تقويم الأنام في ميزان الدين والإيمان

الخطبة بعنوان تقويم الأنام في ميزان الدين والإيمان، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 21 رجب 1445هـ الموافق 2 فبراير 2024م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

علامات الساعة ورفع الأمانة

يتناول المقطع حديثًا نبويًا عن رفع الأمانة في آخر الزمان، حيث يصبح الناس غير أمينين. يُشير إلى أن هذا يعود إلى عدم معرفة الناس بالمعيار الصحيح لتقييم الأشخاص.

معايير التمييز بين الناس في الإسلام وتأثيرها على المجتمع

يشير إلى أن الإسلام يرفض التمييز بين الناس على أساس العرق أو اللون أو المنصب، ويؤكد أن المعيار الوحيد للتمييز هو التقوى والإيمان. يُوضح أن التمييز يكون بين المسلمين والكفار، وبين المسلمين أنفسهم على أساس الاستقامة والصلاح.

التحذير من مساواة الصالحين بالطالحين والدعاء على الأعداء

يناقش الخطيب قضية عدم المساواة بين الصالحين والطالحين، ويشير إلى أن المجتمع قد انقلب فيه الموازين لصالح الفاسدين. ثم يتضمن دعاءً على الأعداء بتمزيق صفهم وبث الرعب في قلوبهم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، روى الإمام البخاري ومسلم من حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه فيما يرويه عن رسول الله عن رفع الأمانة في آخر الزمان، فقال عليه الصلاة والسلام: «يُصبح الناس فلا يكاد أحدٌ منهم يُؤدِّي الأمانة حتى يُقال إن في بني فلان رجلاً أميناً، وحتى يُقال للرجل ما أجلده ما أضرفه ما أعقله وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان». في هذا الحديث العظيم، والذي يُعدُّ معلماً من معالم علامات الساعة، والذي لا يختلف فيه اثنان أنه حاصلٌ بين الأنام، وخاصة ونحن في هذه الأزمان أن يكون المديح والإطناب والثناء والإعجاب يتوجه لمن لا يستحق الثناء، حتى يُقال للرجل ما أجلده ما أضرفه ما أعقله وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان. إن الناس ما وصل إلى هذه الحالة من الآراء المعكوسة والمفاهيم المنكوسة إلا لعدم معرفتهم بالمعيار والميزان الذي به يُقوَّم الأشخاص والأعيان. وإننا معاشر المسلمين من خلال ديننا وكتاب ربنا وشريعة نبينا عليه الصلاة والسلام علمنا أنه لا تمايز بين الناس والأنام إلا على معيار الدين والإيمان. قال عليه الصلاة والسلام: «يا أيها الناس لا فضل لعربي على أعجمي ولا أعجمي على عربي ولا أسود على أحمر ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى»، ثم تلا قول الله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. فبهذا الحديث علمنا أن التمييز يكون من خلال الدين، فليس العبرة في التمايز بين الناس على حسب الكراسي والمناصب أو على حسب الأحساب والأنساب أو على حسب النفوذ والسلطة أو على الشهرة والكثرة. فإن هذه معايير دنيوية، والدنيا وما حوَت لا تزن عند الله جناح بعوضة، وما سمي الدنيا إلا لدناءتها عند ربها، فكيف نعول عليها؟ من هنا كان لزامًا على أهل الإسلام أن يراعوا جانب الدين والإيمان إذا أرادوا أن يحكموا على أحد من الأشخاص والأعيان، وذلكم بدءًا بالإسلام، فمن كان من أهل الإسلام فإنه لا يساوى بأهل الشرك والكفران. قال الله جل في علاه: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. فالكافر بغض النظر عن حاله سواء كان من ذوي النسب والقرابة أو كان من أهل البذل والإعانة أو كان من أهل المصالحة والمسالمة، فهو لا يزال كافرًا بعقيدته الفاسدة. قال الله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ الآيات. قال شيخ الإسلام رحمه الله: والمؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وإن أحسن إليك. ثم بعد النظر في الإسلام في تقويم الأعيان يكون النظر في الاستقامة والصلاح، فإن أهل الإسلام يتفاوتون في مراتب الدين. قال الله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾. إذا كان الله جل فيه نفى المساواة بين العبد الصالح وبين العبد الطالح، بين التقي وبين الشقي، فليس لنا أن نساوي بينهما. فلا إعظام ولا إجلال ولا تكريم ولا إكرام في حق من عرف واشتهر بفجوره ومجونه وخبثه وفساده. ولكن للأسف نحن في زمن أصبحت الجولة والصولة والسمعة والرفعة للفاسدين الأشرار، وأصبح الدون والهون لعباد الله الأخيار. وصدق رسولنا المختار عليه الصلاة والسلام حيث قال: «قبل الساعة سنوات خداعة يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة». أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، فمما مضى معنا في هذا المقام أن علمنا كيف يكون التعريف بمراتب وتقويم الأعيان والأنام، وإنما يكون ذلك بميزان ومعيار الدين والإيمان. فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم ادفع عن بلادنا وعن سائر بلاد المسلمين الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم من أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بخير توفقه لكل خير، ومن أراد بلادنا وسائر بلاد المسلمين بسوء اللهم اشغله في نفسه واجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميرًا عليه يا رب العالمين. اللهم نجي إخواننا المستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم نجي إخواننا المستضعفين في أرض فلسطين، اللهم أيدهم بتأييدك وانزل عليهم مددا من عندك. اللهم عليك بكل عدو لهذا الدين، اللهم عليك باليهود الغاصبين وعليك بالنصارى الحاقدين الصليبيين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك. اللهم فرق شملهم وشتت جمعهم واجعل الدائرة عليهم واغرف الرعب في قلوبهم يا ذا الجلال والإكرام. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.