الدرس في كشف شبهات القبورية - الجزء الأول، وكانت بعد صلاة العشاء من يوم الأحد 13 محرم 1431هـ ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المتحدث معنى عنوان "كشف شبهات القبورية" لغةً واصطلاحًا، موضحًا أن أصل ضلال القبورية هو جهلهم بحقيقة دين الرسل القائم على إفراد الله بالعبادة وحده، ويضرب مثالًا بمشركي قريش الذين فهموا معنى "لا إله إلا الله" فأنفروا منها، ثم يستعرض شبهتهم الأولى وهي ادّعاءهم الإقرار بتوحيد الربوبية وطلبهم الشفاعة بالصالحين مع نفي الشرك عن أنفسهم.
يبين المتحدث بطلان تعريف المخالفين للشرك بأنه اعتقاد خالق أو رازق مع الله، موضحاً أن الشرك الحقيقي هو صرف شيء من العبادة لغير الله، وأن المشركين الأولين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ومع ذلك حكم الله عليهم بالشرك. كما يفند شبهة التوسل بالصالحين بدعوى الذنب، مؤكداً أن الواجب على المذنب التوبة المباشرة إلى الله دون وساطة.
يؤكد المقطع أن الله أمر بدعائه مباشرة دون وساطة، مستدلاً بآيات قرآنية تنفي نفع الشفاعة إلا بإذن الله، وتثبت أن أولياء الله هم المؤمنون المتقون فقط. كما يقارن بين المشركين الأوائل والذين يتوسلون بأصحاب القبور اليوم، مبيناً أن كليهما صرف العبادة لغير الله وهو شرك أكبر، سواء كان المعبود ملكاً أو نبياً أو صالحاً.
يحذر المتحدث من أن عبادة غير الله تُعد شركاً بالله. ثم يختم كلامه بطلب المغفرة من الله العظيم لكل الذنوب، مؤكداً أن الله هو الغفور الرحيم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فاستقلالًا للوقت ندخل في الموضوع مباشرة. عنوان هذه الكلمة كما قد أُعلن لها عنوانها هو: كشف شبهات القبورية. فنبدأ أول ما نبدأ به في الكلام على معنى هذا العنوان. فكشف في اللغة: الكشف في اللغة بمعنى الإظهار، ورفع شيء عما يواريه ويغطيه. والشبهات في اللغة: من المشابهة، أي من مشابهة الشيء للشيء. وفي الاصطلاح: عرفها العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى بقوله: «هو وارد يرد على القلب يحول بينه وبين انكشاف الحق له»، هكذا عرفه في مفتاح دار السعادة. وعرفه بتعريف آخر في مدارج السالكين فقال: «الشبهة: الشكوك التي توقع في اجتبال الحق بالباطل»، قال: «فيتولد عنها الحيرة والريبة». والقبوريون: المراد بهم عَبَدة القبور، من يتعبد للقبور ويتقرب إليها بأنواع من القرب وأنواع من العبادات. هذه مفردات عنوان هذه الكلمة. وإذا ضممنا هذه المفردات ظهر لنا المعنى المقصود من هذه الكلمة، وهو: إزالة الشبه التي وضعها القبورية، وبيان باطلها. وفي الحقيقة: الشبه التي ذكرها القبورية كثيرة، والمقام كما ترون قصير، لذا سيكون الكلام على شبه من شبه هؤلاء القبورية، في ضمنها عدة شبه، وسيكون الكلام والجواب عليها كذلك ملخصًا مختصرًا للتعليل السابق، وهو ضيق الوقت. وقبل ذكر هذه الشبه نذكر تمهيدًا لهذه الشبه، هذا التمهيد هو أصل ما أوقع هؤلاء فيما أوقعهم، وهو: أن القوم لم يعرفوا حقيقة دين الأنبياء، ولم يعرفوا كذلك حقيقة دين المشركين، فلم يتبين الحق من الباطل، والهدى من الضلال، والرشد من الغي. فأنى لهم بعد ذلك أن تقوم لهم حجة أو تنصب لهم راية في الحق؟ فاقد الشيء لا يعطيه. والحاصل من هذا والخلاصة في هذا: أن دين الرسل مبني على توحيد الله عز وجل، وعلى إفراد الله عز وجل وحده بالعبادة. فالمرسلون من أولهم إلى آخرهم جاءوا لأجل هذا المعنى، لأجل عبادة الله عز وجل وحده، ولأجل أن يُفرد الله عز وجل وحده بالعبادة، فلا يُشرك معه في هذه العبادة أحد، ولو كان نبيًا مرسلًا، ولو كان ملكًا مقربًا، فضلًا عمن هو دونهم. قال ربنا جل في علاه: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾. هذا هو دين الله عز وجل، وهذا هو الدين الذي أرسل الله عز وجل به المرسلين من أولهم إلى آخرهم. قال ربنا عز وجل: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾. وقال سبحانه: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾. فإذن حقيقة دين الأنبياء هو هذا: الدعوة إلى إفراد الله عز وجل بالعبادة وحده، والبراءة والكفر والنفور والتحذير من كل ما سواه سبحانه وتعالى. لا إله إلا الله: هذه الكلمة العظيمة الجليلة هي دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم كما أشرنا. فما معنى هذه الكلمة؟ لا إله إلا الله. أهل التوحيد من أهل الدين الخالص يعرفون هذا الكلام ويعرفون هذا المعنى، بل والعرب الأول من المشركين الذين بُعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يعلمون حقيقة هذه الكلمة ومعنى هذه الكلمة، وأن معناها: لا معبود حق إلا الله. دليلنا على هذا: أن المشركين الأول يقرون بتوحيد الربوبية، فيقرون بأن الله عز وجل هو الخالق، وهو الرازق، وهو المدبر وحده سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ﴾. مباشرة، لا شك ولا ارتياب عندهم: الله عز وجل هو الخالق، هو الرازق، هو المدبر وحده سبحانه وتعالى، لا يتوقفون في ذلك ولا يشكون. ولكن لما قيل لهم: اعبدوا الله، قولوا لا إله إلا الله، ماذا صنعوا؟ نفروا نفورًا. دليلنا على هذا: ما رواه الإمام الطبراني في تفسيره، والإمام ابن أبي حاتم كذلك في تفسيره، من حديث ابن عباس بإسناد قابل للتحسين يرتقي. رواه ابن جرير، والطبراني من طريقين يرتقي إلى الحسن بهما. قال رضي الله عنهما -أي ابن عباس رضي الله عنهما-: «إن المشركين شكوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمه أبي طالب في مرض موته، فدعاه أبو طالب، فلما جاءه النبي صلى الله عليه وسلم -واختصروا الحديث لأجل الوقت- قال له أبو طالب: يا ابن أخي، ما بال قومك؟ ما بال قومك، أو قومك ما بال قومك يشكونك، ويزعمون أنك تسفه آلهتهم، وأنك تفعل وتفعل؟». فقال لهم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «يا عم، كلمة إذا قالوها ملكوا بها العرب، أو قال: سادوا بها العرب، وأعطتهم العجم الجزية وهم صاغرون». فقال المشركون: «كلمة واحدة وأبيك عشرًا» -أي: نعطيك عشرًا بدلاً من الواحدة-. فقال له أبو طالب: «وما هي؟». قال: «قولوا لا إله إلا الله». ماذا صنع المشركون؟ قال ابن عباس: «فقام المشركون ينفضون ثيابهم وينفرون، وخرجوا وهم يضجون ويقولون: ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾، ﴿ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ ﴾» إلى آخر الآيات. المشركون في توحيد الربوبية يقرون بأن الله هو الخالق وحده لا شريك له، هو المدبر وحده لا شريك له، هو الرازق وحده لا شريك له. ولكن لما قيل لهم: قولوا لا إله إلا الله، وعلموا بعربيتهم وفصاحتهم أن معنى لا إله: أي لا معبود حق إلا الله، قالوا ما قالوا: «أجعل الآلهة آلهة كثيرة نعبدها ونتقرب إليها؟ جعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب». هذه إلماحة بين يدي الموضوع، وندخل في الشبهة لأن الوقت يمر ويمشي، والله المستعان. من شبه القبورية: أنهم يقولون: «إننا لم نشرك بالله، بل نشهد أن لا إله إلا الله، وأنه لا خالق ولا رازق ولا مدبر إلا الله، ولكن نحن مذنبون، والصالحون لهم جاه عند الله، فنحن نطلب من الله بهم لمكانتهم. فكيف بعد هذا تحكمون علينا بأننا مشركون، كالمشركين الأول؟ والمشركون الأول لا يقولون لا إله إلا الله، والمشركون الأول يعبدون الأحجار والأصنام والأشجار. فكيف بعد هذا تسوون بيننا وبينهم؟». واضح هذه الشبهة يا جماعة، والحقيقة كما سمعتم أنها شبهة مجملة، وتحتها فروع، وتحتها شبهات، لذا سيكون الكلام عليها على هذه الشبهة بحسب الفقرات، إشارة مختصرة لأن المقام يدعو إلى هذا. طيب، قولهم أولاً: «إننا لم نشرك بالله». فيقال لهم: عرفوا لنا الشرك بالله، ما هو الشرك بالله، وما هو حقيقة الشرك بالله عز وجل؟ لأن من لم يعرف حقيقة الأمر فكيف بعد هذا ينفيه عن نفسه؟ فهم عندهم: الشرك بالله عز وجل هو أن يعتقد أن مع الله عز وجل خالق، أو رازق، أو مدبر، أو نافع، أو ضار. هذا هو الشرك بالله عز وجل. فالجواب -الجواب- الجواب عنهم: أن يقال لهم، أن يقال لهم: الجواب على هذا التعريف من وجهين. الأول: أن هذا في الحقيقة ليس هو التعريف الحقيقي للشرك بالله عز وجل، وإن كان داخلًا في معنى الشرك بالله عز وجل. ولكن هذا كما يقول العلماء: محل إجماع أن الكل يعتقدون بأن الله عز وجل هو الخالق الرازق المدبر وحده، الكل يقرون بهذا. فإذا الشرك معناه غير هذا المعنى الذي ذهب إليه هؤلاء. فإن قيل لنا: فما هو الشرك عندكم؟ نقول: الشرك عندنا هو ما سماه الله عز وجل شركًا، وهو: تسوية غير الله عز وجل بالله عز وجل بشيء من خصائصه. والدليل على هذا: قول الله عز وجل عن أصحاب النار من المشركين: ﴿ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾. هذا تعريف للشرك إجمالًا، وتعريف للشرك تفصيلًا: أن الشرك يدخل في توحيد الألوهية، وفي توحيد الربوبية، وفي توحيد الأسماء والصفات. ومقصودنا هاهنا توحيد الألوهية الذي جاءت به الرسل. فتوحيد الألوهية هو: إفراد الله عز وجل بالعبادة، إفراد الله عز وجل بالعبادة. فإن قيل لنا: وما هي العبادة؟ يقال: العبادة عرفت بتعريفات عند أهل العلم. فمن تلك التعاريف: ما ذكره الفقهاء: أنها اسم لما شرع من غير اطراد عرفي ولا عقلي، أو كما قيل. ومنها: ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بقوله: «العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة». ومن التعاريف باعتبار العابد: ما جمع بين الخوف والطمع والتعظيم، كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في الشافية الكافية: «وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قطبان». فالعبادة معناها هذا، وضدها الشرك بالله عز وجل. توحيد العبادة أو توحيد الألوهية هو إفراد الله عز وجل بالعبادة، وضده هو الشرك: وهو أن يعبد مع الله عز وجل غيره، أو أن يصرف شيء من العبادات إلى غير الله عز وجل. هذا من الشرك بالله عز وجل. هذا الوجه الأول. والوجه الثاني: أن يقال لهم على قولكم هذا: يلزم من ذلك أن المشركين الأول ليسوا بمشركين، إذ أن المشركين الأول يقرون بهذا، يقرون بأن الله عز وجل هو الخالق، هو المالك، هو المدبر، كما تقدم وأشرنا إليه في الآية السابقة. ومنه أيضًا قول الله عز وجل: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾، ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ﴾. لا يتلعثمون ولا يتراجعون عن هذا. فدل على أن المشركين الأول يقرون بهذا الأمر. فلازم هذا: أن يقول هذا القبوري: إن هؤلاء المشركين الذين حكم الله عز وجل عليهم بالشرك، وحكم عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشرك، وأجمع الصحابة على ذلك، أن هؤلاء ليسوا بمشركين على هذا التعريف الباطل. وهذا باطل، ولازم الباطل باطل، كما أن لازم الحق حق. هذا أولاً. ثانيًا: قولهم: «بل نشهد أنه... نشهد أن لا إله إلا الله». يقال لهم أيضًا: ما معنى لا إله إلا الله؟ الجواب: أن القوم لا يعرفون من لا إله إلا الله إلا أن الله عز وجل هو الرازق، هو المدبر، هو النافع الضار وحده. هذا قد أقر به المشركون كما تقدم. فما الفرق بينكم وبينهم؟ المشركون يقرون بهذا ويشهدون بهذا بأن الله عز وجل هو الخالق الرازق المدبر وحده لا شريك له، وأنتم تقولون: إن لا إله إلا الله معناها أنه لا خالق ولا رازق ولا مدبر حق إلا الله. فما الفرق إذن؟ مشركوا العرب أعلم بلا إله إلا الله من مشرك زماننا هذا. طبعًا الذي يقول هذا: تعرف هذا الحاذق منهم، الذكي، الفطن، الفهم منهم. أما الجاهل فيكفي منه أن يقول بلسانه لا إله إلا الله، وقلبه وتعلقه بغير الله عز وجل من أصحاب القبور. فلا إله إلا الله يحرك بها لسانه، وقلبه وقلبه متعلق بغير الله عز وجل تعظيمًا ومحبة وذلاً وخشوعًا وإنابة، ثم يقول: أنا أقول لا إله إلا الله. سبحان الله! هل لا إله إلا الله المقصود منها مجرد اللفظ وعدم معرفة المعنى والعمل بمقتضى ذلك المعنى، أم أن المراد به الكل، ولا يتحقق التوحيد والإيمان إلا بهم جميعًا؟ طيب، قوله أيضًا: قولهم أنهم يشهدون أنه لا خالق ولا رازق إلى غير ذلك، هذا قد تقدم الكلام عليه. قولهم: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، فضلًا عن غيره». فيقال لهم: هذا مجرد تلبيس وتدليس وتمويه على عقول الجهال. وإلا فيقال، فيقال لهم: وهل كان المشركون الأول يعتقدون في معبوداتهم أنها تنفع وتضر، وأنها تملك وترزق وتخلق؟ الجواب ما هو؟ لا يعتقدون هذا، بل يعتقدون أن الله عز وجل هو الخالق الرازق المدبر وحده. فإذا لا فرق بينكم وبينهم. وهذه من المساواة والمشابهة بين المشركين الأول وبين مشركي زماننا. قولهم: «نحن مذنبون، والصالحون لهم جاه عند الله، وأطلب من الله بهم». هذه كما يقال: هي الشبهة، أو هذه حقيقة شبهة هؤلاء. هؤلاء يقولون: نحن مذنبون، أصحاب معاصي، أصحاب تقصير، وهؤلاء الصالحون أصحاب جاه عند من؟ عند الناس لا، بل عند الله عز وجل. فماذا إذن قالوا؟ فنتقرب إلى الله عز وجل بهم. تتقربون -الصواب: تتقربون- إليهم من أجل أن تتقربوا إلى الله. الجواب عن هذه الشبهة: أن يقال لهم: أولاً، أنتم تزعمون أنكم مذنبون، والمذنب عليه أن يبادر إلى التوبة إلى الله عز وجل. فالله عز وجل هو يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، ويعلم ما تفعلون. والله عز وجل أمرنا بالتوبة إليه والرجوع إليه: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾. والله عز وجل لا يحتاج إلى وساطة، بل قال ربنا عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾. وقال سبحانه: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾. فالله عز وجل يأمر ويحث على دعائه مباشرة، لا يحتاج إلى واسطة، ولا يحتاج إلى شفعاء. هذا أمر. أمر آخر: من أين لكم أن هؤلاء الذين ذكرتموهم أنهم صالحون؟ إن قلتم: فإنهم يفعلون ويفعلون ويفعلون. نقول: الصالحون الذين هم أولياء لله عز وجل حقًا، من قال الله عز وجل فيهم: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾. فكل مؤمن تقي فهو لله عز وجل ولي، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. فما يمنعك أن تكون من هؤلاء؟ ما يمنعك أن تكون من هؤلاء أن تتقي الله عز وجل وتتقرب إليه بالتوحيد وإفراده وحده بالعبادة؟ ثالثًا: من أين لك أن لهذا الصالح جاهًا عند الله عز وجل يقبل ولا يرد، يقبل ولا يرد؟ من أين لك هذا الأمر؟ هذه دعوى وفرية وتقول على الله رب العالمين: أن فلانًا من الناس له جاه وجاه عند الله عز وجل، بحيث أنه إذا قال: يا رب، فلان اغفر له، اغفر له، اغفر له، أو فلان ارحمهم، أو فلان أعطه، أو كذا أو كذا، الله عز وجل يستجيب له مباشرة. هذا لا يكون، هذا سوء أدب مع الله عز وجل. إذا كان الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴾. فمن هذا الصالح؟ هل يبلغ مرتبة الملائكة أبدًا؟ ومع هذا يقول الله عز وجل: ﴿ إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴾. ولا يرضى الله عز وجل إلا عن أهل التوحيد، أما أهل الشرك فإنه لا يرضى عنهم أبدًا، كما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾. أيضًا قولهم: «والصالحون لهم جاه»، تقدم الكلام عليه. ويقال لهم أيضًا: أن قولكم: «أن نتقرب إلى الله عز وجل بهم»، يقال لهم: ما معنى هذا التقرب، وماذا أردتم بهذا التقرب؟ هل معناه أنكم تتقربون إلى هؤلاء الأولياء زعمتم، من أصحاب القبور، هؤلاء الذين تطلقون عليهم بأنهم سادة، من أصحاب القبور، هؤلاء الذين تطلقون عليهم بأنهم وأنهم من أصحاب القبور؟ هل تتقربون إلى هؤلاء بما يحبه الله عز وجل، أم بما يبعدكم عن الله عز وجل؟ الجواب: أنهم يتقربون إليهم بأشد ما يبعدهم إلى الله عز وجل، وهو الشرك بالله. فتجد هؤلاء القبوريين يتقربون إلى أصحاب الأضرحة، إلى أصحاب القبور، يتقربون إليهم بماذا؟ بالدعاء، بالاستغاثة، بالنذر، بالذبح، بل وبالخضوع والتعظيم والإجلال والخشوع والتوكل، وخوف السر، وغير ذلك من معاني العبادة العظيمة التي لا يجوز أن تكون إلا لله عز وجل خالصة. ومع هذا تجد هؤلاء يتقربون إلى هؤلاء الأولياء زعم بهذا الأمر. فهم يتقربون إلى الله عز وجل بأشد ما يبعدهم عن الله عز وجل، يتقربون إلى الله عز وجل بالشرك بالله عز وجل. هذا أمر. أمر آخر يقال لهم أيضًا: إذن أنتم تعبدون هؤلاء لأجل أن يقربوكم هؤلاء إلى الله عز وجل، ولأجل أن يكونوا وسطاء فيما بينكم وبين الله عز وجل، وأن يكونوا شفعاء فيما بينكم وبين الله عز وجل. فالجواب: ماذا؟ لابد أن يكون: نعم، نتقرب إليهم لأجل هذا المعنى. فيقال لهم: والمشركون الأول ماذا صنعوا وماذا فعلوا؟ ما فعلوا إلا ما فعلتم تمامًا. دليلنا على هذا: قول الله عز وجل عن أولئك: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾. لماذا نعبدهم؟ هل لأننا نعتقد أن فيهم النفع والضر؟ لا. هل لأننا نعتقد أو لأنهم يعتقدون أنهم يخلقون أو يرزقون أو يملكون أو ينفعون أو يضرون؟ الجواب: لا. ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾. نفي مع إثبات. إذن أنتم هم سواء. وقال الله عز وجل: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾. ﴿ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾. فما الفرق إذن بينكم وبين أولئك؟ أنتم اتخذتم هؤلاء من أصحاب القبور وسائط فيما بينكم وبين الله عز وجل، تعبدونهم لأجل أن يقربوكم إلى الله عز وجل الزلفى، ولأجل أن يشفعوا لكم عند الله. وكذلك المشركون الأول. فأنتم سواء بسواء. قولهم في الأخير: «فكيف تحكمون علينا بالشرك؟». الجواب: ما تقدم. وقولهم: «إننا نقول... يقولون إن المشركين الأول كانوا يعبدون الأحجار والأشجار إلى غير ذلك، فكيف تشبهوننا بهم؟». فالجواب: أن المشركين... أن المشركين الأول منهم من كان يعبد الأحجار والأشجار والأصنام والأوثان كما ذكروا، ومنهم من كان يعبد الأنبياء، ومنهم من كان يعبد الملائكة، ومنهم من كان يعبد الصالحين. وكل هؤلاء جمعهم معنى الشرك بالله عز وجل، فالكل مشركون بالله عز وجل لأنهم صرفوا العبادة إلى غير الله عز وجل. فمن صرف العبادة لغير الله عز وجل، كائنًا من كان، يكون مشركًا بالله عز وجل، ولو كان ملكًا مقربًا ذلك المعبود، ولو كان نبيًا مرسلًا ذلك المعبود. من صرف العبادة لغير الله عز وجل فإنه مشرك. دليلنا على أن الأنبياء قد عُبدوا، أو من الأنبياء من عُبد: قول الله عز وجل لعيسى عليه السلام: ﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾. ﴿ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾. والإله بمعنى ماذا؟ بمعنى المعبود. قال: ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾. ففي الآية دليل على أن الأنبياء عُبدوا، وعلى أن أيضًا الصالحين والأولياء عُبدوا. فعيسى نبي، وأمه صالحة من الصالحين. وأيضًا قال الله عز وجل في حق الملائكة: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ ﴾. وضح هذا الأمر: فهم عبدوا أيضًا ماذا؟ الجن. وأيضًا مما يدل على أنهم أيضًا عبدوا الصالحين: قول الله عز وجل: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ﴾. فالكل كفره، والكل مشركون. فكل من عبد غير الله عز وجل فهو مشرك بالله عز وجل. أكتفي بما سمعتم، وأستغفر الله العظيم من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.