الدرس في حال السلف في رمضان 11، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يوصي الخطيب بالتحفظ لصيام رمضان وتجنب المخالفات، مستشهدا بأقوال السلف الصالح. يحذر من مصاحبة الناس السيئي الخلق ومجالسة من يمارسون السب والشتم والغيبة والنميمة.
يُنصح بحفظ اللسان والوقت في رمضان من خلال تجنب الكلام الفارغ وإضاعة الأوقات، والتركيز على الكلام النافع مثل ذكر الله وتعليم القرآن. يُشدد على انتقاء الصحبة الصالحة.
يُنصح بالاعتكاف في البيت أثناء الصيام لتجنب المحظورات، مع جواز الخروج لغرض نافع. كان السلف يحرصون على البقاء في أماكنهم لتطهير صيامهم من اللغو والكلام الفارغ.
يتحدث المقطع عن خطورة الكلام الباطل وأشكاله المختلفة، ويحذر من الوقوع فيه حتى بعد النجاة من الكبائر والمعاصي. يطلب المتحدث من الله أن ينفعهم بما قاله.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، كذلك إخواني في الله، مما يذكر عن حال سلفنا الصالح في شهر رمضان أنهم كانوا يتحفظون لصيامهم، أي يبعدون صيامهم عما يشوبه من الخلل والخدش والنقص. مر معنا إخواني في الله، في دروس خلت، كيف أن المخالفات، سواء كانت في الأعمال أو الأقوال أو الأخلاق والآداب، تؤثر سلبا على الصيام، إما بالنقصان، وهذا على مذهب الجمهور والجماهير، وعلى دلالة النص، وإما بالبطلان على قول جماعة من السلف. قد مر ذلك حكاية الأقوال عنهم، أنهم كانوا يلزمون القضاء لكل من أتى بمخالفة أو معصية في نهار رمضان، فدل ذلك على أن المخالفات بشكل عام تؤثر سلبا على الصيام، فكان ينبغي الاحتراز من هذه المؤثرات. قال مجاهد، رحمه الله تعالى: من أحب أن يسلم له صومه، فليجتنب الغيبة والنميمة. فإن أحببت يا عبد الله أن يسلم لك صومك، فلا يعتريه النقص، ولا يعتريه البطلان، ولا يعتريه الخلل، فعليك يا عبد الله أن تجتنب ماذا؟ أن تجتنب الغيبة وأن تجتنب النميمة. وهذا الذي كان عليه سلفنا الصالح، أنهم كانوا يبتعدون كل البعد عما يؤثر في صيامهم. قال أبو ذر الغفاري، رضي الله تعالى عنه: إذا صمت فاحفظ ما استطعت. وهذه وصية عظيمة، أنك يا عبد الله متى ما كنت من الصائمين، حاول أنك تحافظ على صومك، تبعده، تجعله في بعد وتجنبه عما يؤثر فيه. بعض الناس، إخواني في الله، لربما ما يهتم بمثل هذه الوصايا، فتجد مثلا أن بعض الناس يعلم أنه إن كان هو في نفسه ليس بسباب، ليس بطعان، ليس بشتام، لكنه إذا دخل إلى هؤلاء أو جلس مع هؤلاء أو صاحب فلان من الناس، أن هذا يسمع منه السب ويسمع منه الشتم ويسمع منه اللعن، ومع ذلك يماشيه، ومع ذلك يدانيه. هذا لا يجوز، لا يا عبد الله، إذا صمت فاحفظ ما استطعت. الحفظ معنى أنك تبتعد عن الشيء وعما كان وسيلة للشيء. صحيح أنت قد لا تقع منك غيبة، ولا يصدر منك نميمة، ولا السب ولا شتم، لكن كونك تجالس وتعاصر وتعاشر أناسا ويظهر منهم السب ويظهر منهم الشتم، فإن هذا يلحقك بالوزر. فعليك يا عبد الله، كما قال أبو ذر: إذا صمت فاحفظ ما استطعت. حاول أنك تتحفظ لصومك، فلا تدخل في مجالس وأنت تعلم أن هذه مجالس فيها الشتم أو اللعن. وكذلك لا تصاحب من تعلم من نفسك أن فلان هذا إذا صاحبته أنه سيء الخلق. هذا قد درج عليه وعليه خلقه، وهكذا أدبه، أنه بلا أدب، إذا ما شيته تسمع منه الغيبة، تسمع منه النميمة، تسمع منه الاستهزاء والسخرية، فأنت يا عبد الله تعاشر مثل أمثال هؤلاء، ابتعد عنهم، وخاصة في رمضان، احفظ يا عبد الله وتحفظ لصومك ما استطعت. وهكذا قد لا يكون سب ولا شتم، بل حتى فضول الكلام، بعض الناس قد لا تسمع منه سبا ولا شتما، لكن تجد أن كلامه قيل وقال، إضاعة الأوقات. وقد ذكر ابن القيم، رحمه الله تعالى، في كتاب الفوائد، أن أسباب بلاء الناس يرجع إلى أربعة أشياء: إلى فضول الكلام، وفضول النظر، وفضول الطعام، وفضول المخالطة. هذه الأشياء الفضلة، هذه ليس من ورائها منفعة، هذه تأتيك بالمضرة، ويأتيك منها البلاء. فضول النظر، تنظر إلى ما لا تحمد عقباه، فضول الكلام، تتكلم فيما لا يعنيك، أو فضول الطعام، إدخال الطعام على الطعام، أو فضول المخالطة، تماشي مع كل من هب ودب. هذه الأشياء، يا عبد الله، تؤثر عليك في دينك وفي دنياك، وخاصة في رمضان، تحرز يا عبد الله. فإذا كنت تعلم أن هذا المجلس إذا جلست فيه، صحيح ليس فيه سب ولا شتم، لكن فيه كلام عن المباريات، آخر المباريات، التصفيات، من طلع الدور النهائي، ربع النهائي، هذا كلام ما يفيدك في رمضان. فما في داعي أنك تضيع وقتك في هذا المجلس، أو كذلك فلان إن ما شيته إن لم يذهب بك إلى أماكن الردى والهوى، وأماكن الفساد والرذيلة، على أقل تقدير أنه يذهب بك إلى أماكن إضاعة الأوقات، ندخل هذا الطريق، نمشي إلى هذا الدرب، ندخل في هذا الشارع، نبقى على هذا المكان، ماذا تستفيد من ذهب هنا وهنالك؟ هذا إضاعة الأوقات. فأنت يا عبد الله، كما قال أبو ذر: إذا صمت فاحفظ ما استطعت. تحفظ يا عبد الله لصومك بأنك لا تدخل عليه ما يضره أو ما لا يفيده. فعليك يا عبد الله إن تكلمت في حال صيامك، تكلم فيما يعود عليك بالنفع، إما النفع الشخصي أو النفع المتغير المتعدي. تذكر الله سبحانه وتعالى، تعلم، ترشد، تقرئ الناس القرآن، تبين للجاهل، تذكر الناس، إن كان الكلام فيه مصلحة، فتحدث يا عبد الله. أو كذلك معاصرتك ومعاشرتك ومصاحبتك، إن كانت فيها فائدة لك، كأن تماشي أهل الصلاة، يزيد إيمانك على إيمان، فذاك. أما إن كنت تماشي ناسا ليس من ورائهم فائدة، بل مضرة أو إضاعة الأوقات، فابتعد يا عبد الله. ولهذا كان سلفنا الصالح على هذه الوصية، يقول طليق بن قيس، رحمه الله تعالى، وهو راوي أثر أبي ذر الغفاري، يقول طليق: قال أبو ذر الغفاري، رضي الله تعالى عنه: إذا صمت فاحفظ ما استطعت. قال الرواة: فكان طليق بن قيس، رحمه الله تعالى، راوي هذا الأثر، قال: إذا دخل بيته لم يخرج إلا للصلاة، لم يخرج إلا للصلاة. لما وصية وتطبيقا لهذه الوصية العظيمة، الحفظ لصيامه، ما أراد أن يخرج إلى الخارج فيضيع كلام، هذا يأخذه بكلام، وذاك يأخذه بمحادثة، وذاك يدخله في معاملة، وذاك يأخذه إلى مشوار إلى مذاهب، فتضيع أوقاته. يضيع عباراته، لربما يدخل في أشياء ما يريد أن يدخل فيها، فكان من حرص السلف، رحمه الله تعالى، كأمثال طليق، أنه كان يعتكف في بيته إذا صام، كان إذا صام دخل إلى بيته، فما خرج منه إلا إلى وقت الصلاة، يصلي مع الناس، ثم يرجع إلى بيته، يقبل على شأنه، على خاصة نفسه، يقبل على أهله، يقبل على عياله، يقبل على كتاب الله سبحانه وتعالى. يذكر الله فيما بينه وبين نفسه، ولو يحاول أنه لا يخالط أحدا من الخلق. وهذا هو الفقه، يا عبد الله، احرص وأنت في باب الصوم، وعلى هذا كان دأب السلف. وأنت في باب الصوم، يا عبد الله، أنك ما أنك تجتنب المحظورات وتجتنب الأخلاق الردية وتجتنب السلوك غير السوي، كذلك احرص يا عبد الله أن تبتعد عن كل ما كان وسيلة له. كل ما كان وسيلة له، إن كان شخصا، إن كان جماعة، إن كان حلقة من الحلقات، ابتعد عنها، فتبقى ولو تبقى في بيتك. والبيت، يا عبد الله، أمره عظيم، نبينا عليه الصلاة والسلام أخبر، كما جاء من حديث عقب بن عامر، وهو حديث فيه مقال، لكن يحسن لشواهده، أنه قال: يا رسول الله، من نجاه؟ قال عليه الصلاة والسلام: فلتملك عليك لسانك، وليسعك بيتك، ولتبكي على خطيئتك. الشاهد قال: وليسعك بيتك، يسعك بيتك، تبقى في البيت، يا عبد الله، هذا أضمن، هذا كما قلنا، لمن خشي على نفسه أن الوقت يذهب عليه، أو أنه يذهب إلى أشياء ما يريدها، كثرة المخالطة. لكن إن علمت من نفسك، يا عبد الله، أن خروجك للناس فيه خير، مثل دعوة، تبليغ، إرشاد، إعانة للفقراء، إعانة للمحتاجين، قضاء لمصالح المسلمين، شيء أنت ترجو من ورائه النفع، وأمره واضح وراجع عندك، فافعل. لكن إذا ما عندك شيء، كمثل بعض الناس، إذا خرج إلى أين يا عبد الله؟ ولا سأخرج طب إلى وين تخرج؟ إلى أين؟ إلى ما لا تعلم، إيش ما وراه؟ معاصي، إلى ذنوب، إلى مكروهات، إلى إضاعة الأوقات، فلا يا عبد الله، حاول أنك إذا صمت فتحفظ لصومك ما استطعت. وهكذا ما رواه ابن أبي شيبة، رحمه الله تعالى، من حديث أبي المتوكل الناجي، قال: كان أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه، وأصحابه إذا صاموا جلسوا في المسجد، قالوا: نطهر صيامنا. قال أبو المتوكل الناجي: كان أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه، وأصحابه من طلابه وتلاميذه إذا صاموا جلسوا في المسجد، وقالوا: نطهر صيامنا. كذلك، عبد الله، البقاء في المسجد، البقاء في بيوت الله، لما كان هذا منهم، كان ذاك منهم عدم الخروج حتى لا يأخذ من أوقاتهم أو يكتب عليه من أعمالهم ما لا يريدونه ولا يبغونه، فكانوا يجلسون في المسجد ويكثرون الكون في بيوت الله جل وعلا لهذه الحجة، قالوا: نطهر صيامنا مما يطهر صيامهم من اللغو، من الكلام الفارغ. لو ربما أدخلوا هذا الكلام إلى الباطل، إلى الكذب، إلى الغيبة، إلى النميمة، إلى الاستهزاء، إلى الاستهتار، وهذا الذي يقع، إخواني في الله، بعض الناس إذا سلمه ربه سبحانه وتعالى من الكبائر أو من المخالفات أو من المعاصي والذنوب، لربما ما ضمن على نفسه أن يقع في المكروهات. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.