الدرس في جناية القبورية - الجزء الأول، وكانت بعد المغرب من يوم الأحد 13 محرم 1431هـ ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع أن الله خلق الثقلين لعبادته وحده، وأن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله هي أصل الأصول وأول الواجبات. ويحذر من جناية القبورية وأهل البدع الذين يهدمون هذا الأصل، مؤكداً أن حفظ الدين هو أول الضروريات الخمس وأعظمها.
يحذر المقطع من انتشار الشرك والبدع المتمثلة في عبادة القبور والاستغاثة بالأموات، مؤكداً أن إخلاص الدين لله ومتابعة الرسول هما أصل الدين. وأن الشرك يحبط الأعمال ويؤدي إلى إحياء سنن الجاهلية وخراب المساجد، متوعداً أصحابه بالعذاب الأليم.
يحرم النص بناء المساجد على القبور والصلاة إليها مستدلاً بأحاديث نبوية تلعن فاعليها وتشبههم باليهود والنصارى. كما يوضح الفرق الجوهري بين أولياء الرحمن وهم المؤمنون الأتقياء، وأولياء الشيطان وهم الكفرة والمشركون، محذراً من لبس الحق بالباطل.
القبة التي على قبر النبي صلى الله عليه وسلم بناها الملك قلاوون بوحي من الشيطان بلا دليل شرعي، وجعل القباب على القبور من فعل الظلمة لا دليل على ولاية الميت. وزيارة الأضرحة في مواسم معينة تُعد من أعظم البدع والجنايات على دين الإسلام.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ويقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الناس، اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الله عز وجل خلقنا لعبادته، لم يخلقنا عبثاً ولم يتركنا سدى، بل خلقنا لغاية عظيمة وهي عبادته سبحانه وتعالى، وأرسل إلينا الرسل وأنزل علينا الكتب لنعبده كما أراد لا كما نريد. قال الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. وأرسل جميع الرسل يدعون لهذا الأصل العظيم، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وكل رسول يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. وكل رسول أرسله الله عز وجل يدعو قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأنزل الكتب تدل الناس إلى هذا وتدعوهم لذلك. ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾، فكل رسول معه كتاب، كل رسول يدعو إلى التوحيد، والكتب المنزلة تدعو إلى ذلك. قال الله عز وجل: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾. فهذه الشريعة وهذا الدين هو دين جميع الرسل، إنما اختلفت الشرائع. ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ * كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾. وقال تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. جميع الرسل أرسلهم الله بالتوحيد، وأول ما بعث الله عز وجل رسوله كان يقول للناس: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا». وبدأ بالدعوة إلى التوحيد قبل أن تفرض الصلاة والصيام والزكاة والحج، دعا إلى إخلاص الدين لله، ولم تفرض الصلاة إلا بعد عشر سنين من الدعوة والبعثة، ولم تفرض الزكاة إلا بعد خمس عشرة سنة من الدعوة والبعثة، ولم يفرض الصوم إلا في هذا الوقت بعد خمسة عشر سنة، ولم يفرض الحج إلا في آخر العهد المدني قبل موت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعام أو عامين، فقد فرض في السنة التاسعة، ومات عليه الصلاة والسلام في أول السنة الحادية عشرة. فالرسل دعوا أممهم إلى التوحيد، وقال النبي عليه الصلاة والسلام عند موته: «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك». وبين لهم الدين ودعاهم إليه وحثهم عليه ورغبهم فيه وأمرهم به، ومات يوم مات وقد محيت ظلمات الجهل والشرك، وقامت رايات التوحيد في عهده صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم حمل تلك الرايات أصحابه من بعده، ودعوا إلى الله عز وجل وإلى شرعه ودينه. ثم جاءت الخلوف أهل البدع، ودعوا إلى خلاف ما دعا إليه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فنذكر إن شاء الله تعالى في هذا المجلس الطيب جناية القبورية على التوحيد. فإن القبورية يا عباد الله عمدوا إلى أصل الأصول، فإن الدين يقوم على أصلين عظيمين: الأصل الأول إخلاص الدين لله، والأصل الثاني متابعة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولا يقبل الله عمل عامل إلا إذا توفرت فيه هذان الشرطان: الإخلاص والمتابعة. ودعاة القبورية يدعون إلى الشرك وإلى البدعة، وإخلاص الدين لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو أول أركان الإسلام. بني الإسلام على خمس: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله». هذا هو أصل الأصول وأساس الدين وأول الواجبات. ودعاة القبورية حرصوا على هذا الأصل فحاولوا أن يهدموه من قلوب المؤمنين. ولما بعث معاذاً إلى اليمن قال: «إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله». فشهادة أن لا إله إلا الله بأن لا يعبد بحق إلا الله، وشهادة أن محمداً رسول الله بأن لا يتبع إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإخلاص الدين لله، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، تنبني على هذا جميع الأركان وجميع العبادات بعد ذلك. أيها الناس، إن الجناية على الأنفس من أعظم الجنايات، الجناية على النفس والجناية على العضو رتب في الشرع عليها العقوبات العظيمة لمن اعتدى على الأنفس وعلى الأعضاء. وإن أعظم الجنايات هو الاعتداء على الدين والاعتداء على القلوب. قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه»، رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما. فدعاة القبورية يعتدون على دين الناس. وقد اتفقت جميع الأديان على المحافظة على الضروريات الخمس، وأول هذه الضروريات: ضرورة حماية الدين، الدين والنفس والمال والعرض والعقل. هذه في جميع الأديان، وخاصة هذا الدين الشامل الكامل العظيم حافظ على هذه الضروريات الخمس، وأولها ضرورة حماية الدين. فإن الدين إذا حفظ وبقي بقيت سائر الضروريات بإذن الله عز وجل، وإذا ذهب الدين فإن العبد يخسر دنياه وآخرته. إذن يا عباد الله، يقول نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله». والحديث جاء في الصحيح عن أبي هريرة، وجاء أيضاً عن ابن عمر رضي الله عنهما. «الدين رأس المال فاستمسك به، فضياعه من أعظم الخسران». إذن يا عباد الله، علينا جميعاً بالمحافظة على ديننا، ودعوة غيرنا بالمحافظة على هذا الدين العظيم. لقد جاهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه من أجل إقامة هذا الدين وإخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى. فلما انقرضت تلك العصور الطيبة الخيرية جاء أهل البدع، فشوهوا جمال الإسلام وأنقصوا كماله بنشر عقائد الشرك. وربنا عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾. ويقول ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. ويقول ربنا عز وجل: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ﴾. ويقول ربنا عز وجل: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾. فإخلاص الدين لله عز وجل هو دعوة جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام. فهذا هو أصل الأصول الذي ينبني عليها دين الإسلام. وانظروا يا عباد الله في نقيض ذلك، وهو دعوة القبورية إلى الشرك بالله عز وجل بدعاء الأموات والاستغاثة بهم، والنذر لهم، وشد الرحال إلى قبورهم، والتمسح بها، وطلب المدد والعون، وما لا يطلب إلا من الله عز وجل من أصحاب القبور. وهذا هو الشرك الذي حاربه الإسلام، وتوعد الله عز وجل أصحابه بالنار، وأن من مات على ذلك لا يغفر الله عز وجل له. قال ربنا عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. وقال الله عز وجل: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾. وقال ربنا عز وجل: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾. إذن الشرك يا عباد الله معول هدم بيد القبورية، يهدمون الإسلام بهذا المعول، معول الشرك. فقد انتشرت عبادة الأوثان في البلاد الإسلامية، وعبدت القبور من دون الله عز وجل، وصرفت النذور لها، ودعي أصحابها، وصرفت العبادات والقربات للأضرحة والمشاهد. فإنا لله وإنا إليه راجعون. ويقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، متفق عليه عن عائشة. وقال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وهذه رواية مسلم عن أم المؤمنين عائشة. وقال عليه الصلاة والسلام في حديث جابر في صحيح مسلم: «كان يقول في خطبته: وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». فالشرك يحبط العمل، والبدعة مردودة، مردود العمل على أصحاب البدع، فإنهم إن عملوا الأعمال العظيمة فإن الله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وما اتبع فيها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال ربنا عز وجل: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾. إذن يا عباد الله، دعاة القبور يحرصون على فساد عبادات الناس بفساد عقائدهم. فإن دعاة القبور يشركون بالله عز وجل فناقضوا الإخلاص، وإن دعاة القبور يبتدعون في دين الله فخالفوا وناقضوا المتابعة للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإذا خرب هذا الأصل: الإخلاص والمتابعة، فصلاة المشرك لا تقبل وعبادته مردودة عليه، وصومه لا يقبل ومردود عليه، وزكاته لا تقبل ومردودة عليه، وحجه لا يقبل ومردود عليه، وسائر أعمال البر لا تقبل إلا بالإخلاص والمتابعة. لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه»، متفق عليه عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فإذا ذهب الإخلاص والمتابعة فأي عمل للعبد ينفعه، وأي قربة إلى الله عز وجل تقبل؟ فدعاة القبور جنوا يا عباد الله ليس على أموال الناس ولا على أوقاتهم فحسب، وإنما جنوا على قلوبهم وعقائدهم وأديانهم. وإنما ينصر الله عز وجل أهل التوحيد بإخلاصهم ودعائهم وتقواهم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما تنصرون بضعفائكم بدعائهم وإخلاصهم». فجعل النصرة بالإخلاص والتوحيد لله عز وجل. فأعظم الجنايات يا عباد الله الجناية على الدين، لأن الدين هو رأس المال وهو أصل الأصول وأساس الملة. فإن دعاة القبورية جنوا على المسلمين هذه الجناية الخطيرة، فترتب على ذلك ضعف عبادتهم. إذا فسد الإخلاص والمتابعة والشهادة، فإن هذا يدعو إلى تخريب المساجد وعمارة المشاهد، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه: «أهل البدع يعمرون المشاهد ويخربون المساجد». وإنما العمارة تكون لأهل التوحيد، يعمرون المساجد. ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾. فلما خربت العقائد خربت المساجد تبعاً لها، فتجد أهل القبور في وقت زيارتهم ومواسمهم وطقوسهم يخربون المساجد، وتفرغ المساجد من أهلها، وتجدهم بالآلاف وعشرات الآلاف وربما أكثر من ذلك عند المشاهد، يعكفون عندها ويذبحون لأهلها وينذرون لها ويستغيثون بأهلها ويدعونهم من دون الله عز وجل، ويلتمسون البركة من المشاهد والأضرحة. فأهل السنة يعمرون المساجد بالتوحيد، بالعلم، بالفقه، بنشر الخير، تجد مساجدهم عامرة على ممر الأيام والليالي حتى يتوفاهم الله سبحانه وتعالى. فخراب المساجد إنما هو من خراب التوحيد والإخلاص والمتابعة للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وإنما يصبر أهل التوحيد على عمارة المساجد لما يرجون من الأجر العظيم من الله سبحانه وتعالى. ومما ومن الجنايات التي يرتكبها القبورية على الإسلام وأهله أنهم يحيون سنن الجاهلية. وقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «قال الله عز وجل: ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولهم عذاب أليم: ملحد في الحرم، ومطلب دم امرئ مسلم ليهريق دمه، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية». هؤلاء الثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. ومنهم الذي يبتغي في الإسلام سنة الجاهلية. والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «كل أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي». فقد دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبر سنن الجاهلية، وانتهت الجاهلية العامة ببعثة الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان من أعظم أمور دعوته إلغاء سنن الجاهلية وإحياء سنن الإسلام. فالمبتغ في الإسلام سنة الجاهلية هذا خصم لربه عز وجل يوم القيامة. وروى البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذر، يحذر ما صنعوا. وحديث متفق عليه عن أم المؤمنين، وعن ابن عباس، وعن أبي هريرة رضي الله عنهم جميعاً. فهذا من سنن أهل الجاهلية ومن سنن أهل الكتاب. ولا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر. لا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر. فإن بني المسجد على القبر يهدم المسجد، وإن أدخل القبر في المسجد ينبش القبر. وقال: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذر مما صنعوا. وأهل القبورية يبنون المساجد على القبور، وأيضاً يدخلون القبور في المساجد. فكم تجد في البلاد الإسلامية من مسجد وسط مقبرة، وكم تجد القبور أمام القبلة أو خلفها أو عن يمينها أو عن يسارها داخل المسجد، وربما تجد في المسجد الواحد أكثر من قبر. والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها»، رواه مسلم عن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه. وقال عليه الصلاة والسلام، قال جابر: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يقعد عليه»، رواه الإمام مسلم. فكل ذريعة تدعو إلى الشرك سدها رسول الله عليه الصلاة والسلام، ونهى عن الصلاة إلى القبور حتى لا تعبد من دون الله عز وجل، ونهى أن تجصص وأن يبنى عليها وأن يقعد عليها حذراً من الاغترار بها وبمن فيها. فجاءت القبورية وارتكبوا عين ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفي حديث عائشة في الصحيحين أن أم سلمة وأم حبيبة أخبرت رسول الله عليه الصلاة والسلام بكنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها مارية، أي مريم، ذكروا ما فيها من الصور. والرسول عليه الصلاة والسلام مريض في فراشه في المرض، فلما سمع هذا وسمع بتلك الكنيسة وما فيها من الصور قال محذراً: «أولئك أو أولئك، إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله». من هم شرار الخلق؟ أولئك أهل الكتاب من اليهود والنصارى، أهل الجاهلية، أهل الأوثان. إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله. وفي حديث ابن مسعود عند أحمد وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد». شرار الخلق الذين يتخذون القبور مساجد. فدعاة القبورية يتخذون القبور مساجد، ويبنون المساجد على القبور، ويذكرون أحاديث وآثاراً وقصصاً من وحي الشيطان، ليس من وحي الرحمن ولا من دين الإسلام. فأهل القبور ودعاة القبورية يبتغون في الإسلام سنن الجاهلية، يبتغون في الإسلام سنن الجاهلية. ومن أعظم سنن الجاهلية: تشييد القبور، ورفع القبور، وتجصيص القبور، وإدخال القبور في المساجد، وبناء المساجد على القبور. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم محذراً من سنن الجاهلية وسنن أهل الكتاب: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم». قيل: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟». والحديث متفق عليه عن أبي سعيد الخدري، وعن أبي هريرة رضي الله عنهما. «لتتبعن» لام القسم، أي والله لتتبعن سنن أهل الجاهلية، سنن أهل الكتاب، شبراً بشبر. وربنا عز وجل يقول عن أهل الغلبة لما مات أولئك الشباب الصالحين كما في سورة الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾. أهل الغلبة والقهر والسطوة والبعد عن الدين، قال الذين غلبوا على أمرهم: لنتخذن عليهم مسجداً. فهذا فعل الملوك والرؤساء الجهلة والجبابرة البعيدون عن الدين، هذا فعلهم. قال الذين غلبوا على أمرهم: لنتخذن عليهم مسجداً. مسجداً. فاتخاذ المساجد على القبور من فعل الملوك والجبابرة والظلمة البعيدين عن دين الإسلام. فدعاة القبورية يحيون سنن الجاهلية. ومن جنايات القبورية على المسلمين: لبس الحق بالباطل. وربنا عز وجل يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ومن صور لبس الحق بالباطل أنهم يخلطون بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان. وأهل التوحيد يميزون، فإن الله عز وجل ذكر في كتابه أولياء الرحمن وأولياء الشيطان. ودعاة القبورية لا يفرقون بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، فيلبسون الحق بالباطل ويكتمون الحق. فأولياء الرحمن هم المؤمنون الأتقياء، كما قال الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. فكل مؤمن تقي فهو ولي. والولاية هي المحبة والقرب، كما أن العداوة هي البغض والبعد. وربنا عز وجل يقول: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾. فأولياء الرحمن كما سمعت في وصفهم هم المؤمنون الأتقياء. وإذا فقد الإيمان والتقوى وزعم أن فلاناً ولي فهو ولي للشيطان، كما قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾. ويقول ربنا عز وجل: ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. ويقول ربنا عز وجل: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾. ويقول ربنا عز وجل: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾. ويقول ربنا عز وجل: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾. ويقول ربنا عز وجل عن الخليل عليه الصلاة والسلام أنه قال لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾. ويقول ربنا عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾. ويقول ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾. الفرقان يا عباد الله بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان أمر مهم جداً، فإن هذه الأعصار اختلط فيها الحق بالباطل، والتبس الحق بالباطل، حتى أصبح دعاة الزندقة والإلحاد والكفر والسحر أولياء عند الناس. وقد قال الإمام الليث بن سعد، وقال الشافعي من بعده: «إذا رأيتم الرجل يطير في الهواء ويمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تنظروا وقوفه عند الأمر والنهي». وذكر شيخ الإسلام تيمية فصلاً في ذلك: أن رجالاً يطيرون في الهواء ويمشون على الماء وهم من أشد الناس إلحاداً وكفراً وزندقة. قالوا: «أنا أعرف من هؤلاء جماعة ممن يطيرون في الهواء». يقول شيخ الإسلام تيمية رحمة الله عليه: «قالوا هم من أبعد الناس عن دين الله ومن أهل الإلحاد والكفر والزندقة». فهم أولياء الشيطان. فليس الولي من يطير في الهواء ويمشي على الماء، إنما الولي المؤمن التقي. وليس الولي هو من ينصب على قبره قبة، بل الولي لا يرضى أن ينصب على قبره قبة. فإن نبينا عليه الصلاة والسلام نهى عن رفع القبور. وإنما نصب القباب دعاة القرامطة والباطنية. والقبة التي نصبت على قبر الرسول عليه الصلاة والسلام إنما نصبها ملك من ملوك مصر يقال له قلاوون الصالح بوحي من الشيطان، ليس عنده دليل ولا أثر من الكتاب ولا من السنة على نصب القباب. فجعل القباب على القبور ليس الدليل على ولاية المقبور، بل جعل القباب على القبور من فعل الملوك الظلمة وأهل الجهل والتجبر والتكبر. ليس أولياء الله عز وجل مخصوصين بلباس معين ولا بنسب معين ولا ببلد معين، بل أولياء الله في الرجال وفي النساء، في العرب وفي العجم، في الأحمر والأسود والأبيض من المؤمنين الأتقياء. فكل مؤمن تقي هو ولي لله عز وجل. وليس أولياء الله عز وجل هم أهل حمق وأهل المجانين كما يقول بعضهم عن المجانين والحمقى والمغفلين: «هؤلاء أولياء لله عز وجل». ليس الولي المجنون، المجنون ليس بولي الله عز وجل، المجنون مرفوع عنه القلم وأمره إلى الله عز وجل، يختبر يوم القيامة كما في حديث الأسود بن سريع: «أربعة يختبرون يوم القيامة»، ومنهم الأبله الذي لا يعقل شيئاً. فالفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان أمر عظيم، لأن الآن الزيارات التي تؤتى إلى الأضرحة تؤتى إلى الأضرحة إنما هي على اعتبار أن هؤلاء أولياء يزارون في مواسم معينة. فهذه من أعظم الجنايات على دين الإسلام: جناية القبورية، وهو لبس الحق بالباطل، واختلاط الأمور، وعدم الفرقان، وعدم البيان في ذلك. ونسأل الله عز وجل أن يبصرنا بديننا، وأن يفقهنا في الدين، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، إنه ولي ذلك والقادر. وعليه، بارك الله فيك. شكراً للمشاهدة. شكراً للمشاهدة. شكراً للمشاهدة. شكراً للمشاهدة.