الاعتبار بسرعة انقضاء الأعمار

الخطبة بعنوان الاعتبار بسرعة انقضاء الأعمار، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 29 ذو الحجة 1445هـ الموافق 6 يوليو 2024م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

محاسبة النفس واستغلال الأوقات عند انقضاء العام الهجري

يؤكد الخطيب على ضرورة وقفة محاسبة النفس مع انصرام عام هجري واستقبال آخر، مستشهداً بأقوال السلف وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تحث على اغتنام الأعمار والأعمال قبل فوات الأوان. ويذكر أن كل عبد سيسأل عن عمره فيما أفناه، داعياً إلى اغتنام الوقت المتبقي.

استغلال العمر والاستعداد للموت والآخرة

يشير الخطيب إلى أن بلوغ سن الستين أو السبعين ليس للتقاعس بل فرصة لاستغلال الوقت في الطاعة، محذراً من إضاعته في الشهوات واللهو. ويستعرض أهوال الموت والقيامة والحساب داعياً إلى وقفة جادة مع النفس والاستعداد للقاء الله قبل فوات الأوان.

تذكر الموت وحقيقة الدنيا والآخرة والختام بالدعاء

يذكر الخطيب المسلمين بالموت وما بعده من غسل وتكفين وحمل الجنازة وسؤال القبر، مبيناً أن الدنيا دار ممر وبلاء وليست دار قرار، وأن الواجب عمارة الآخرة وعدم الاغترار بالحياة الدنيا. ويختتم بالدعاء للجميع بالتوفيق فيما يحبه الله ويرضاه، والصلاة على النبي محمد وآله، والحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن الله عز وجل له الحكمة البالغة في تعاقب الشهور والأعوام، وتوالي الليالي والأيام. فإن الله عز وجل جعل هذه الأيام، وجعل هذه الشهور والأعوام مراحل للآجال، وخزائن للأعمال، يعمرها الناس بأعمالهم من خيرٍ أو شرٍ حتى تنتهي بهم الآجال. قال ربنا عز وجل: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾. أيها المسلمون، عباد الله، وها نحن ذا نودع عامًا هجريًا ونستقبل آخر جديد، نودع عام ألفٍ وأربعمئة وخمسٍ وأربعين، ونستقبل عامًا ألفٍ وأربعمئة وستٍ وأربعين من هجرة نبينا وحبيبنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومع هذه المناسبة التي تتكرر علينا وتعود علينا في كل عام، ينبغي على المسلم أن يقف معها بعض الوقفات، والوقفات الجادة والهامة. على الله عز وجل أن يجعلنا من الذاكرين، وأن يجعلنا من المنتفعين. أول هذه الوقفات هي وقفة محاسبة يقفها الإنسان مع نفسه، فيحاسبها أشد من محاسبة الشريك لشريكه، أشد من محاسبة الشريك لشريكه. قال الخليفة الراشد والإمام العادل عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، وتهيأوا للعرض الأكبر على الله، ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية». يقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: «ما ندمت على شيء ندمي على يوم، ندمي على يوم غربت فيه شمسه، نقص فيه أجلي، نقص فيه أجلي، ولم يزدد فيه عملي». يقول: «ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت فيه شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزدد فيه عملي». ويقول الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى: «أدركنا أقوامًا كانوا أحرص على أعمارهم وعلى أوقاتهم منكم على الدينار والدرهم». أيها المسلمون، عباد الله، اعلموا رحم الله إياكم، أنه كلما ذهب بعض عمرنا، وكلما ذهب بعض وقتنا، كلما ابتعدنا عن الدنيا واقتربنا من الآخرة. النبي صلى الله عليه وسلم كان كثيرًا ما يأمرنا أن نغتنم الأوقات، وأن نستغل الأعمار فيما ينفع وفيما يقرب إلى الله عز وجل. ومن ذلكم ما جاء في حديث ابن عباس في مستدرك الحاكم وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: «اغتنم خمسًا قبل خمس»، وذكر عليه الصلاة والسلام: «فراغك قبل شغلك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وشبابك قبل هرمك»، قال: «وحياتك قبل موتك، وحياتك، وحياتك قبل موتك». أيها المسلمون، عباد الله، إن هذه الأعمار وهذه الأوقات، إننا لمسؤولون عنها ومحاسبون عليها بين يدي الله عز وجل. فقد جاء في حديث أبي برزة، ونحوه عن ابن مسعود، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، حتى يسأل عن أربع». السؤال، أيها الأحبة في الله، ينبغي أن نعد له جوابًا، ولابد أن يكون الجواب صوابًا. قال: «عن عمره فيما أفناه». هذه الأعمار نحن مسؤولون عنها ومحاسبون عليها بين يدي الله عز وجل، فصاحب العشرين مسؤول عنها، وصاحب الثلاثين سيسأل عنها، وصاحب الأربعين والخمسين مسؤول عنها، فما ظنك بمن بلغه الله الستين أو السبعين؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعمار أمتي، أعمار أمتي من الستين إلى السبعين، وقليل من يجتاز ذلك». إذا بلغك، إذا بلغك الله الستين والسبعين، فاعلم يا رعاك الله أنك من أولئك القليل. وما بلغك الله هذا السن وأعطاك هذا العمر إلا لكي تستعمله، ولكي تستغله وتغتنمه، لا لكي نضيع الأوقات. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعذر الله إلى امرئ بلغه ستين سنة»، أي لم يبقي له عذرًا بعد ذلك. إذا جاءه الموت، قال: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾. ماذا فعل الستون؟ وماذا صنعت بالسبعين سنة التي بلغك الله إياها؟ ستين سنة أو سبعين سنة، ولازال قلبه متعلقًا بالشهوات والملذات؟ أبعد الستين والسبعين بقي مجال للضمنة والكيرم؟ أبعد الستين والسبعين بقي وقت لمتابعة الأفلام والمسلسلات؟ أبعد الستين والسبعين، أبعد الستين والسبعين، بقي وقت لمتابعة المباريات وتشجيع الأندية والمنتخبات؟ قل لي بربك: متى يستعد للمستقبل العظيم الذي ينتظره؟ ولقائل أن يقول: ما هو المستقبل الذي ينتظر صاحب الستين والسبعين، فضلًا عن الثمانين والتسعين؟ أقول: مستقبل عظيم، ليست شهادات عالمية ولا وظائف حكومية، وإنما الأمر أعظم من ذلك. ينتظره موت وسكرته، فقل لي بربك: ماذا أعددنا للموت وسكرته؟ ينتظر الجميع قبر وظلمته، فماذا ينفع العبد إذا أدخل إلى قبره ثم وصد في لحده؟ ينتظر الجميع قيامة، قيامة وأهوالها، قيامة وأهوالها، سماء تتشقق، وأرض تتصدع، وبحار تسجر، كواكب ونجوم تتساقط، تتساقط، يشيب لهوله رأس الوليد، فكيف تتقون إن كفرتم يومًا يجعل الولدان شيبًا؟ ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا * إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾. ينتظر الجميع جنة ونعيمها، أو نار وجحيمها. لا بد أيها الأحبة في الله من أن نقف مع أنفسنا وقفات جادة. هذه الأوقات التي تضيع، وهذه الأعمار التي تذهب، دقات قلب المرء قائلة له: إن الحياة دقائق وثواني. الوقت أغلى ما عنيت بحفظه، وأراه أسهل ما عليك يضيع. كبه المفرطون في الأوقات، وعدم المستغلين للأعمار. قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ، الصحة والفراغ». ومن هذه الوقفات أننا نتذكر ذنو الأجال، أننا نتذكر يوم الرحيل من هذه الدنيا. الله عز وجل يرينا مصارع الناس، وأمرنا أن نتبع الجنائز، ونزور المرضى، ونزور المقابر، وغيره كثير مما يذكرنا الموت ويذكرنا الآخرة. من أصعب الساعات وأشدها على الإنسان ساعة خروجه من هذه الدنيا، وجاءت سكرة الموت بالحق، ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَهْرُبُ﴾. أين المهرب؟ وإلى أين نفر من الموت وما بعده؟ وقد قال الله عز وجل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. قال ربنا عز وجل: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾. وقال عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾. مهما فررنا ومهما هربنا، فإن الموت لقينا، تجده أمامك. كم من إنسان لبس ثوبًا فما خلع إلا في المغسلة؟ كم من إنسان نام نومة فلم يستيقظ، أو استيقظ فلم ينم؟ كم من إنسان رفع لقمة فما وصلت إلى فيه؟ الموت أقرب إلى أحدنا من شراك نعله، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد. النبي صلى الله عليه وسلم لما ثقلا وجعل يتغشاه الكرب، كان يضع خميصة، أي خرخة، على وجهه، فإذا اغتم كشفها وهو يقول: «لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات، إن للموت لسكرات». وكان عليه الصلاة والسلام يقول: «أكثروا ذكر هادم اللذات: الموت». هادم اللذات، أي قاطعها، مهما كانت اللذة، ومهما كانت النشوة والشهوة التي يجدها الإنسان، فإن الموت إذا حضر فإنه يقطعها. الشيطان يحاول أن ينسي الإنسان ذكر الموت. نذهب إلى المقابر ونحمل الجنائز، ولربما ننشغل بما لا ينفع خلف الجنائز وفي المقابر. وأحدنا يبحث عن تنباك يمضغه، أو سجارة يشربها. تجد، تجد الضحكات والآهات تعلو بها الأصوات، تجد الحديث عن التجارة وعن السياسة وغيرها هو الذي يسود الناس، ولا يتفكر في حالة الميت. أن الواحد منا اليوم يحمل، وغدًا يحمل، اليوم يدفن، وغدًا يدفن، اليوم يشيع، وغدًا يشيع. أيها المسلمون، عباد الله، ما أسرع السنوات، وما أسرع الأعمار التي تذهب! لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، أكذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم؟ فأسأل المولى عز وجل أن يحفظ علينا ديننا، وأن يتوفانا مسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، وهكذا من هذه الوقفات الهم والجادة أن يتذكر الواحد منا بماذا سيخرج من هذه الدنيا. قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين عن أبي هريرة: «أسرعوا بالجنازة، أسرعوا بالجنازة، فإنها إن كانت صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم». وفي صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه وأرضاه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الجنازة إذا وضعت واحتملها الرجال على أعناقهم». يا لله من موقف سيمر على الجميع! أنه يوضع في نعش بعد أن يغسل، ثم يكفن، لا يستطيع أن يغسل نفسه، ولا يستطيع أن يلبس نفسه، يوصله غيره، ويلبسه غيره، ثم يحمله غيره. قال: «إن الجنازة إذا وضعت واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها، أين يذهبون بها؟ وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها، أين يذهبون بها؟ قال: فيسمع ذلك كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه لصعق، ما استطاع أن يتحمل ذلك، ما استطاع أن يتحمل ذلك». ثم يوضع في قبره، ويوسد في لحده، وينصرف عنه الأهل والأحباب، ويسمع قرع نعالهم، كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وعندها يأتيه ملكان، فيجلسانه ويسألانه: «من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟» هنا يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. قال إمام المفسرين من التابعين، قتادة ابن دعامة، أبو الخطاب السدوسي رحمه الله تعالى: «وفي الآخرة، أي في القبر، أي في القبر». قال: «ويضل الله الظالمين، ويفعل الله ما يشاء، ويفعل الله ما يشاء». نتذكر مع مرور هذه الليالي والأيام، وتعاقب الشهور والأعوام، نهاية هذه الدنيا. الدنيا ليست بدار مقر، ليست بدار إقامة أبدية، ولا حياة سرمدية، ولا حياة سرمدية، هي دار ممر، دار عبور، مليئة بالمصائب، مليئة بالمنغصات والمكدرات، فيها الأمراض، وفيها الحروب، وفيها المصائب والفتن. ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾. كل ذلك في الدنيا. ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾، في مكابدة، ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، من حال إلى آخر، سرورها لا يدوم، وصحتها لا تستمر، ونعيمها منقطع. لعل بعضكم يسأل: لماذا كانت الدنيا على هذا الحال؟ فأقول: من حكم ذلك لألا نتعلق بها، ولألا نركن إليها فننسى دار المستقر، دار الحياة الأبدية السرمدية عند الله عز وجل. أيها المسلمون، عباد الله، قال ربنا عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. وقال تعالى: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾. أيها المسلمون، عباد الله، الدنيا مدبرة، والآخرة مقبلة، ولكل منهما بنون، فينبغي أن نكون من أبناء الآخرة، ولا نكون من أبناء الدنيا. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر». هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم. وقال عليه الصلاة والسلام، كما في حديث سهل بن سعد، وأبي هريرة، وابن عباس، وعائشة، وغيرهم رضي الله تعالى عنهم: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوض، ما سقى منها كافرًا شربة ماء». لكنها دون ذلك. يا إخوان، فلهذا الواجب على المسلم أن يعمر الآخرة، وأن لا تشغله الدنيا عن مستقبله العظيم الذي ينتظره. فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل. فأسأل المولى عز وجل أن يحفظ علينا ديننا، وأن يتوفانا مسلمين. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا. اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر. اللهم لا تدع لنا ذنبًا إلا غفرته، ولا همًا إلا فرجته، ولا دينًا إلا قضيته، ولا مريضًا إلا شفيته، ولا شابًا إلا هديته وأصلحته، ولا ميتًا إلا غفرت له ورحمته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة لك فيها رضا ولنا فيها صلاح إلا أعنتنا على قضائها ويسرتها لنا برحمتك يا أرحم الراحمين. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.