الدرس في حال السلف في رمضان 9، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن فهم السلف الصالح للصيام كامتناع عن الذنوب والمعاصي وليس فقط عن الطعام والشراب. يبين أن الغاية من الصيام هي تحقيق تقوى الله.
يشرح أن الصيام يجب أن يكون عن جميع المعاصي والذنوب، وأنه وسيلة لتغيير السلوك والأخلاق وتحقيق تقوى الله. يجب على المسلم أن يكف عن المعاصي ويتحلى بالسكينة.
يختم الدرس بدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويجعل السامعين من أهل الهداية، ويختم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في هذا المقام إخواني في الله، ونحن نتذاكر وإياكم ما يتعلق بأحوال سلفنا الصالح في تعاملهم وفي تعبدهم لله سبحانه وتعالى في رمضان، نتذاكر وإياكم إخواني في الله ما يتعلق بفهمهم لحقيقة الصيام، كيف كان فهمهم لعبادة الصيام، وما الذي أراده الله سبحانه وتعالى من عباده من شريعة الصيام. تجد أن فهم السلف رحمهم الله تعالى ما خرج عن فهم الكتاب والسنة، وهو بخلاف ما عليه الكثير من عامة المسلمين في عدم معرفة حقيقة الصيام الذي أراده الله سبحانه وتعالى منهم. الكثير من الناس، إخواني في الله، متى ما دخل رمضان يرى أنه من اللزوم أن يمتثل لأمر واحد وهو الكف عن الطعام والشراب فقط لا غير. فيجد بعض من الناس ويظن بعضهم أنه إذا مر عليه رمضان وهو متصف بهذا الوصف، بأنه قد كف عن الطعام وعن الشراب، أنه قد حاز السبق وأنه قد وصل إلى منزلة عليا عند رب العالمين. وهذا المسأل، إخواني في الله، وهو الانكفاف والابتعاد عن الطعام والشراب، وإن كان من الواجبات، لكن ليس ذي حقيقة الصوم. يقول بعض سلفنا الصالح، وميمون بن مهران رحمه الله تعالى، قال: «أهون الصيام ترك الطعام والشراب». أهون الصيام أرباب الحقائق وأرباب الآداب والسلوك، عندما قسموا مراتب الصائمين، ذكروا واتفقوا على أن أدنى رتبة من رتب الصائمين الذي يكف عن الطعام والشراب، هذا الذي ما يعهد عنه سوى أنه قد ترك الطعام والشراب، هذا منزل من أدنى المنازل. هناك المنازل العليا التي ينبغي أن يلتحق بها أهل الصيام. فإخواني في الله، ينبغي أن نفهم كيف كان فهم سلفنا الصالح إلى حقيقة الصيام، فهمهم من خلال الأدلة التي أوردها ربنا في كتابه وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام المروية في سنته، فيها الدلالة على أن الذي يطلب من عباد الله أنه بعدما يكف عن الطعام والشراب، عليهم كذلك أن يكفوا عن الذنوب وعن المعاصي وعن الآثام. قال ربنا جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. ربنا جل وعلا ما شرع الصيام تضييقا للعباد أو تنحيفا للأبدان والأجساد، حاشا، وإنما ربنا سبحانه وتعالى شرع الصيام لغاية حميدة ولهدف نبيل، ألا وهي تقوى الله سبحانه وتعالى، ﴿لعلكم تتقون﴾. ونبينا صلوات ربي وسلامه عليه قد أوضح ذلك في أحاديث كثيرة، كما جاء في البخاري، قال عليه الصلاة والسلام: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». الزور هو الانحراف، فمعنى قول الزور هو كل قول محرف أو منحرف، وعمل الزور هو كل عمل منحرف. فإذا كان من فعل الصائمين ومن أقوال الصائمين أنهم دخلوا في الأقوال المحرمة، صائم وهو يسب، وهو يلعن، وهو يشتم، يدخل في الغيبة والنميمة والبهتان والاستهزاء والاستخفاف والغمز والطعن. من لم يدع قول الزور والعمل به، كذلك لم يترك العمل بالعمل المحرف، وهو عمل الزور. فتجد ماذا يسرق، تجده يضرب، تجده يعتدي، تجده يفعل أفعالا مشينة، من السماع ما لا يرضى ربنا جل وعلا، ومن رؤية ما لا يحب ربنا سبحانه وتعالى، فأوقع وجعل من صيامه وسيلة إلى فعل الذنوب والمعاصي. قال عليه الصلاة والسلام: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». أي: ما هي الفائدة يا عبد الله إن لم تكف وترعوي عن ترك الذنوب والمعاصي، وأنت لم ترعوي ولم تكف عن فعل الذنوب والمعاصي وأنت تدعي الصوم؟ هذا ليس حقيقة الصائمين يا عبد الله. ربنا جل في علاه ما ألزمنا بالصوم إلا لكي يكون هذا الصوم وسيلة إلى وصول إلى تقوى الله سبحانه وتعالى، أن نستدعي المقامات العليا من الخشوع، الخضوع، الخنوع، التوبة، الرهبة، الرغبة، الخوف، الخشية. هذا الذي ينبغي أن يتحلى به صائم في فترة صيامه. ينبغي للصائم، إخواني في الله، أن يستغل الصوم في أن يمنعه عن كثير من المعاصي. وهذا لو حاصل، كم من أناس لو ربما يريد أن يتوب من بعض المعاصي فلا يجد معونة بمثل الصيام، لا يجد معونة بمثل الصيام. الصيام يحجزك، يمنعك، كما قال عليه الصلاة والسلام: «الصوم جنة». قال علماء: جنة بمعنى يقيك من المعاصي. فهذه حقيقة الصوم، ليس الصوم فقط يقيك من الطعام والشراب، بل الصوم يا عبد الله يقيك من الذنوب ومن المعاصي ومن الآثام، وهكذا من الخطايا. وأيضا قال عليه الصلاة والسلام، كما ثبت ذلك من حديث أبي هريرة عند الحاكم والبيهقي، قال عليه الصلاة والسلام: «ليس الصيام عن الأكل والشرب، وإنما الصيام عن اللغو والرفث». هذه حقيقة الصائم. قال عليه الصلاة والسلام: «ليس الصيام عن الأكل والشرب، وإنما الصيام عن اللغو والرفث». فينبغي إخواني في الله أن نستشعر إلى حقيقة الصوم. وعلى هذا فهم سلفنا الصالح. ثبت عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: «ليس الصيام عن الطعام والشراب، وإنما الصيام عن الكذب والباطل واللغو». هذا حقيقة الصوم. أما إذا رأيت من نفسك يا عبد الله أنك أغلقت الفم عن الطعام والشراب، وبالمقابل فتحت الفم على السب واللعن والغيبة والنميمة، فاعلم أنك لم تستفد من صومك. اعلم يا عبد الله أنك لم تستفد من صومك، بل إن هذا لربما يرجع عليه يرجع على صومك بالنقصان. لا تظن هذا الظن الموجود عند كثير من الصائمين أنه إذا أمسك الفم منذ بزوغ الفجر إلى غروب الشمس أن الصوم قد كمل. لا يا عبد الله، ما كمل صومك إذا كنت سبابا، وإذا كنت لعانا، وإذا كنت شاتما، وإذا كنت كذلك مغتابا، وإذا كنت يا عبد الله نماما، وإذا كنت ترابيّا، وإذا كنت تترك الصلاة، وإذا كنت يا عبد الله تفعل ما حرم الله، تؤذي الناس، تؤذي عامة المسلمين، تؤذي من كان من خواصك من أهلك وأزواجك وأقاربك وأرحامك. إذا كان عليك سجل من المعاصي والذنوب، اعلم أن هذه السجلات ليست بمنأة عن العودة إلى التنقيص من صومك. لا، سترجع ترجع عبد الله. إذا كان في ظنك أن إغلاق الفم من بزوغ الفجر إلى غروب الشمس صومك صحيح مئة في المئة، لكنك سببت، اعلم أن هذه النسبة تقل. أنك اغتبت ونمت تقل، وهكذا ربما يضم حل صومك، قد ما تستفيد من صومك شيء. ولهذا ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وهذا اللفظ يحسن الجماعة من أهل العلم، قال عليه الصلاة والسلام: «رب صائم ليس من صيامه إلا الجوع والعطش». هذا حفظ بعض الصائمين، ليس من صيامه إلا الجوع والعطش. من أين جاءت هذه المرتبة؟ جاءت هذه المرتبة في حق من لم يعترف ويعرف حقيقة الصوم. تجده صامع عن الطعام والشراب، لكنه في المقابل أقبل على المحرمات. ابن رجب رحمه الله تعالى بيّن حال بعض الناس الذين صور حال بعض من يأتي في رمضان ويكف عن الطعام والشراب ويقبل على الحرمات والمحرمات. وبين رحمه الله تعالى أن الطعام والشراب هي في أصلها مباحة، أكل وشرب مباح، ومنعنا منها في رمضان، وأن المحرمات هي في أصلها محرمة، ينبغي أن تشتنب. قال ابن رجب رحمه الله تعالى: فإذا وجد أن رجلا قد ابتعد عن الطعام والشراب وأقبل على الحرمات والمحرمات في رمضان، قال: هذا حاله كحال من يترك الفرائض ويقبل على النوافل. أهذا مستصاغ شرعا أو عقلا؟ تجد بعض الناس ما يصل للظهر، وإذا ركع ماذا ركعت؟ يقول: للسنة البعدية للظهر، والظهر ما أصلا. وإذا دخل المغرب صلى المغرب ثم النافلة القبلية ثم خرج وجلس في الخارج، وإذا سلم الناس من صلاة المغرب دخل وصل البعدية. أهذا يعقل؟ يحص على النوافل القبلية والبعدية وعلى السنن والرواتب ولا يصل الفريضة؟ أهذا يعقل؟ هذا حال من يكون هذا حاله في رمضان، إذا جاء عن الطعام والشراب. قال: أعوذ بالله من الطعام والشراب، أنا صائم. وإذا جاء عن الذنوب والمعاصي أقبل عليها، دخل بها من قول المحرم وسماع المحرم وهكذا من كل فعل محرم. وقد قال جابر رضي الله تعالى عنه، كما روى ذلك ابن أبي شيبة في مصنفه بإسناد صحيح، قال جابر: «إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء». كلمات تكتب بماء الذهب. قال رضي الله تعالى عنه: «إذا صمت فليصم معك سمعك وبصرك ولسانك». إذا لا تجعل همك من الصوم يا عبد الله أنك تغلق المعدة، هذا جزء المعدة، جزء من أجزاء البدن. وإنما البدن بجميع أبدانه وأعضائه ينبغي أن يصوم مع المعدة. قال: «إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب، ودع أذى الجار». حتى الأذية، حتى الأذية. وهذا كذلك مسألة مهمة. بعض الناس صحيح قد يفهم أنه في صيامه عليه أن يكف عن الطعام والشراب وعليه أن يكف عن المعاصي، ولا يبالي بمعاشرته للناس في رمضان. في مثل المعاصي يبتعد عنها، لكن في معاشرته مع الناس تجد هو لربما كان غليظا مع الناس، متعنفا مع أهله، لربما يتأفف مع والديه، لربما كثير المخاصمة، كثير الشكوك، كثير الظنون، لربما يشتم ويلعن ويغتاب. لا يا عبد الله، بل حتى معاملتك للناس ينبغي أن تتغير. ولهذا ثبت عن نبينا كما جاء في السنة من حديث ابن عباس، قال عليه الصلاة والسلام: «الصوم جنة، فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم، إني صائم». يعني حتى في باب الأخلاق ينبغي أن تغير من طبيعتك يا عبد الله، ينبغي أن تغير من هديك. ولهذا قال جابر: «ودع أذى الجار». حتى أذية الجيران لا تأتيها. فإذا كنت مأمورا بترك أذية الجار، فما ظنك بأهلك؟ ما ظنك بأولادك؟ ما ظنك بقرابتك؟ ما ظنك بأرحامك؟ ما ظنك بوالديك؟ ما يتأتى هذا أنك تكون يا عبد الله في صيام وأنت مؤذي لخلق الله؟ لا يا عبد الله. إخواني في الله، فينبغي أن نفهم حقيقة الصيام. الصيام هو ما هو إلا وسيلة لجلب تقوى الله سبحانه وتعالى. ويظهر ذلك في فلتات ألسنتنا، ويظهر ذلك كذلك في معاملتنا ومعاشرتنا مع الناس. إذا كنت يا عبد الله صائما وأنت مؤذي لخلق الله، وأنت متطاول على شرع الله سبحانه وتعالى بفعل الذنوب والمعاصي، وأنت مصر على معاشرة الناس على أرذل الأخلاق والآداب، فاعلم أن هذا يخدش في صومك. فهكذا إخواني في الله كان فهم سلفنا الصالح لحقيقة الصيام. قال علي رضي الله تعالى عنه: «ليس الصيام عن الطعام والشراب، وإنما الصيام عن الباطل واللغو والكذب». وقال جابر: «إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك». حتى في سلوكك الشخصي يتغير، يعني ما يكون لهذا. جاء في بعض الأحاديث في البخاري، قال: «فلا يصخب». فلا يصخب بكثرة الصوت والصراخ والنعيق. ما ينبغي في رمضان يا عبد الله، حتى في علاقتك الشخصية تتغير. هذا الذي ينبغي أن يكون أنك من كان من هديه الصياح والصراخ ورفع الأصوات بغير حاجة، هذا ما ينبغي أن تأتي وأنت في رمضان. وإنما ينبغي أن تعلوك السكينة، يعلوك الوقار، كما قال: «فلا يصخب». قال: «وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك». «ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء». ما ينبغي يا عبد الله أن تجعل جميع الأيام شبيهة برمضان، لا رمضان له جنابه، له عظمته، له تعظيمه وتوقيره وتقديره. شهر معظم، شهر مبجل، شهر مقدس، عظمه ربنا جل وعلا عن باقي الشهور. فينبغي يا عبد الله أن يعظم من قبل الخلق، يعظم أن لا تجعل رمضان كبقية الشهور، ينزه عن المعاصي، ينزه عن الذنوب، ينزه كذلك عن سفاسف الأمور، ينزه كذلك عن رذائل الأخلاق وعن مساوئ الآداب. ينبغي إخواني في الله أن نفهم حقيقة الصيام. ومن ظن أن الصيام هو إغلاق الفم فقط، فليقال له: هذا أدنى طبقات الصيام، كما قال ميمون: «أدنى الصيام ترك الطعام والشراب». ولهذا إخواني في الله، يذكر العلماء من باب الفائدة أن ربنا سبحانه وتعالى عندما ذكر آيات الصيام في سورة البقرة أتبعها بتلكم الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا، أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام﴾. ذكر العلماء: ما هي النكتة؟ ما هي الفائدة؟ ما هو السر البلاغي؟ بعدما ذكر ربنا جل وعلا أحكام الصيام أتبعها بهذه الآية المتعلقة بتحريم أكل أموال المسلمين بعضهم فيما بعض. قال علماء: السر والرطف في هذا أن هذا إشارة، كما أنك يا أيها الصائم قد كففت عن الطعام والشراب، فإن هذا يلزمك أنك تكف عن أكل أموال المسلمين. وهذه التربية التي أرادها ربنا سبحانه وتعالى من شرعية الصيام. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.