمة بشيء من الإسهاب. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.