الدرس في حال السلف في رمضان 12، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع موضوع مضاعفة الأجور في شهر رمضان، حيث يشير إلى أن الأعمال الصالحة تتضاعف أجورها في هذا الشهر الفضيل. وليس الصيام وحده، بل تشمل سائر الطاعات والعبادات.
المقطع يشرح كيف أن الأعمال الصالحة تتضاعف في رمضان وغيره من الأزمنة الفاضلة، ويوضح أن هناك مضاعفة عامة للأعمال الحسنة إلى عشر أمثالها. ومضاعفة خاصة إلى سبعمائة ضعف لمن يشاء الله.
يشرح الحديث النبوي كيف أن الأمة الإسلامية لها أجر مضاعف مقارنة بالأمم السابقة، وأن الأجور تتضاعف لشرف العامل وزمن العمل. كما يوضح أن السيئات تتضاعف في رمضان بالكيفية وليس بالكمية.
يجب الحرص على الأعمال الصالحة لأن أجرها مضاعف، وفي نفس الوقت يجب الحذر من الاسترسال في الذنوب والمعاصي لأن وزرها مضاعف. يُطلب من الله أن ينفعنا بما قلناه وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، مما أثر عن سلفنا الصالح في مثل هذه المواسم المباركة، في هذه الليالي الفاضلة، ما يتعلق بفهمهم من مسألة مضاعفة الأجور، فلا شك ولا ريب إخواني في الله أن من أعظم خصائص رمضان أن ربنا سبحانه وتعالى ضاعف فيه الأجور. وقد جاء التخصيص وجاء التنصيص عما يتعلق بأمر الصيام خاصة، كما جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله: إلا الصوم فإنه لي». أخبر نبينا صلوات ربي والسلام عليه أن أعمال أهل الإسلام تتضاعف الحسنة بعشر أمثالها، إلا ما يتعلق بأمر الصوم، فصيام رمضان أجره مضاعف إلى أي حد؟ إلى حد لا يعلمه إلا الله جل في علاه، فهو لا يدخل تحت هذه المعادلة بأن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، لا يدخل صيام رمضان في هذه المعادلة، وإنما معادلة خارج نطاق هذه المعادلة بأمر لا يعلمه إلا الله. حتى قال الأوزاعي رحمه الله تعالى، مبينا مضاعفة الأجور لأهل الصيام: «لا يكال لهم ولا يوزن لهم، وإنما يغرف لهم غرفا». لا يكال لهم ولا يوزن لهم، أي أجر الصائم من صام رمضان، أجره لا يدخله عد ولا حساب، لا يكال لهم ولا يوزن لهم، وإنما يغرف لهم غرفا، يغرف لهم غرفا، فضل من الله سبحانه وتعالى لأهل الصيام. لكن بقي إخواني في الله: هل هذه الفضيلة، مضاعفة الأجور، متعلقة بالصوم فحسب؟ أم أنه يدخل في ذلك سائر الأعمال والطاعات التي يفعلها الصائمون في نهار رمضان وفي ليله؟ الصحيح الذي دلت عليه عمومات الأدلة تدل كذلك على أن سائر الأعمال تدخل في حيز المضاعفة. يؤيد هذا ما جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «عمرة في رمضان تعدل حجة»، وفي لفظه: «عمرة في رمضان تعدل حجة معي». فأخبر عليه الصلاة والسلام أن أجر العمرة يضاعف في رمضان لدرجة أنه يثاب صاحبها كما يثاب الحاج. وهذا استفاد منه العلماء على أن الصحيح في المسألة أن سائر الأعمال في رمضان يضاعف أجرها، ليس الصوم فحسب، بل كذلك كل عمل صالح من قول ناصح أو عمل صالح. وأيضا هذا كذلك عمومات الأدلة، ما جاء في أمر الدعاء، فإن الله سبحانه وتعالى كما جاء عند البزار، قال عليه الصلاة والسلام: «إن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة». فإن لكل مسلم في كل يوم وليلة كذلك الدعاء أمره مضاعف، أن الله سبحانه وتعالى ضاعف وقت الاستجابة في رمضان خاصة. وهكذا باقي الأدلة، قال عليه الصلاة والسلام: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». هذه المثوبة يا عبد الله ليست في حق من صام الدهر كله، فإنما من صام رمضان هذه الأيام المعدودات، من صبر عليها، فقام رمضان إيمانا واحتسابا، كان من أمره أن ضاعف له ربنا جل وعلا الأجر والمثوبة، فغفر له ربنا سبحانه وتعالى ما يتعلق بذنوبه. وهكذا يا عبد الله، من تمعنا في سائر الفضائل، تجد أن الشريعة قد أشارت إشارات إلى أن الأعمال الصالحة من صيام، ومن قيام، وكذلك من سائر الأعمال والطاعات والعبادات، فإنها تدخل في حيز المضاعفة. وعلى هذا كان فهم السلف، يقول ابن أبي مريم رحمه الله تعالى: «كان أشياخي يقولون: انبسطوا بالنفقة، فإنها مضاعفة». وإن تسبيحة في رمضان خير من ألف تسبيحة. هكذا نقل عن مشائخه أنهم قالوا: «انبسطوا بالنفقة، فإنها مضاعفة». ومن أين استفاد المضاعفة؟ من عمومات الأدلة. إذن دل ذلك على أن فهم السلف على أنهم كانوا يرون أن سائر الأعمال، فعلها في رمضان، يدخل كذلك في المضاعفة، فالصدقة والنفقة وأمر الجود كله مضاعف. ثم قال: «وإن تسبيحة فيه أفضل من ألف تسبيحة». وهكذا ما أثر عن إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى، مبينا هذا الفهم، قال: «صوم يوم في رمضان أفضل من ألف يوم، وتسبيحة في رمضان أفضل من ألف تسبيحة، وركعة في رمضان أفضل من ألف ركعة». فدل ذلك على أن الصيام، وأن القيام، وأن النفقة، وأن الجود، وأن التسبيح والاستغفار، وذكر الله سبحانه وتعالى، وقراءة القرآن، والركعات النوافل والمندوبات، وسائر الأعمال والطاعات، كلها تتضاعف. هكذا كان سلفنا الصالح إخواني في الله، فهم من هذه النصوص، وهذا إن دل على عظيم فضل الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة المحمدية، فاقبل يا عبد الله على أي خير تستطيع عليه، فلا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أنك تنفق تمرة في سبيل الله لوجه الله، فإن الله سبحانه وتعالى يضاعف أضعافا كثيرة. وهنا مسألة ناسب ذكرها في هذا المقام، وهي متعلقة بمضاعفة الأجور. ذكر العلماء أن الأعمال الصالحة تضاعف، وهناك مضاعفة عامة ومضاعفة خاصة. المضاعفة العامة هو أن أي عمل تعمله يا عبد الله يضاعفه ربنا جل وعلا إلى عشر أمثالها، وهذا في كل عمل، في كل عمل من عمل حسنة، فله عشر أمثالها، في كل عمل من أي شخص كان من المسلمين، إن فعلت عملا صالحا يا عبد الله، فإن الله يضاعفه إلى عشر أمثالها، هذه المضاعفة العامة. لكن هناك مضاعفة خاصة، وهو أن ذلك يضاعف إلى سبعمائة ضعف، هذا ليس لكل أحد، هذا ليس لكل أحد، الذي جعله ربنا لكل أحد من المسلمين الحسن بعشر أمثالها إلى هذا الحد نعم هذا لك، لكن ما زاد عن ذلك فهذا أمر خاص يعطيه ربنا سبحانه وتعالى من شاء من عباده. وقد ذكر العلماء هناك قواعد عامة أن العمل يضاعف إلى أضعاف كثيرة، إما لتعلقه بشرف الزمان، أو لشرف المكان، أو لشرف العامل. إما لشرف الزمان مثل هذا الشهر المفضل رمضان، شهر فاضل، فمن أدى عملا صالحا فيه، فإن الله سبحانه وتعالى يضاعف أضعافا كثيرة. وقد مرت الأدلة على ذلك، مثل العشر من ذي الحجة: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام». لما هذه المحبة الزائدة لهذه الأعمال؟ لأن الشهر أو لأن هذه الأيام أيام العشر من ذي الحجة من الأيام المفضلة والمقدسة عند الله سبحانه وتعالى. فإذا وافيت يا عبد الله زمنا فاضلا، فاعلم أن الأعمال فيه أجرها مضاعف، هذا يسميه العلماء بشرف الزمان. وكذلك بشرف المكان، لربما تؤدي عبادة في مكان أجرها ليس كأجر ذاك المكان الآخر، وها طبعا لما دلت عليه الأدلة، مثل الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة، والصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة، وهذا لا يكون في أي مسجد من مساجد، وإنما هذه لشرف المكان، ففي بعض الأماكن أمرها معظم، أمرها مشرف. وكذلك لشرف العامل، قد يكون إنسان مثلك أنت كإنسان ليس هناك مزية من حيث البدنية والجسدية، هو هو وأنت هو، لكن لشرف هذا العامل عند الله سبحانه وتعالى، فإن لو عمل عملا صالحا، فإن الله يضاعفه لشرفه، أي لشرف العامل. ومن ذلك ما يكون من شرف هذه الأمة، الأمة المحمدية هي من خيرة الأمم، من خيرة الأمم، لا هناك أمة توازيها ولا تساويها، لا اليهود ولا النصارى، فلشرف أمة محمد عليه الصلاة والسلام على سائر الأمم، فإن الله ضاعف لها الأجور، ضاعف لها الأجور. فلو أن عملا واحدا عمله يهودي أو نصراني، فلهم أجر معين، لكن إن هذا العمل عمله مسلم، فإن الله يضاعفه، لماذا؟ لشرف العامل. ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر وعن جميع الصحابة، قال عليه الصلاة والسلام: «إنما مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استأجر أجراء، فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار وله قيراط؟ فعملت اليهود من بعد الفجر إلى نصف النهار إلى الظهر على قيراط واحد. ثم قال هذا الرجل الذي استأجر الأجراء: فمن يعمل لي من نصف النهار إلى العصر على قيراط؟ فقامت النصارى وعملت من نصف النهار إلى العصر على قيراط واحد. فقال هذا الرجل: فمن يعمل لي من العصر إلى المغرب على قيراطين؟ فقال عليه الصلاة والسلام: فأنتم هم، فأنتم من كان هذا حظهم، أنكم عملتم من بعد العصر إلى غروب الشمس على قيراطين». قال عليه الصلاة والسلام: «فغضبت اليهود والنصارى غضبوا من هذه القسمة، قالوا: عملنا كثيرا وعطاؤنا أقل». يعني لو حسبت الساعات من بعد الفجر إلى الظهر، ومن بعد الظهر إلى العصر، الساعات طويلة والعطية قليلة، قيراط قيراط، بينما أهل الإسلام الذين عملوا من بعد العصر إلى المغرب سويعات لهم الأجر مضاعفة، قيراطين قيراطين. فغضبت اليهود وغضبت النصارى، قالوا: «عملنا كثيرا وعطاؤنا أقل». فقال الله سبحانه وتعالى: «هل ظلمتكم في حقكم شيئا؟ قالوا: لا». قال: «فذلك عطائي أوتيه من أشاء». فذاك عطائي، في رواية: «فذاك فضلي أوتيه من أشاء». فهذا فضل من الله، أن الله سبحانه وتعالى يضاعف الأجور لشرف العامل، ومن ذلك الأمة الإسلامية لشرفها عن باقي الأمم، ضاعف لها ربنا في أجرها وثوابها. وهكذا الصحابة، الصحابة هم أعلى شرفا وأعلى كعبا من أمة الإسلام، فلهم ميزة وخصيصة ليست لغيرهم، ولهذا كان فعلهم وعطاءهم مضاعف عن غيرهم. قال عليه الصلاة والسلام: «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدهم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». أي لو أن أحدا من الصحابة تبرع أو تصدق بملء مد ما يملأ الكفين المعتدلين، أو نصف المد، لو تبرع أحدهم وتصدق بمد أو نصف مد، هذا التبرع لا يساوي تبرعكم بجبل أحد، لماذا؟ لأن أجرهم مضاعف، لماذا؟ لشرف العامل. وهكذا عبد الله المسلم إذا حسن إسلامه، وهذا ليس لأي أحد، أهل الإسلام يختلفون وهم طبقات شتى في التزامهم وتمسكن بشرع الله، هناك المتهاون، هناك المتهور، هناك المنحرف، هناك المستقيم على شرع الله عز وجل، فهؤلاء إذا فعلوا وعملوا أعمالا صالحة، فلا يستويان في الأجر، فمن كان على استقامة وعلى تدي لله سبحانه وتعالى، فإن عمل الصالح الذي يعمله يضاعفه له ربه، بخلاف غيره من أهل الإسلام. قال عليه الصلاة والسلام: «إذا حسن أحدكم إسلامه، فإنه بكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف». هذا لمن؟ ليس لكل مسلم، لكن لمن حسن إسلامه، لمن حسن إسلامه، أي حسن دينه لربه سبحانه وتعالى. هنا تأتي مسألة إخواني، فإذا علمنا أن الأجور تضاعف، وكذلك إن كان في زمن فاضل في رمضان، تأتي مسألة: وهل السيئات تضاعف؟ الصحيح نعم، كما أن الحسنات في رمضان تضاعف، فإن السيئات في رمضان تضاعف، فالسيئة التي تعملها يا عبد الله في رمضان ليست كالسيئة التي تعملها في غير رمضان، لأن الوزر في رمضان يضاعف. لكن يقول علماء: لكن مضاعفة الوزر والأوزار لا تكون بالكمية، لا تكون بالكمية، لأن الله سبحانه وتعالى قد أخبر أن السيئة بمثلها، السيئة بالسيئة. طيب كيف تضاعف؟ قال العلماء: تضاعف بالكيفية لا بالكمية، كيفيتها تضاعف، فمثلا لو أن رجلا سب ولعن وشتم في خارج رمضان، هذه سيئة، وإن سب وشتم ولعن في رمضان، فهذه سيئة، هي واحدة واحدة لنص القرآن والسنة على ذلك، هي واحدة واحدة، لكن انتبه يا عبد الله، لكن هذه السيئة الواحدة في حجمها وفي كيفيتها ليست كالسيئة التي عملتها خارج رمضان. إذن هناك مضاعفة، لكن ليس في العدد، لكن مضاعفة في الكيفية والنوعية. وهذا تنبيه عبد الله، كما أنك تحرص كل الحرص على الإقبال على الأعمال الصالحة لأن أجرها مضاعف، كذلك يا عبد الله احذر أنك تسترسل في الذنوب والمعاصي، فإن وزرها مضاعف. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.