حال السلف في رمضان 10

حال السلف في رمضان 10

الدرس في حال السلف في رمضان 10، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

حكم المخالفات الشرعية في نهار رمضان

تتناول هذه الفصل مسألة تأثير المخالفات الشرعية على صحة الصيام في رمضان، حيث اختلف العلماء في تحديد نوع المخالفة التي تؤثر على الصيام. يرى بعض سلفنا الصالح أن بعض المخالفات قد تبطل الصيام وتوجب القضاء.

آراء الفقهاء في تأثير المعاصي على الصوم

اختلف العلماء في تأثير المعاصي على صحة الصوم، فمنهم من رأى أنها تبطل الصوم وتوجب القضاء، ومنهم من رأى أنها تنقص الصوم وتضعفه دون أن تبطله. كان سلفنا الصالح يحرصون على الالتزام بترك الذنوب أثناء الصوم.

تطبيق الصيام عمليا على سائر المخالفات

ينبغي للمسلم أن يطبق الصيام عمليا بتجنب جميع المخالفات، وليس فقط الامتناع عن الطعام والشراب. يجب أن يشمل الصيام أيضا الكلام السيئ مثل السب والشتم والغيبة والنميمة لتحقيق النفع الحقيقي من الصيام.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. وأما بعد، إخواني في الله، لازلنا وإياكم نتذاكر ونتباحث حول حال سلفنا الصالح في مثل هذا الشهر الفاضل. ومر معنا إخواني في الله فيما سبق حول ما يتعلق بفهمهم لحقيقة الصيام، وأن السلف الصالح من خلال استقرائهم لنصوص الكتاب والسنة فقهوا وفهموا وعلموا أن ليست الغاية من الصيام هو الكف عن الشراب والطعام، وإنما حقيقة الصيام تكمن في ترك الذنوب والمعاصي والآثام. بقيت مسألة وملحقة بهذا الباب، إذا كانت هذه حقيقة الصيام، حقيقة الصيام هو في ترك المخالفات، بقيت هذه الحقيقة، ما حكمها في رمضان؟ هل هي شرط صحة أم أنها شرط كمال؟ بمعنى أنه لو أن رجلا من الصائمين لم يتحرز مما أمره الشرع أن يتحرز منه، فدخل في المخالفات ودخل في الموبقات ودخل في المعاصي والآثام وهو صائم، هذا التأثير لا شك أن هذه المعاصي تؤثر، وهذا محل إجماع للأدلة الدالة في هذه المسألة، لكن بقي هذا التأثير، تأثير المخالفات على الصيام، هل يعود عليه بالنقصان أم يعود عليه بالبطلان؟ ومن نظر إخواني في الله إلى بعض سلفنا الصالح، من ذهب إلى المذهب الثاني، فقد وجد جماعة من سلفنا الصالح من يصرح بأن المخالفات في نهار رمضان تؤثر في الصيام لدرجة البطلان، بأن لا يبقى لك من صومك شيء. قال رجاء بن أبي سلمة رضي الله عنه: قلت لمجاهد يا أبا الحجاج، أرأيت الغيبة أتنقض الوضوء؟ قال: نعم، وتفطر الصائم. فكان هذا مذهب عند بعض سلفنا الصالح يرى أن المخالفات تحبط فضل الصيام وأجر الصيام، بل كذلك الصيام برمته. وقد تنوعت فتاوى العلماء، فمن أهل العلم من سلفنا الصالح من حصر الزلل في ذنب معين، فمنهم من كان يرى أن الكذب في حق الصائم يبطل صومه، كما قال إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى: كانوا يقولون الكذب يفطر الصائم. فإذا كان أحد يستحل الكذب في يوم صومه، يكذب مع ذا ويكذب مع هذا، ويستحل الكذب في يوم صومه، فعلى قول جماعة من أهل العلم يرون أن صومه هذا قد بطل، وعليه القضاء. ومنهم من كان يرى أن الغيبة هي التي تفطر، وهذا مشهور ومذهب مذكور عن الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى، أنه كان يقول: الغيبة تفطر الصائم. فلو كان رجلا عندهم في مجلس من المجالس، تكلم هنا وتكلم هناك، ثم انزلق لسانه فتكلم عن إخوانه، عن أرحامه، عن جماعة المسلمين، تكلم عن شخص بعينه بما لا يحب، بما يكرهه، فإذا كان هذا أمره، فقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن صومك في هذا اليوم قد بطل، وعليك القضاء. وهذا إنما كان من فهمهم لحقيقة الصوم، قالوا: حقيقة الصوم ليس فقط ترك الطعام والشراب، بل ما هو أعظم من ذلك، وهو ترك الذنوب والمخالفات والآثام. فإذا كان ترك الطعام والشراب إذا ما ترك أحد الطعام والشراب فإنه يفطر، فما ظنك بما هو أعظم من الطعام والشراب، وهو المخالفات؟ فمن وقع فيها فحكم أعظم ممن وقع في الطعام والشراب، فعليه الوزر، وكذلك عليه البطلان. ومن أهل العلم من جمع، كما نقل ذلك عن عبيدة السلماني رحمه الله تعالى، كان يقول: اتقوا المفطرين الكذب والغيبة. فكانت هذه مذاهب مشهورة وأقوال مأثورة عن سلفنا الصالح، أنهم كانوا يلزمون الناس كما أنكم التزمتم بترك الطعام والشراب، فعليكم كذلك الالتزام بترك الذنوب والمخالفات والآثام. وحرص يا عبد الله على هذا، وهذا كذلك مذهب يحكى، بل كذلك نقل ما هو أعظم من ذلك، الوقوع في الناس، كما ذكر ذلك الحسن بن وهب الجمحي رحمه الله تعالى، قال: تخاصمت مع رجل من أهل مكة، حتى وقعت فيه وقلت عنه بأنه مخنث، قال: ثم صليت الظهر، فوقع في قلبي شيء، فذهب يستفتي الحسن البصري رحمه الله تعالى عن هذه الكلمة، قال: يعيد الوضوء ويعيد الصلاة ويعيد الصوم. فكان ذلك تربية من سلفنا الصالح على أنك يا عبد الله في حال صومك احرص أنك لا تخدش بشيء، لربما هذا الخدش الذي ستصيب به الصيام لا ينقصه بل كذلك لربما يبطله. ابن حزم رحمه الله تعالى، وهو مذهب من أئمة المذهب الظاهري، تبنى هذا المذهب، فكان من مذهب الظاهرية أن أي مخالفة أي معصية تصدر من الصائم في أثناء صيامه فإنها تبطل صوم ذاك اليوم. وقد صرح بهذا في المحلى، حيث قال رحمه الله تعالى: والصوم يبطله بأي معصية، يبطل الصوم. قال: من ذاكر متعمدا قولا أو فعلا، إذا كان هذا الصائم ليس ناسيا وليس عن خطأ، بل ذاكر في حال ذكره وحال عمدته يأتي معصية من المعاصي، ثم عدد من ذلك الغيبة، ومن ذلك النميمة، ومن ذلك الاعتداء، ومن ذلك ترك صلاة الجماعة، ذكر عددا من العصيان الشتى أن من ابتلي بها في حال صومه وهو متعمد وهو ذاكر، ليس ساهيا، ليس ناسيا، ليس مخطئا، ليس جاهلا، بل ذاكر متعمد، وهذه المعصية سواء كانت معصية قولية أو معصية فعلية، فيرى ابن حزم رحمه الله تعالى أن صومه قد فسد وصومه قد بطل. وهذه مذاهب مذكورة عن سلفنا الصالح، وهذا إخواني كان منهم لفهمهم لحقيقة الصوم، علموا أن الصوم ليس فقط حقيقته ترك الطعام والشراب، وإنما حقيقته هو تقوى الله سبحانه وتعالى، وذلك بترك الذنوب والمخالفات، فعندهم الذي لا يترك المخالفات كحال الذي لا يترك الطعام والشراب، فحكمهم واحد. وطبعا هذه لهم أدلة، وليس هذا المقام مقام ذكر الأدلة التي استدلوا بها، فلهم أدلة صحيحة لكنها غير صريحة، وأدلة صريحة لكنها غير صحيحة، يرجع في ذلك في المطولات. ولكن الذي عليه جماهير العلماء على أن المخالفات من الذنوب والمعاصي أنها لا تبطل الصوم، هذا الصحيح، لكنها تنقصه، لكنها تضعفه، لكنها تحدث فيه خللا وارتباكا، هذا الذي عليه جماهير العلماء من المالكية والحنابلة والشافعية والأحناف على هذا. وحتى من بديع ما يذكر أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى قيل له عن هذا القول: هل الغيبة تفطر؟ فقال رحمه الله تعالى: قالوا إن الغيبة تفطر، لم يبق لنا صوم، لم يبق لنا صوم. وهذا من تواضعه، يعني يقول: لو كان هذا المذهب على ما تقولون بأن الغيبة تفطر، ما بقي منه أحد صائما، لأن ما منا من أحد إلا وتزل لسانه ويتكلم هنا ويتكلم هنا. فكان ذلك من تواضع أنه كان يرفض هذا المذهب، وهذا الذي عليه جماهير العلماء، فالصحيح في المسألة أن المخالفات والمعاصي والذنوب أنها تؤثر بالصوم، لكنها لا ترده بالبطلان، لكن بالنقصان. ولكن هذه إخواني في الله لفتة مهمة حتى نعرف كيف كان السلف يربون أنفسهم، وكان من أمرهم أنهم عظموا حقيقة الصيام. فينبغي إخواني في الله أن نعظم مما عظمه السلف، ألا تكون همتنا فقط في الحرص على إطباق الفم عن الطعام والشراب، بل كذلك علينا أن نطبق الفم عن السب وعن الشتم وعن اللعن وعن الغيبة وعن النميمة وعن الجدال العقيم، الجدال غير النافع، عن إضاعة الأوقات، عن القيل والقال، عن الاستهزاء والاستهتار، وقس على ذلك سائر المخالفات، فإن يا عبد الله تؤثر في صيامنا كما سمعت عن سلفنا الصالح. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.