حال السلف في رمضان 13

حال السلف في رمضان 13

الدرس في حال السلف في رمضان 13، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أحوال السلف في العشر الأواخر

يتحدث عن اجتهاد النبي وأصحابه في العشر الأواخر من رمضان. كانوا يحيون الليل ويوقظون أهليهم للتعبد.

اجتهاد النبي وأهل بيته

كان النبي يجتهد في العشر الأواخر بإيقاظ أهله واعتكافه. وقد تبعته أجيال السلف بإقبالهم على العبادة وقراءة القرآن.

عبادة السلف واهتمامهم بالقرآن

كان السلف يكثرون من قراءة القرآن والصلاة والذكر والصدقة في العشر الأواخر. ويحرصون على ختم القرآن وتوسيع على عيالهم.

خاتمة بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن دعاء بأن ينفع الله السامعين ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه. ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمواصل إخواني في الله عما سبق ذكره في تتبع أحوال سلفنا الصالح في شهر الصيام وشهر القيام، وذلك مرورًا على أحوالهم وكيف كانوا في تعبدهم لربهم سبحانه وتعالى في مثل هذه الليالي الفاضلة والأيام المباركة. ومما يناسب ذكره إخواني في الله في هذه الفترة الزمنية ما يتعلق بحال سلفنا الصالح مع العشر الأواخر من رمضان. من نظر في سيرة سلفنا الصالح من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبأحوال التابعين وعلماء الأمة لا يخفى عليه أنهم قد بلغوا في العبادة ما لا نظير له، بلغوا في التعبد في العشر الأواخر من رمضان ما لا نظير له. وما كان هذا منهم إلا ائتساءً واقتداءً بنبينا صلوات ربي وسلامه عليه، فقد كان عليه الصلاة والسلام يولي لهذه الأيام المباركة القمة في العناية والرعاية. وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيره». كلامنا حول نبينا صلى الله عليه وسلم وهو من هو في تعبده واجتهاده لربه سبحانه وتعالى، فكيف إذا بالغ في الاجتهاد؟ كيف يكون حاله صلوات ربي وسلامه عليه؟ فكان يجد ويجتهد في العبادة حتى أنه بلغ القمة. بل جاءت في الصحيحين من حديث عائشة أيضًا أنها وصفت لنا بعض أحواله، بعض أحوال نبينا التي كانت تعتريه في العشر الأواخر من رمضان، فقد جاء في الصحيحين أنها قالت: «كان إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا ليلة وأيقظ أهله وشد مئزره». هذه الأحوال كانت تعتريه عليه الصلاة والسلام متى ما أظلته وحلت عليه العشر الأواخر من رمضان. كان من هديه أنه يحيي ليله عليه الصلاة والسلام، واختلف العلماء في إحياء الليل المذكور عن نبينا عليه الصلاة والسلام، هل معناه أنه أحيا الليل بكامله بكماله وتمامه، أم أنه أحيا نصف الليل أو غالب الليل؟ الصحيح الثاني: كان نبينا صلوات ربي وسلامه عليه يحيي معظم الليل في التهجد والقيام لله سبحانه وتعالى. ويدل على ذلك ما جاء كذلك في صحيح مسلم أن عائشة رضي الله تعالى عنها أخبرت بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما قام ليلة إلى الصباح». أي ليلة يقومها من أولها إلى آخرها، ما كان هذا من هديه، وإنما كان من هديه أنه يحيي غالب الليل. غالب الليل كان يقطعه عليه الصلاة والسلام في التعبد لربه سبحانه وتعالى. فكان يحيي ليلة، وكذلك يوقظ أهله. وهذه فيه لفتة يا عبد الله أنك في تعبدك لربك سبحانه وتعالى لا يقتصر هذا عليك وعلى ذاتك وعلى شخصك، بل كذلك عليك أن تبلغ هذا الخير لغيرك ولخواص أهلك ولأقرب الناس إليك من زوجك وأبنائك وعيالك. فكان نبينا عليه الصلاة والسلام يوقظ أهله، لماذا؟ حتى يشاركوه في التعبد لله سبحانه وتعالى في مثل هذه الليالي الفاضلة في العشر الأخيرة من رمضان. وجاء حديث آخر وفيه مقال، جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أن نبينا صلى الله عليه وسلم «كان إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أيقظ أهله وكل صغير وكبير». لكن هذه الرواية فيها ضعف. قد رواه الطبراني في الأوسط، وقد علق عليها الهيثمي كما في مجمع الزوائد قال: «وفيه عبد الغفار بن القاسم وهو ضعيف». لكن الحديث يا إخواني في الله تؤيده أدلة أخرى، فقد جاء في السنن من حديث أبي ذر الغفاري أن نبينا عليه الصلاة والسلام «كان في أحد الليالي من عشر رمضان أيقظ أهله ونساءه». إذن ثبت ذلك من فعله عليه الصلاة والسلام أنه كان إذا قام لربه مصليًا قائمًا قانتًا كان يشارك أهله. وعلى هذا فهم السلف، يقول سفيان الثوري رحمه الله تعالى: «يستحب للرجل إذا دخلت عليه العشر الأواخر من رمضان أن يتهجد فيه وأن يجتهد فيه وأن يوقظ أهله وولده بما يطيقون». أي بما يستطيعون من صلاة. فإذا استطعت يا عبد الله أن توقظ أهلك وأولادك لكي يصلوا معك، فهذا قرة عين لك في الدنيا قبل الآخرة. وهكذا كان من هدي عليه الصلاة والسلام أنه شد مئزره، واختلف العلماء في شد المئزر. وقد ذكر ابن قتيبة رحمه الله تعالى أن شد المئزر يحمل على معنيين اثنين: إما شد المئزر كناية عن الجد والاجتهاد في التعبد، وإما أن يحمل على أنه كان يعتزل النساء. والراجح والله تعالى أعلم الثاني: معنى شد المئزر أي أنه اعتزل النساء عليه الصلاة والسلام. وذلك لأمور، منها الأمر الأول: قد جاء في بعض الروايات في الصحيحين قال: «وأيقظ أهله وجد وشد مئزره». جد وشد المئزر، فأصبح عندي تعاطف، والعطف يدل على المغايرة. إذن جد بمعنى اجتهد، وشد المئزر بمعنى اعتزل النساء. وكذلك تفسير السلف، فقد في مسند الإمام أحمد عندما ذكر هذا الحديث لأبي بكر بن أبي عياش رحمه الله تعالى قيل لأبي بكر: ما شد المئزر؟ قال: اعتزل النساء. وهذا أيضًا تفسير سفيان الثوري رحمه الله تعالى، فسر شد المئزر باعتزال النساء. وهذا واضح، كان يعتزل النساء عليه الصلاة والسلام في العشر الأواخر من رمضان لأنه كان معتكفًا. عليه الصلاة والسلام كان هذا هديه، ما تدخل عليه العشر الأخيرة من رمضان إلا وهو في معتكفه، وكان من شروط ومن أركان الاعتكاف ترك غشيان النساء. فكان عليه الصلاة والسلام في العشر الأخيرة ماذا؟ يعتزل النساء ويبقى في معتكفه. فهذه أحوال ثلاث كانت لنبينا عليه الصلاة والسلام: يحيي ليلة، ويوقظ أهله، وكان يشد المئزر كناية عن ترك النساء. وهذا كله فيه لفت إلى القبلة على العبادة والتعبد. وهكذا يا إخواني في الله كان سلفنا الصالح، ذكر عبد الرزاق في مصنفه أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه «كان يصلي في رمضان صلاته كصلاته في غيره، إلا إذا دخلت العشر الأخيرة اجتهد». كان يصلي في رمضان صلاته كصلاة في سنته كباقي أيامه، لكن إذا دخلت العشر الأخيرة من رمضان اجتهد، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وليس اجتهاد السلف يا إخواني في الله ينحصر فقط في قيام الليل في التهجد لا، بل كان أوسع من ذلك، بل كان اجتهاد حتى في إقبالهم على قراءة القرآن. في إقبال القرآن كانوا يكثرون من الإقبال على كتاب الله قراءة وتدبرًا وتأملًا. إمام أحمد رحمه الله تعالى كانت عدة ختمات في رمضان، لكن إذا دخلت العشر الأخيرة من رمضان فكان يختم القرآن في كل ثلاث ليال، هذا خاص في العشر الأخيرة من رمضان. ما تمر ثلاث ليال منها إلا وختم ختمة. وأما إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى فكان أمره أعظم، فكان ما تمر عليه ليلتان ما تمر ليلتان عليه من ليالي العشر الأخير من رمضان إلا وختم ختمة. أما قتادة بن دعامة السدوسي رحمه الله تعالى فقد كانت له في كل ليلة من ليالي العشر الأخيرة من رمضان ختمة، في كل ليلة يختم ختمة. وهذا في العشر الأخيرة من رمضان. فهذا يدل يا إخواني في الله كيف كان السلف يهتمون بهذه الأيام ويجعلون لها عناية ورعاية خاصة، وذلك بإقبالهم على ربهم سبحانه وتعالى، ذاك بصلاة، ذاك بتهجد، ذاك بقيام، ذاك بذكر، ذاك بقرآن. وأيضًا يا إخواني في الله ونحن نتكلم عن الاجتهاد في العشر الأخير من رمضان، كذلك لا تكن فقط علاقتك مع ربك، بل كذلك عليك أن توثق علاقتك مع الناس. كذلك علاقتك مع الناس ينبغي أن تشتد في العشر الأخير من رمضان. وعلى هذا مذهب العلماء، ذكر ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى في رسالته «ذوي المروءة» نقل عن الشافعي وعن أصحاب الشافعي أنهم كانوا يستحبون الإكثار من الصدقة في العشر الأخير من رمضان. يستحبون الإكثار من الصدقة في العشر الأخير من رمضان. وبهذا صرح الماوردي رحمه الله تعالى قال: «ويستحب للرجل أن يوسع على عياله فيه». وكان الكلام عن رمضان بشكل عام. قال: «ويستحب للرجل أن يوسع على عياله فيه وأن يتصدق على ذوي أرحامه وجيرانه، لا سيما في العشر الأواخر منه». أي أنك تصل رحمك، تصل جيرانك، وكذلك يا عبد الله تتصدق على ذوي الحاجة من المساكين والمحتاجين. وكان ذلك من فعل العلماء أنهم يكثرون ذلك في العشر الأخير من رمضان. إذن يا إخواني في الله فهذا موسم، وهذا إن دل على سعة رحمة الله على هذه الأمة المحمدية، ما إن ينقضي موسم من المواسم إلا وعوض لك ربك جل وعلا موسمًا آخر. كم من إخواني في الله من لربما مر عليه الأوائل من رمضان وهو في غفلة وهو في بعد أو في جهل أو عدم دراية أو عدم تفرغ تام للتعبد، فيعتريه الأسى والندم والحسرات. لكن يا عبد الله ها هي العشر الأخيرة من رمضان، فضلها أعظم مما قد مضى. وقد ذكر العلماء ما هو السر في أن نبينا عليه الصلاة والسلام كان يشتد نشاطه في تعبده لربه في العشر الأخيرة من رمضان؟ أرجع العلماء ذلك إلى أمرين اثنين: الأمر الأول كان ذلك التماسًا لليلة القدر، لعلها يصيبها بهذا العمل الصالح، فكان يشتد. والأمر الثاني قال علماء: إن الأعمال بالخواتيم، الأعمال بالخواتيم، فالعمل في آخره أفضل ما يكون أن يجود. حاول يا عبد الله في كل آخر عمل أنك تجوده، تختمه بحسنة، تختمه بخير. فالعشر الأخيرة من رمضان آخر أيام رمضان، فحاول يا عبد الله أنك تحسن فيه حتى يختم لك بالحسنة. فهذا أرجع العلماء شدة تعبده لربه عليه الصلاة والسلام حتى يختم هذا الشهر بأحسن ما يستطيع من عبادة وتعبد. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.