الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 191، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يروي الحديث عن رجل أقسم أن الله لا يغفر لشخص، فعاقبه الله بإحباط عمله ودخوله النار، بينما دخل المذنب الجنة برحمة الله. ويبين الحديث خطورة التكلم بما لا علم به والتعدي على حق الله في المغفرة.
يشرح المقطع تحريم التألي على الله الذي ينشأ عن الإعجاب بالنفس وسوء الظن، ويبين خطورة زلات اللسان التي قد تهلك صاحبها. ويؤكد على وجوب الجمع بين الرجاء في رحمة الله والخوف من عقابه دون التساهل في الذنوب.
يحذر النص من التألي على الله لاعتداده بالنفس وسوء الظن، ويوضح بقصة العابد أن النار والجنة أقرب للإنسان من شراك نعله. فالكلمة الواحدة قد تهوي بصاحبها في النار سبعين خريفاً، بينما قد يكون المكروه سبباً للمغفرة ودخول الجنة برحمة الله.
يُختم الدرس بتفويض الأمر إلى الله سبحانه وتعالى، ويُعلن الانتهاء من الباب الحالي. ويشير إلى أن الدرس القادم سيتناول الباب التالي إن شاء الله.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، وفي باب ما جاء في الإقسام على الله: قال عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له وأحبطت عملك». رواه مسلم. وفي حديث أبي هريرة أن القائل: أرجل عابد؟ قال أبو هريرة: تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته. ومعنى هذا الحديث جاء بطوله وتمامه، وكذلك شيء من التفصيل عند الإمام أحمد وأبي داود من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كان رجلان في بني إسرائيل متواخين، يعني بينهما من الإخاء، فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة، يعني الآخر كان عابداً مستقيماً لا يقارف الذنب، والآخر مذنب. فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصر، يعني: كف عن هذا الذنب. المجتهد في العبادة يقول للمذنب إذا رآه على ذنب: أقصر، يعني: كف عن هذا الذنب. قال: فوجده يوماً على ذنب فقال له: خلني وربي، يعني: تركني وما يفعل الله بي. ثم قال له هذا المذنب: أبعثت علي رقيباً؟ فقال هذا المجتهد: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الجنة، أو لا يدخلك الله الجنة. قال: فقبض أرواحهما الله عز وجل، قبض أرواحهما فاجتمعا عند رب العالمين. فقال رب العالمين لهذا المجتهد: أَكُنْتَ بِي عَالِمًا أَوْ كُنْتَ عَلَى مَا فِي يَدِي قَادِرًا؟ ماذا تقول؟ أنني لا أغفر لفلان أو لا أدخله الجنة. هل كنت بي عالماً تعلم أنني لا أدخله الجنة، أو كنت على ما في يدي قادراً؟ هل أحد يقدر أن يمنع أحداً من الجنة أو أن يُدخل أحداً الجنة؟ فهكذا هذا السؤال سؤال توبيخ لهذا الرجل الذي قال تلك المقولة. وقال ربنا عز وجل للمذنب: ادخل الجنة برحمتي. وقال للآخر، أي للمجتهد: اذهبوا به إلى النار». ثم قال أبو هريرة بعد هذا الحديث: «والذي نفس بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته». أوبقت دنياه وآخرته، ومعنى أوبقت: يعني أهلكت دنياه وآخرته. فما أعظم ما عقب به وهو دخول النار، والعياذ بالله. والحديث حديث أبي هريرة في أحمد، يحسنه العلامة الألباني عليه رحمة الله. وهذا الحديث فيه فوائد كثيرة، منها أولاً: ما من أجله أورده المؤلف في هذا الباب، وهو تحريم التألي على الله، الذي يكون هذا التألي الحامل له الإعجاب بالنفس والتحجر لفضل الله وسوء الظن بالله سبحانه وتعالى. ومن فوائد هذا الحديث: أن العبد لا يغتر بعمله مهما بلغ من العبادة أو من العلم أو من الزهد أو نحو ذلك، فلا يغتر بعبادته ولا يعجب بها، بل يسأل من ربه الثبات ويسأل من ربه القبول. فانظروا إلى هذا الرجل عابد مجتهد في عبادة الله عز وجل، فما نفعه ذلك بسبب هذه الكلمة التي قالها. وفي هذا الحديث أيضاً: فظاعة الكلام واللسان، إذا تكلمت بباطل أو بمحرم، فرب كلمة تكون سبباً في هلاك صاحبها. وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله يزل بها في النار سبعين خريفاً. فاحذر يا عبد الله من زلات اللسان، ومن إطلاق الكلام. زن كلامك واضبط ألفاظك، ولا تتكلم بدون أن تراقب وتحاسب نفسك. آه، هو الصديق رضي الله تعالى عنه كان يأخذ بلسانه ويقول محاسباً ومعاتباً لنفسه: «هذه التي أوردت ني الموارد، هذه التي أوردت ني الموارد». والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول لمعاذ رضي الله تعالى عنه في أمره له بحفظ اللسان، بحفظ اللسان، أمره أن يحفظ لسانه، فقال له معاذ: أو مؤاخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس على مناخرهم أو على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟» هذه الحصائد بمعنى الكلام الذي يحصده الإنسان بلسانه، وهو الكلام الباطل، وهو الكلام الباطل. فهذا يدل على خطورة اللسان، ومن أضرار اللسان وآفات اللسان: التألي على الله سبحانه وتعالى. فاحذر من ذلك كما سمعت في هذا الحديث. ومن فوائد هذا الحديث: فيه سعة رحمة الله عز وجل وفضله على عباده، فالله سبحانه وتعالى أدخل هذا الرجل المذنب جنته برحمته سبحانه وتعالى، مع أنه في الدنيا كان مذنباً. وليس معنى هذا التساهل في أمر الذنوب والاتكال على رحمة الله. بعض الناس إذا نصحته في أمر، وعظته وذكرته، يقول لك: الله رحيم، الله غفور رحيم. ومن هذه الكلمات التي تدل على تغليب جانب الرجاء. نعم، الله غفور، الله رحيم، لكن كذلك شديد العقاب. فكن بين الرجاء والخوف: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾. ادعوا الله واعبدوا الله رغبا في رحمته وجنته، ورهبا من عذابه وسخطه وناره. فاعبد الله عز وجل بين الخوف والرجاء، فلا تيأس وتقنط من رحمة الله، ولا تتكل على رحمة الله سبحانه وتعالى. ومعنى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَتَأَلَّىٰ عَلَيَّ﴾، يعني: يتحجر فضلي ونعمتي، ألا أغفر لمن أساء من عبادي. هكذا يقول ابن عثيمين عليه رحمة الله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: المسائل: الأولى: التحذير من التألي على الله. وقلنا: المراد بالتألي، والتألي المحرم الذي فيه من الإعجاب بالنفس وتحجر فضل الله وسوء الظن به سبحانه وتعالى. الثانية: كون النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله. فهذا هذا الرجل ما كان بينه وبين النار مع أنه كان عابداً إلا أن قال هذه الكلمة، فمات عليها، فأدخله الله عز وجل النار. وهذا فيه أن العبد يجتهد في سؤال الله عز وجل الثبات، في حديث ابن مسعود المشهور المعلوم لديكم: «وإن الرجل لا يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها». يعمل بعمل أهل النار، ومن عمل أهل النار كما دل عليه هذا الحديث: التألي على الله عز وجل. فاحذر أن تكون في آخر حياتك تعمل بعمل أهل النار، والعياذ بالله. ففي ذلك أن النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله، وذلك بذنوبه والعمل السيء الذي يموت عليه. الثالثة: أن الجنة مثل ذلك. وهذا في حق من أدخله الله عز وجل الجنة برحمته، ما كان بينه وبين الجنة إلا أن توفاه الله سبحانه وتعالى. وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها». الرابعة: فيه شاهد لقوله: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة» إلى آخره. يعني: إن الرجل يتكلم بالكلمة من سخط الله، حتى ما يكون بينه... من سخط الله تزل به في النار سبعين خريفاً. سبعين خريفاً، بمعنى أن اللسان أمره خطير لمن أطلقها ولم يقيدها، ولم يراقب الله عز وجل، ولم يراقب الله عز وجل فيها. الخامسة: أن الرجل قد يغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه. فهذا الرجل الذي أدخله الله عز وجل الجنة، من أكره الأمور إليه أن يتأل عليه. صح أن يتأل عليه هذا الرجل الذي دخله الله الجنة برحمته، كره من ذلك الرجل العابد لما قال له: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الجنة. هل هو فرح بهذه الكلمة؟ لا، ليس بفرح، بل هو يكره ذلك. ومع هذا كان هذا الفعل وهذا الأمر سبباً في غفران الله عز وجل له ورحمة الله سبحانه وتعالى له، أو عليه، فأدخل الجنة. فالأمر لله عز وجل. فقد تظن أن فعلاً أو أن أمراً من الأمور هو شر لك وهو كره لك، ومع هذا فيه الخير الكثير، فيه الخير الكثير. ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، وهو خير لكم. فالله عز وجل يعلم وأنتم لا تعلمون. ففوض أمرك إلى الله سبحانه وتعالى. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب. وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى نأخذ الباب الذي بعده. إلى هنا والله تعالى أعلم.