حال السلف في رمضان 1

حال السلف في رمضان 1

الدرس في حال السلف في رمضان 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية إطالة العمر وفضل المواسم المباركة

يُناقش أهمية إطالة العمر في طاعة الله واستغلال المواسم المباركة بالأعمال الصالحة. يُبين أن من دلائل الخيرية أن يُطيل الله عمر العبد ليزيد من طاعاته.

الاقتداء بسلفنا الصالح ومنهجهم

يؤكد على أهمية الارتباط بسلفنا الصالح واتباع منهجهم لتحقيق الهداية. يجب أن نتأسى بهم في عباداتنا ومعاملاتنا وليس مجرد قراءة تاريخ أو حكايات.

فوائد ذكر أحوال السلف في رمضان

ذكر أحوال السلف في رمضان له فوائد منها الرد على شبهة عدم التأسي بالنبي وتقديم سلفنا الصالح كقدوة وكسر غرور الناس ونشر مناقبهم.

ختام الموضوع والدعاء للتوفيق

يختتم بالتأكيد على أهمية استلهام سلفنا الصالح في رمضان ويدعو الله أن ينفعنا بما قيل ويعيننا على بلوغ الأيام المباركة بالصيام والقيام.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، ذكرنا يا إخواني في الله مقام سلف بأن من دلالة الخيرية والرشاد لمن أراده الله سبحانه وتعالى - لمن أراد من العباد - أن يطيل في عمره، وأن تكون إطالة الأعمار في مثل هذه المواسم المباركة، قال عليه الصلاة والسلام: «طوبى لمن طال عمره وحسن عمله». فإن رأيت يا عبد الله من نفسك أن الله سبحانه وتعالى قد أطال في عمرك لكي تحضر مثل هذه المواسم ومثل هذه المناسبات، فتزداد وتتزود بالطاعات والأعمال الصالحة، اعلم يا عبد الله أن هذه دلالة على إرادة الخيرية من الله سبحانه وتعالى في حقك. قال عليه الصلاة والسلام: «خياركم أطولكم أعمارا أحسنكم أعمالا». والعمر يا عبد الله نعمة، وأي نعمة إذا كانت ستقضى في طاعة الله سبحانه وتعالى، بل ولو أنك عمرت يوما فاضلا زائدا عن غيرك، وكان هذا اليوم في طاعة الله وفي سبيل الله، فإن ذلك نعم البشرى ونعمة الهبة من الله سبحانه وتعالى لك. ذكر شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين» من حديث عبيد بن خالد رضي الله تعالى عنه أن نبينا صلى الله عليه وسلم آخى بين رجلين، أي جعل بينهما مآخاة، فإذا بالأول قتل في سبيل الله، ثم بالآخر يموت بعده بفترة، مات الآخر الذي كان معه في مآخاة، فقام - قال الراوي عبيد بن خالد - قال: فصلينا على الثاني الذي مات بعد الأول ببرهة من الزمن، فصلينا على الثاني، فقال لنبينا صلى الله عليه وسلم: ماذا قلتم؟ أي في صلاتكم؟ قلنا: يا رسول الله، دعونا الله له، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم ألحقه بصاحبه، اللهم ألحقه بصاحبه، أي الذي مات قبل فترة. فقال نبينا صلى الله عليه وسلم مستنكرا مستغربا: «فأين صلاته من بعد صلاته؟ وأين صيامه من بعد صيامه؟ وأين عمله من بعد عمله؟» أي: كيف ترجون - كيف ترجون - بهذا الذي عاش بعد أخيه فترة من الزمن؟ جاء عند أبي داود بإسناده صحيح، بحسن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، أن الفترة التي كانت بين الأثنين عبارة عن أسبوع، عبارة عن أسبوع، رواية، قال: «كان بينهما قدر جمعة»، أي أسبوع. فهذا الذي مات بعد أخيه بأسبوع قد شغل وأشغل هذا الزمن بأيامه ولياليه بطاعة، بصلاة، بصيام، بعمل، فكيف ترجون من هذا الأسبوع أن يعطل ويرجع هذا إلى مع أخيه في تلكم الفترة؟ فقال نبينا: «فأين صلاته من بعد صلاته؟ وأين صيامه من بعد صيامه؟ وأين عمله من بعد عمله؟ فلما بينهما كما بين السماء والأرض»، كما بين السماء والأرض. انظر يا عبد الله إلى الأسبوع عندما قضاه الثاني بما ينفعه عند الله جل وعلا، فعمر الأسبوع بصلاة وصيام وعمل، كان ذلك فارق فارق عن أخيه، لدرجة أن هذا الأسبوع جعل الفارق كما بين السماء والأرض، أي في منازل الجنة، فكيف ترجون أن هذا يكون في رتبة أخيه؟ قال: «فأين صلاته من بعد صلاته؟ وأين صيامه من بعد صيامه؟ وأين عمله من بعد عمله؟ فلما بينهما كما بين السماء والأرض». وبهذا إخواني في الله نستشعر عظمة العمر ونعمة العمر إذا حباك الله سبحانه وتعالى بمثل هذه الأعمار، وقضيتها يا عبد الله في استغلالها في مثل هذه المواسم وهذه المناسبات، تكون صائما، تكون قائما، تكون تاليا، تكون ذاكرا لله سبحانه وتعالى، فإن هذا مما ينفعك يا عبد الله في دينك ودنياك وأخراك. وإخواني في الله، في مثل هذه المقامات يناسب أن نذكر بعض المسائل المتعلقة بأحكام رمضان، وليس من شرط الأحكام أن تكون أحكاما فقهية، بل أحيانا ستكون كلامنا عبارة عن أحكام تربوية، منهجية، سلوكية، اجتماعية، فرمضان إخواني في الله الحديث فيه ذو شجون، وكم هي المواضيع التي نحن بأمس الحاجة إليها، وخاصة في مثل هذه الأيام الفاضلة. وإن شاء الله إخواني في الله، بإذن الله تبدأ مثل هذه الدروس الوعظية أو التربوية والتوجيهية بأول مسألة نطرقها في هذا المقام ببيان حال سلفنا في رمضان، ببيان حال سلفنا في رمضان، حال السلف في رمضان، كيف كان؟ وما الذي نعنيه بالسلف؟ قال أهل اللغة، كابن فارس رحمه الله تعالى: السين واللام والفاء أصل يدل على من تقدم وسبق. وقيل: إن السلف بمعنى هو كل من تقدم من آبائك وأجدادك. وقيل أيضا: السلف يطلق على كل عمل صالح قدمته، على كل عمل صالح قدمته يطلق عليك ذلك، هذا سلفك. هذا ما يتعلق باللغة العربية. أما في لسان العلماء، في لسان الشرع، معنى السلف، قالوا: السلف هم الصحابة والتابعون ومن تبعهم دون من مالت بهم الأهواء، السلف هم الصحابة والتابعون ومن تبعهم دون من مالت بهم الأهواء، من ذهبت به الأهواء يمنة ويسرة خرج عن منهج السلف، إذن هؤلاء هم السلف، الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ثم بعد ذلك ننظر في أحوال التابعين ومن تبعهم، يا علماء الربانيين، دون من مالت بهم الأهواء. فإذن إخواني في الحديث في مثل هذه المقامات أن نتذاكر وإياكم حول كيف كان سلفنا - أعني بهم الصحابة - أعني بهم التابعين ومن بعدهم، كيف كانوا يقضون رمضان في أيامه وفي لياليه؟ يأتي هنا سؤال قد يقول بعض الناس: ولماذا التركيز على هذه الفئة؟ ولماذا تسليط الأضواء على هؤلاء؟ ولماذا نحن نأتسي بهم أصلا؟ هنا أخواني في الله عدة مسائل ينبغي أن تبين، لما نجد من علمائنا، وخاصة من أهل السنة والجماعة، يكرسون جهودهم في أنهم يربطون الناس بأحوال سلفنا الصالح، سواء كان في رمضان أو في غيره من العبادات والطاعات، أو ما كان في باب المنهاج والسلوك، أو ما كان في باب العقيدة والتوحيد، لما؟ لأمور عدة، الأمر الأول يا عبد الله أن نعلم أن سلفنا الصالح هم من خيرة عباد الله، هم خيرة عباد الله، زكاهم ربنا جل وعلا في كتابه، وهكذا زكاهم نبينا صلى الله عليه وسلم في سنته، فهم القوم الذين سبقوا إلى كل خير، فهديهم أكمل هدي وأحسن هدي وخير هدي. قال عليه الصلاة والسلام، كما جاء في عمر بن حسين، قال عليه الصلاة والسلام: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». فقوله عليه الصلاة والسلام: «خير الناس قرني»، فهم خير الناس، فنبينا حكم عليهم بالخيرية، بل قال عليه الصلاة والسلام، كما جاء من حيث واثلة بن الأسقع، وقد ذكره شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في «الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين»: «والله لا تزالون بخير ما دام فيكم من رأى من رآني، وصاحب من صاحبني». تأمل يا عبد الله إلى عظمتي وبركة السلف، تبغى خيرية الأمة؟ متى ما وجد سلفنا الصالح، إما بذواتهم أو كذلك بأفكارهم ومنهجهم، قال: «لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآني»، أي الصحابة، «ومن صاحبني»، والله لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآى من رآني، ومن صاحب من صاحبني، فوالله ما تزالون بخير ما دام فيكم من رآى من رآني، وصاحب من صاحب من صاحبني. وهذا يدلك يا عبد الله على عظم الخيرية لهؤلاء القوم الذين قد شهد لهم نبينا صلى الله عليه وسلم بكل خير، وهؤلاء السلف إخواني في الله ما كانوا حول نبينا صلى الله عليه وسلم خبط عشواء، حاشا وكلا، إنما كان ذلك بتقدير الله سبحانه وتعالى، سلفنا الصالح من أصحاب نبينا هم قوم اصطفاهم الله، اصطفاهم الله من بين الخلائق لصحبة نبينا صلى الله عليه وسلم. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «قال: إن الله نظر في قلوب العباد، إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لدينه، وابتعثه لرسالته، ثم إن الله اطلع ونظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد أن قلوب أصحابه قلوب أصحابه من خير قلوب العباد، فجعلهم وزراءه وسفراءه». فتأمل يا عبد الله اختيار الصحابة، ما كان خبط عشواء، وإنما كان ذلك اصطفاء واجتباء من الله سبحانه وتعالى، أن جعل هؤلاء هم حاشية نبينا صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء هم سلفنا الصالح، إذن حق علينا إخواني في الله أن ننظر في أحوالهم، أن نتفكر في مقاماتهم، أن ننظر في تعبدهم، وكيف كانوا مع ربهم جل في علاه. تأتي المسألة الثانية إخواني في الله، وهي بعد علمنا بأن السلف الصالح، وعلى رأسهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم، أنهم كانوا أهل الخيرية، وكان كل الخير فيما كان في زمنهم، وما كان في أحوالهم، ما الذي يترتب على ذلك؟ هل مقصود إخواني في الله عند التحدث عن أحوال سلفنا الصالح أن نتسلى بحكاياتهم؟ أن نستظرف ما صدر منهم؟ أن نجعل ما كان منهم عبارة عن حكايات ووقائع وقصص نمرر بها الأزمان والأيام نتلوها كحكاية؟ هل هذا المقصود إخواني، لا يا عبد الله، ليس هذا المقصود، ما كانت حياة سلفنا الصالح عبارة عن قصة تروى فحسب، بل هو كذلك منهج يتبع، منهج يتبع، فنحن عندما نأمر الناس بالرجوع إلى سلفنا الصالح، ليس معنى ذلك أنك تفتح إلى «البداية والنهاية»، أو أنك تقرأ «سير أعلام النبلاء»، وأنك تقرأ كتب التاريخ والعبر، وتاريخ الإسلام، ثم تنظر ما وقع منهم، ثم تقفل الكتاب، هذا ليس المقصود، وإنما يا عبد الله عليك أن تتأسى بهم، هذا المقصود. قال ربنا جل وعلا: «فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما هم في شقاق، فسيكفيكهم الله»، ربنا جل وعلا ألزم أهل الكتاب، وألزم الكفار من أي صنف كان، إن أراد الهداية، ما الذي عليه؟ قال: «فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به»، بمثل ما آمن عليه الصحابة، دل ذلك على أن الصحابة ومنهج السلف الصالح يا عبد الله لا بد أنك ترتبط به الارتباط الذي يثمر بالعمل، يثمر بالاعتقاد، يثمر كذلك بمظهر ملموس في أمر واقعي. «فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا»، تأتي الهداية، ليس الهداية تأتي يا عبد الله في أنك تقلب كتب التاريخ، لا يا عبد الله، وإنما تأتي الهداية أنك تأخذ من أفعالهم، تأخذ من أقوالهم، تأخذ من عباراتهم، تتأسى بمنهجهم وفكرهم، حينها تأتيك الهداية. للأسف نجد أن بعض الناس، بل لا قل من عامتهم، بل بعض من ينتسب إلى الفكر، يرى أن ما كان عليه سلفنا الصالح عبارة عن مرحلة زمنية مباركة، وليس منهجا يتبع، نعم، هذا كتاب ألّف بهذا العنوان: «السلفية مرحلة زمنية مباركة لا منهجا يتبع»، وقد رد العلماء على هذه العبارة، وعلى هذا الكتاب، ردًا شافيًا، شنيعًا في حق صاحبه، لأن هذا كلام ما كان عليه سلفنا شيء من التراث، شيء من التاريخ، وانقضى وانتهى، لا مقام له في الوقت العاصر، وإنما نحن الآن في وقت جديد، نستحدث بما نريد أن نستحدثه. وهذا شنع، يا عبد الله، وإنما نحن ملزمون بأن نأتسي بسلفنا الصالح، ومن هذا الباب إخواني في الله كان ينبغي النظر إلى أحوالهم، وما نحن بصدده في باب الصيام، في باب رمضان، ننظر في أخبارهم، ننظر في أحوالهم، ننظر في كيف كانوا في صيامهم، في صلاتهم، في قراءتهم من القرآن، في ذكرهم لله جل وعلا، كيف كانوا في جودهم، في نفقتهم، نتأسى بهم، فهذا الذي ينبغي أن يعمل. الفائدة الثالثة إخواني في الله مما تستفاد من ذكر أحوال السلف في رمضان هي رد على شبهة بعض الناس يدلي بها، متى ما أمر بالتأسي بنبينا عليه الصلاة والسلام، بعض الناس إخواني في رمضان، لو حدثوا بما كان عليه نبينا في رمضان، كيف كان قيامه؟ كيف كان صومه؟ كيف كان جهده؟ كيف كان بلاؤه عليه الصلاة والسلام في رمضان؟ لا، ربما رأيت كثير من الناس يقول: يا أخي تحكي حال من؟ تحكي لنا حال الرسول؟ ومن نحن؟ ومن الرسول عليه الصلاة والسلام؟ من نحن حتى نأتي إلى مقامه؟ ذاك نبي معصوم، ذاك نبي أيده ربنا جل وعلا بالكرامات، أيده ربنا جل وعلا بالآيات، أعطاه ربنا جل وعلا من وحي السماء، أعطاه الله مما لم يعطينا، فكيف نلحق به؟ وكيف نتأسى به؟ هو شأنه، ولنا شأن آخر. فبعض الناس إخواني في الله يعزف عن السنة بمثل هذه العلل العليل، وهذا ليس بصحيح، هذا ليس بصحيح، لأن الله جل وعلا أمر الناس بإئتساب نبينا، «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة»، فنبينا هو قدوتنا، وهو أسوتنا، فلا تجعل مثل هذه الظروف يا عبد الله ذريعة لك في أنك تتخلى عن نبيك. لكن تأتي الآن هذه المسألة، فنقول: يا عبد الله، إن عجزت، وإن تقاعزت أن لا تكون مثل نبيك عليه الصلاة والسلام في صلاته، وفي صيامه، وفي قيامه، وفي تعبده لربه، فلا أقل يا عبد الله أن تتأسى بسلفك الصالح، من السلف؟ الصحابة؟ من الصحابة؟ هل هم أنبياء؟ لا، عندهم آيات وكرامات؟ لا، هل عندهم وحي من السماء؟ لا، هم بشر، هم بشر مثلنا، لكن حباهم الله جل وعلا بنعمة الإيمان. إذن يا عبد الله، إن تقاعزت، وإلى الأصل الشخص لا يتقاعز، لكن نعطيه هذه الحجة في حق من ترك السنة بحجة أن مقام نبي رفيع، وأني لا يمكن أن أصل إلى مقامه، فلا أقل يا عبد الله أن تتأسى بسلفك، فهنا لا عذر لك، لا عذر لك في ترك منهج سلفك، في تعبدهم وأحوالهم في رمضان. كذلك يا عبد الله، الفائدة الرابعة تذكر في هذا المقام أن في النظر في أحوال سلفنا الصالح فيه كسر لغرور بعض الناس، إذا أقبل رمضان تجد من بعض الناس من يقبل على بعض العبادات، لكن إقباله على قدر حاله، ويليته يعترف أن هذا الإقبال على قدر الحال، بل يرى أن هذا الإقبال منه قد بلغ القمة في العبادة. فإن طلب بشيء يا عبد الله عليك أن تتزود بالطاعات أكثر من ذكر الله، يقول: يا أخي يكفيني، حسبي ما فعلت، أما تدري كم أقرأ في اليوم؟ أما تدري كم أركع في اليوم؟ أما تدري كم أقوم في اليوم؟ كم ساعة أقوم فيها؟ أتدري كم أذكر الله من تسبيح واستغفار؟ فبعض الناس إخواني في الله يغتر على نفسه، ويغتر على الناس، وأدهى أن يغتر على ربه سبحانه وتعالى، «حسبي يا رب»، هذه ركعات أصليها لك في رمضان، لكن حتى ينكسر من أمثال هؤلاء أن يتأمل يتأمل في أحوال سلفنا الصالح، كيف كانوا في تعبدهم لربهم، الواحد منا إخواني في الله الذي بلغ منه الغرور أن يغتر على الله بهذه العبادات الذي يفعلها، فليلقي نظرا سريعة إلى حال سلفنا الصالح في صيامهم وقيامهم وذكرهم وجودهم ونفقتهم، ليعلم أنه لا شيء، ليعلم أنه لا شيء، ليعلم أنه في العبادة يلعب، هذا لعب أمام ما كان عليه سلفنا الصالح. وهذا يعتبر أخواني في الله مما ينبغي أن تجحذ به الهمم، النظر إلى أحوال سلفنا الصالح في تعبدهم لربهم سبحانه وتعالى، فهذا إخواني في الله الفائدة الرابعة المرجوة من نظر في حال سلفنا الصالح. الفائدة الخامسة والأخيرة إخواني في الله مما تستفاد من ذكر حال سلفنا الصالح، وخاصة في رمضان، أو في غيره، هو إخواني في الله إعطاء سلفنا الصالح حقهم، فإن من حق سلفنا الصالح علينا أننا ننشر محاسنهم، وأن نذكر مآثرهم، وأن نذيع ونشيع بين الناس مناقبهم، رضي الله تعالى عنهم ورحمهم الله، هذا من واجب حقوقنا عليهم، حقوقهم علينا أننا نسعى إلى نشر كل خير بذلوه. لأن الناس إخواني في الله في هذه الأزمان لم يرفعوا رأسا بسلفنا الصالح، كم من الناس من يتهكم؟ كم من الناس من يتنقص؟ كم من الناس لربما إن لم يصرح بلسانه بازدرائه لسلفنا الصالح، فلا أقل أنه لا يعير اهتماما بهم، ولا بأحوالهم، ولا بمناقبهم، ولا بمآثرهم، بل حتى الصحابة رضي الله تعالى عنهم، أصبح بعض الناس مع كثرة الشبه التي تبث هنا وهنالك من أهل البدع، من أهل الرفض، ومن التشيع، وما يبث في بعض القنوات العالمية، وما يذكرونهم من بعض الأشياء الذي فيها طعن في عرض الصحابة، تجد أصبح بعض الناس ممن كان قلبه صافي لجناب الصحابة، إذ به يدب في قلبه الآن، بل أصبح يظهر ذلك حتى في فلتات لسانه. إذا سمع باسم معاوية بن أبي سفيان لربما انكمش، إذا سمع باسم عمر بن العاص كذلك انقبض، إذا سمع باسم أبي سفيان بن حرب لربما تضايق، ما لك يا عبد الله؟ هؤلاء صحابة، شئت أم أبيت، هؤلاء من أصحاب نبيك عليه الصلاة والسلام، من صاحب نبينا ولو يوما من الدهر، فهو له حق الصحبة، له مفخرته، له مآثره، فما ينبغي يا عبد الله أن تتضايق أو أن تنقبض أو أن تنكمش إذا سمعت بأحد من أصحاب نبيك عليه الصلاة والسلام. هذا قد وجد إخواني في الله، وجد في هذه الأزمان، ووجد في مجتمعاتنا، من أصبح الآن يبتعد عن سلفنا الصالح، بدءا من الصحابة إلى من بعدهم، فكان إخواني في الله مثل هذا المواضيع هو ربط بين الناس وبين سلفنا الصالح، ولو أقل قليل في هذا الباب، في باب رمضان. فهذه إخواني في الله أمور خمس مما تداعت وتوافرت في طرق مثل هذا الموضوع في بيان حال سلفنا الصالح في رمضان، فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يعيننا على ما ينفعنا، ويعيننا على بلوغ هذه الأيام المباركة بالصيام والقيام، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.