الخطبة بعنوان آية الكرسي فضائل وأحكام، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 23 جمادى الآخر 1445هـ الموافق 5 يناير 2024م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُبين فضل آية الكرسي وأهميتها، حيث تُعد أعظم آية في القرآن، ويُذكر فيها بعض الأحاديث النبوية التي تُشير إلى فضل قراءتها. يُوضح أيضًا أهمية فهم معانيها لتحقيق أثرها الإيجابي.
يشرح آية الكرسي ويبين معانيها، حيث يتحدث عن اسم الله الأعظم "الحي القيوم" ومعناه، ويشرح قوله تعالى "لا تأخذه سنة ولا نوم". يتطرق إلى مسألة الشفاعة وإذن الله لها.
يشرح عظمة الله تعالى من خلال آية الكرسي، ويبين أن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه، ويعرض شمولية علم الله وقدرته على حفظ السماوات والأرض. يحذر من ادعاء معرفة الغيب.
يتضمن دعاءً على الأعداء من اليهود والنصارى، ويطلب من الله تفرقة شملهم وهزيمتهم، ثم يحث على إقامة الصلاة كوسيلة للتقرب من الله والنجاة من الأعداء.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن من عظيمي ما أنزل الله جل وعلا من الآيات على معاشر المسلمين والمسلمات، وكل آية القرآن عظيمة، هي آية الكرسي ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾، آية جاء في حقها الفضائل الكثيرة والأحاديث الوفيرة لبيان فضلها ورفعة قدرها، وكيف لا، فهي أعظم آية في القرآن. سأل نبينا صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب، فقال له: يا أبي، أي آية في كتاب الله أعظم؟ فقال أبي: الله ورسوله أعلم، فسأله نبينا صلى الله عليه وسلم الثانية، ثم سأله الثالثة، فقال أبي حينها: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾، فضرب نبينا صلى الله عليه وسلم على صدره وقال له: «ليهنك العلم، ليهنك العلم، ليهنك العلم أبا المنذر»، أقره نبينا مصوبًا بأن أعظم آية في القرآن هي آية الكرسي. هذه الآية لعظيم فضلها أن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها وردًا، جعلها ذكرًا يلازمها كل مسلم بعد صلواته، فقال عليه الصلاة والسلام: «من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من الجنة إلا الموت»، لم يمنعه من الجنة إلا الموت. هذه الآية من عظيم فضائلها أن الله سبحانه وتعالى جعلها حرزًا للإنسان، فلا يصيبه شيء من أذى الجاني أو الشيطان، بل إن المسلم يبقى في حصن حصين وحرز مكين ما دام تاليًا لهذا الذكر العظيم، وخاصة إذا أويت إلى فراشك، فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك الشيطان، هكذا قال عليه الصلاة والسلام. واعلموا رعاكم الله أن قوة تأثير هذه الآية إنما يعتمد على مدى تأمل وتدبر قارئها وتاليها، ومن هنا كان لزامًا على كل مسلم ومسلمة أن يكون على دراية وعلم ومعرفة بمعاني هذه الآية الكريمة، ولو على وجه الإيجاز والاختصار. فقول سبحانه: ﴿الله لا إله إلا هو﴾، الله جل في علا هو المألوه، أي المعبود، فلا رب لنا سواه، فلا نعبد إلا إياه، لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا، لا شجر، لا حجر، لا نتقرب إلى جن ولا إلى بشر، بل طاعتنا وعباداتنا كلها لله الواحد الفرد الصمد، هذه هي حقيقة التوحيد، وهذا هو حقيقة «لا إله إلا الله». ابتدأت به أعظم آية في القرآن: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾، إسمان عظيمان كريمان جليلان لله جل في علا، أحدهما يتعلق بذاته، والآخر يتعلق بغيره، فهو الحي جل في علا ذو الحياة الكاملة الشاملة، حياته سرمدية أزلية أبدية، ليس لها بداية وليست لها نهاية. فهو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، جل في علا، وهو القيوم الذي قام بنفسه فلا يحتاج إلى غيره، ولا إلى أحد من خلقه، وهو قيوم على غيره، فالكل مفتقر محتاج إليه، لا قوام لأحد إلا به، ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره، فالملكوت والكون فلا قوام لملكوته وكونه إلا بعد إذنه ومشيئته وإرادته وأمره. ﴿الحي القيوم﴾ إسمان عظيمان، ولهذا كان الصحيح من أقوال العلماء المحققين أن «الحي القيوم» هو الإسم الأعظم الذي إذا دعي به الرب أجاب، وإذا سئل به أعطى، فأكثر يا عبد الله في تضرعك ودعائك بهذا النداء: «يا حي يا قيوم، يا حي يا قيوم»، فإنه الإسم الأعظم لله جل في علاه. ثم قال سبحانه: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾، من تمام قيموميته على خلقه، أنه سبحانه تعالى شاهد على أفعالهم، شهد على أقوالهم، لا تخفى عليه منهم خافية، فلا تعتريه غفلة ولا ذهول ولا سنة ولا نوم، والسنة هي مقدمات النوم كالنعاس، جل في علا. فأعمالنا كل أعمالنا قد أحصاها علينا ربنا، ما يغادر ربنا شيئًا، فمن يعمل مثقال ذرة من خير أو شر وجده ماثلًا أمامه يوم القيامة، ولا تحسبن يا عبد الله أن الله غافلًا عما يعمل الظالمون، إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار. إن ربك جل وعلا لب المرصاد، ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾، له ما في السماوات وما في الأرض بيده، جل في علا خزائن السماوات والأرض، فالكون ملكه والخلق عبيده، يفعل ما يشاء، جل في علا. وإن العبد متى ما علم بها الحقيقة، حينها كان طلبه ورجاه ونداؤه ودعاه وتضرعه وشكواه يكون إلى ربه مولاه، لا لأحد سواه، لأن الله جل في علا هو الواهب، وهو المعطي، وهو الرازق، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه. أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم، الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه. أما بعد، فلنستظل عباد الله وإياكم تحت ظل هذه الآية العظيمة، والتي تعد أعظم آية في القرآن، نستظل بظلها، نتلمس معانيها وما يكون من مراميها، وها نحن عند قول الله جل في علاه: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾. من ذا الذي يشفع إذا كان ملك الدنيا من ملك السماوات والأرض بيد الله جل في علاه، فهكذا ملك الآخرة بيد الله مالك يوم الدين، أي مالك يوم الجزاء، ومن ذلكم أمر الشفاعة، فهي ملك لله جل في علاه، فلا يقدم أحد على طرق باب الشفاعة، لا رسول كريم ولا ملك من الملائكة المقربين، ولا عبد من عباد الله الصالحين، لا يطرق أحد منهم باب الشفاعة إلا بعد أن يأذن له ربه. وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئًا إلا بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، فلا يدعين أحد الشفاعة لنفسه، فضلًا أن يدعيها بأن يعطيها لمن شاء لأحبابه وأتباعه أو لأقربائه وأصحابه، لا بل إن الشفاعة لله كلها، وإنما الله يعطيها لمن أراد من خلقه سبحانه وتعالى. ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، في هذه الآية إشارة إلى شمولية علم الله جل وعلا على خلقه، فهو سبحانه قد علم ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، علم جل في علا ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون. سبحانه علم بالظواهر والبواطن وما في الصدور والكوام، لتعلموا أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، ويقابل علم الله علم المخلوق الناقص القاصر، فلا يعلم أحد من ملائكته ورسله من علم الله إلا ما أطلعه الله عليه. قالوا: «سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا»، وأما ما يدعيه أهل السحر والكهانة وأهل التنجيم والعيافة من علمهم بأمور الغيب، فهو كذب ودجل وزندقة وكفر. ثم قال سبحانه: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾، كرسيه أضافه الله إليه، إضافة تشريف، والكرسي على تفسير سلف الأمة من لدن الصحابة رضي الله تعالى عنهم بمعنى موضع القدم. وهذا الكرسي لا أحد من خلق الله يعلم بما هيته وكيفيته، لكن حسبك أن تعلم أن من وصفه: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾، إذا كان هذا في حجم وقدر الكرسي، فما ظنك يا عبد الله بالله جل في علا؟ حينها تعلم يا عبد الله مدى عظمة الرب، وما قدر الله حق قدره. ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما﴾، لا يثقله ولا يعجزه القيام بحفظ السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، دلالة لقوته وكمال قدرته وعظيم سلطانه وحكمته، وهو العلي الحكيم، وهو العلي العظيم، العلي جل في علا الذي له العلو المطلق، علو ذات وعلو قدر وعلو قهر. فهو العالي جل في علا هو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو العلي العظيم الجامع لصفات العظمة والكبرياء والمجد، خضعت له الرقاب، وكلنا له عبد. عباد الله، إن هذه الآية بمحتواها من معان عظيمة ومرام جليلة، حقها على أهل الإسلام أن يقبلوا عليها صغارًا وكبارًا، ذكورًا وإناثًا، على قراءتها وترديدها وحفظها وفهمها والقيام بمضمونها وما دلت عليه، فكيف لا، فهي أعظم آية أنزلها الله جل وعلا في كتابه. أسأل المولى جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، الله مغفرة المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم من أراد بلادنا اليمن وسائر بلاد المسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بسوء، اللهم أشغله في نفسه، واجعل تدبيره في نحره، واجعل كيده في أمره، واجعل زواله قريبًا يا رب العالمين. اللهم نجي إخواننا المستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم نجيهم في أرض فلسطين، اللهم أيدهم بتأييدك، اللهم تقبل موتاهم، وعاف مبتلاهم، وفك أسراهم، وداوي جرحاهم، وأمنهم في ديارهم وأوطانهم، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم عليك بكل عدو لهذا الدين، اللهم عليك باليهود الغاصبين والنصارى الصليبيين الحاقدين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم شتت شملهم، وفرق جمعهم، واجعل الدائرة عليهم، واغرس الرعب في قلوبهم، واجعلهم وأموالهم وأسلحتهم غنيمة للإسلام والمسلمين، آمين يا رب العالمين. قوموا وأقيموا الصلاة رعاكم الله، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.