الخطبة بعنوان حقيقة خطر العين، وكانت بمسجد التقوى بدار الحدث بالشحر ٥ جمادى الأولى ١٤٣٥هـ ألقاها
يتناول هذا الفصل خطورة العين وتأثيرها على الأفراد والمجتمعات، معتمدًا على الأدلة من القرآن والسنة. يشرح أسباب العين وأهمها الحسد والإعجاب.
يفصل هذا الفصل أسباب العين وتأثيرها، مبينًا أنها قد تنتج عن الحسد أو الإعجاب، ويستند في ذلك إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. كما يشير إلى أن العين قد تصدر من شخص صالح دون قصد.
يتناول هذا الفصل طرق الوقاية من العين، مثل الثقة بالله والالتزام بالأذكار والأوراد الشرعية، ويحث على عدم الإفراط في الاعتقاد بتأثير العين. كما يشدد على أهمية الدعاء والتوكل على الله.
يختتم بالدعاء للتوفيق لما يحبه الله ويرضاه، ويطلب من الله أن يجعل السامعين من أهل الخير، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحابته.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. إِنَّ خَيْرَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٍ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٍ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ، عِبَادَ اللَّهِ: لَقَدْ سَبَقَ وَأَنَّ تَكَلَّمْنَا فِي خُطْبَةٍ مَضَتْ عَنْ خَطَرِ السِّحْرِ وَمَا يُؤَثِّرُ عَلَى الْعَقَائِدِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ، وَنَتَكَلَّمُ بِإِذْنِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذَا الْمَقَامِ عَلَى حَقِيقَةِ خَطَرِ الْعَيْنِ وَضَرَرِهَا وَسُبُلِ الْوِقَايَةِ مِنْهَا. عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ حَقِيقَةَ الْعَيْنِ ثَابِتَةٌ بِلَا شَكٍّ وَلَا رَيْبٍ، كَيْفَ لَا وَقَدْ شَهِدَ عَلَى ثُبُوتِهَا كِتَابُ اللَّهِ الْعَظِيمِ، وَأَخْبَرَ بِخَطَرِهَا وَحَقِيقَتِهَا نَبِيُّهُ الْكَرِيمُ، وَعَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ. وَكَيْفَ يَشُكُّ فِي الْعَيْنِ مَنْ لَهُ حِسٌّ، وَقَدْ ثَبَتَتْ بِالْحِسِّ. عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ عَنْ الْعَيْنِ وَمَا تُسَبِّبُ مِنْ أَضْرَارٍ عَلَى الْفَرْدِ، وَرُبَّمَا أَثَّرَ ذَلِكَ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ. فَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْ حَقِيقَةِ الْعَيْنِ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا عَنْ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ أَيْ يُعِينُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ حَسَدًا وَبُغْضًا وَغَيْظًا. وَمِنْ ذَلِكَمَ يَا عِبَادَ اللَّهِ مَا أَخْبَرَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِيهِ عَنْ نَبِيِّهِ يَعْقُوبَ أَنَّهُ أَمَرَ بَنِيهِ وَأَوْصَى بَنِيهِ بِوَصِيَّةٍ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا خَشْيَةَ الْعَيْنِ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهُ: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: أَمَرَ بَنِيهِ بِتِلْكَ الْأَوَامِرِ خَشْيَةَ الْعَيْنِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا ذَوِي هَيْئَةٍ وَجَمَالٍ وَبَهَاءٍ، فَخَشِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَيْنِ، فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ. وَمِنْ ذَلِكَمَ أَيْضًا مَا أَمَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهِ مِنْ الِاسْتِعَاذَةِ مِنَ الْحَسَدِ الْمُتَضَمِّنِ لِلْعَيْنِ. فَقَالَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾. وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ الْعَيْنِ كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ الْعَلَامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى تَعُودُ إِلَى سَبَبَيْنِ: الْأَوَّلُ الْحَسَدُ الَّذِي يَكُونُ فِي قَلْبِ ذَلِكَ الْحَاسِدِ عَلَى غَيْرِهِ. فَإِذَا رَأَى ذَلِكَ الْإِنْسَانُ الَّذِي قَدْ امْتَلَأَ قَلْبُهُ حَسَدًا لَهُ وَغَيْظًا، فَإِذَا رَآهُ بِعَيْنِهِ وَحَصَلَتِ الْمُعَايَنَةُ، قَالَ: إِنْ بَعَثْتُ مِنْ الْعَيْنِ أَنْفُسًا خَبِيثَةً فَأَذَتْ إِلَى الْإِصَابَةِ بِالْعَيْنِ بِسَبَبِ الْحَسَدِ. فَقَالَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾. وَالسَّبَبُ الثَّانِي: قَدْ تَكُونُ عَيْنًا بِسَبَبِ إعْجَابٍ زَائِدٍ وَتَعْظِيمٍ زَائِدٍ لِمَا عِنْدَ الْغَيْرِ أَوْ فِي الشَّيْءِ، فَيُؤْذِي ذَلِكَ إِلَى الْإِصَابَةِ بِالْعَيْنِ. وَرُبَّمَا خَطَرَتْ وَرُبَّمَا صَدَرَتْ مِنْ بَعْضِ الصَّالِحِينَ. عِبَادَ اللَّهِ، هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا. وَإِذَا نَظَرْنَا فِي سُنَّةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، لَرَأَيْنَا الْعَجَبَ الْعُجَابَ مِمَّا تَصْنَعُهُ الْعَيْنُ، وَأَنَّهَا حَقٌّ وَحَقِيقَةٌ. فَمِنْ ذَلِكَمَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ». وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقٌ لِلْقَدَرِ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، فَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا». وَلِأَجْلِ هَذِهِ الْمَعَانِي، فَإِنَّ نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَعَوَّذُ وَيَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِالتَّعَوُّذِ مِنَ الْعَيْنِ. فَمِنْ ذَلِكَمَ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَيْنِ الْإِنْسِ وَمِنْ عَيْنِ الْجَانِّ حَتَّى نَزَلَتِ الْمُعَوِّذَتَانِ، قَالَ: فَأَخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِلَى جَانِبِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْعَمَلِ بِالِاسْتِعَاذَةِ لِأَجْلِ دَفْعِ هَذِهِ الْعَيْنِ، فِيهِ فَائِدَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ الْعَيْنَ رُبَّمَا تَصْدُرُ مِنَ الْإِنْسَانِ، وَرُبَّمَا تَصْدُرُ مِنَ الشَّيْطَانِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. عِبَادَ اللَّهِ، وَرُبَّمَا أَصَابَتِ الْعَيْنُ إِنْسَانًا فَقَتَلَتْهُ، وَرُبَّمَا أَصَابَتِ الْعَيْنُ حَيَوَانًا فَكَانَ سَبَبًا فِي هَلَاكِهِ. رَوَى الْإِمَامُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، حَسَّنَهُ الْعَلَامَةُ الْأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْعَيْنُ تُورِدُ الرَّجُلَ الْقَبْرَ، وَالْجَمَلَ الْقِدْرَ». عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ الْعَيْنَ رُبَّمَا تَكُونُ صَادِرَةً مِنْ رَجُلٍ صَالِحٍ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْأَصْلِ أَنَّهَا لَا تَصْدُرُ إِلَّا عَنْ نَفْسٍ خَبِيثَةٍ، وَلَكِنَّ رُبَّمَا صَدَرَتْ مِنْ عَيْنِ رَجُلٍ صَالِحٍ فِي حَالِ غَفْلَةٍ وَفِي حَالِ إعْجَابٍ شَدِيدٍ بِالشَّيْءِ. فَمِنْ ذَلِكَمَ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَمَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّنَّهُ اغْتَسَلَ يَوْمًا فِي مَكَانٍ، فَمَرَّ بِهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَكَانَ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ مِنَ الصَّالِحِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَمِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا. قَالَ: فَمَرَّ بِهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، فَقَالَ: لَا وَلَا اللَّهِ مَا رَأَيْتُ قَطُّ جِلْدًا مِثْلَ هَذَا، وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ. أَيْ وَلَا جِلْدَ شَابَّةٍ مُخَبَّأَةٍ فِي بَيْتِهَا وَفِي سِتْرِهَا، أَعْجَبَ بِجَسَدِ سَهْلٍ لِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ الْوَضَاءَةِ وَالْجَمَالِ. قَالَ: فَمَاذَا حَصَلَ؟ قَالَ: فَمَا لَبِثَ اللَّبْثَةَ بِهِ، أَيْ صُرِعَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ بِسَبَبِ تِلْكَ الْعَيْنِ. فَأُتِيَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَدْرِكْ تَهْلًا. فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «مَنْ تَتَّهِمُونَ فِيهِ؟» قَالُوا: عَامِرٌ ابْنُ رَبِيعَةَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَهَا: «عَلَى مَا يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ عَلَى مَا يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ أَخِيهِ مَا يُعْجِبُهُ، فَلْيَدْعُ لَهُ بِالْبَرَكَةِ». ثُمَّ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا فَعَلَ، فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ أَنْ يَغْسِلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى مِرْفَقَيْهِ، وَرُكْبَتَيْهِ وَمَا دَخَلَ الْإِزَارُ، ثُمَّ أَخَذَ ذَلِكَ الْمَاءَ وَصَبَّ عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ مِنْ قَفَاهُ، فَقَامَ يَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا بِهِ مِنْ بَأْسٍ. أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ، عِبَادَ اللَّهِ: فَقَدْ سَمِعْنَا مَا سَمِعْنَا مِنْ حَقِيقَةِ الْعَيْنِ وَضَرَرِهَا، وَأَنَّ سَبَبَهَا عِنْدَ الْعَائِنِ يَعُودُ إِلَى أَمْرَيْنِ: إِلَى الْحَسَدِ أَوْ إِلَى الْإِعْجَابِ الزَّائِدِ مَعَ الْغَفْلَةِ. وَمِنَ الْأَسْبَابِ أَيْضًا فِي الْمُقَابِلِ الَّتِي تَكُونُ أَسْبَابًا فِي حُصُولِ الْعَيْنِ وَتَسَلُّطِ الْعَيْنِ عَلَى الْمَعْيُونِ: أَشْيَاءُ مِنْهَا الْمَعَاصِي وَالْبُعْدُ عَنْ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْغَفْلَةُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الْغَفْلَةُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا، مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ تَسَلُّطِ الْعَيْنِ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ غَافِلًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا. وَمِنْ أَسْبَابِهَا أَيْضًا إِظْهَارُ الْجَمَالِ وَالْمَالِ وَالْجَاهِ عِنْدَ النَّاسِ، فَيَحْصُلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَا يَحْصُلُ مِنْ الْإِعْجَابِ وَالتَّعْظِيمِ الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا فِي الْإِصَابَةِ بِالْعَيْنِ. وَإِذَا تَأَمَّلْتُمْ إِلَى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَيْفَ صَنَعَ مَعَ أَبْنَائِهِ: ﴿يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾. وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، أَنَّهُ رَأَى غُلَامًا صَغِيرًا حَسَنَ الْوَجْهِ، فَقَالَ: «حَمِّمُوا لَهُ نُوتَتَهُ»، أَيْ مَا فِي دُغْنِهِ مِنْ نُتُوءٍ، أَيْ سَوِّدُوهُ لِأَجْلِ أَنْ يَذْهَبَ شَيْءٌ مِنْ جَمَالِهِ، فَلَا يُصَابُ بِالْعَيْنِ. وَمِنْ أَسْبَابِهَا أَيْضًا عَدَمُ التَّحَرُّزِ وَالتَّحَفُّظِ وَالْوِقَايَةِ مِنَ الْعَيْنِ بِبَدَلِ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ فِي ذَلِكَ. وَمِنْ أَعْظَمِهَا: الثِّقَةُ بِاللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا. وَمِنْ أَعْظَمِهَا: الدُّعَاءُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا بِأَنْ يَحْفَظَ الْعَبْدَ وَأَنْ يَكُفِيَهُ شَرَّ الْأَشْرَارِ. وَمِنْ أَعْظَمِهَا: الْأَذْكَارُ وَالْأَوْرَادُ وَالرُّقَى، أَذْكَارُ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ، وَأَذْكَارُ النَّوْمِ، وَأَذْكَارُ دُخُولِ الْبَيْتِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَذْكَارِ وَالْأَوْرَادِ الَّتِي عَلَّمَنَا إِيَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تَقِي عَبْدَ الشُّرُورِ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا الْعَيْنُ بِإِذْنِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا. فَمَنْ ضَيَّعَهَا عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْعُيُونِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْعُيُونِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. عِبَادَ اللَّهِ، وَهَاهُنَا تَنْبِيهٌ، وَبِهِ أَخْتِمُ هَذِهِ الْخُطْبَةَ. وَهِيَ: أَنَّهُ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ وَأَنَّهُ حَقٌّ وَحَقِيقَةٌ أَنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ، وَأَنَّ ضَرَرَهَا حَقٌّ عَلَى الْبَدَنِ وَعَلَى الْعَقْلِ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَلَّا يَفْتَحَ بَابَ الْوَسْوَاسِ، كُلَّمَا أَصَابَهُ شَيْءٌ قَالَ: هَذِهِ عَيْنٌ. كُلَّمَا حَصَلَ لَهُ أَمْرٌ قَالَ: هَذِهِ عَيْنٌ. بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ وَسَطًا فِي الْأُمُورِ، لَا إِفْرَاطَ وَلَا تَفْرِيطَ. يَعْمَلُ بِالْأَسْبَابِ، وَيَبْذُلُ الْأَسْبَابَ. وَمَا أَصَابَهُ مِنْ أَمْرٍ فَلْيَنْظُرْ إِلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ بِمَنْظَارٍ صَحِيحٍ مُوَافِقٍ لِلْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ وَالْعَقِيدَةِ السَّلِيمَةِ وَالْوَاقِعِ. أَسْأَلُ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ أَنْ يُوَفِّقَ الْجَمِيعَ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى، وَأَنْ يَجْعَلَنَا وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ أَجْمَعِينَ.