أسباب العقوبات وسبل الوقاية منها

الدرس في أسباب العقوبات وسبل الوقاية منها، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 23 رجب 1432هـ . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أسباب الفساد ونتائجه في الأرض

يتناول هذا الفصل أسباب الفساد في الأرض كما ورد في القرآن الكريم، حيث يُبيِّن أن الفساد يحدث بسبب أفعال الناس ومعاصيهم. يشرح كيف تؤدي هذه الأفعال إلى عواقب وخيمة مثل انتشار الأمراض والجوع والظلم.

عواقب مخالفة شرع الله وتأثيرها على المسلمين

يتناول هذا الفصل أسباب حلول العقوبات على المسلمين، مثل انتشار الفاحشة وتطفيف الميزان ومنع الزكاة ونقض عهد الله ورسوله. يشرح كيف تؤدي هذه الأفعال إلى عواقب وخيمة مثل القحط وجور السلطان وتسلط الأعداء.

أهمية العودة إلى الله ودينه

يتناول هذا الفصل أهمية تحكيم شرع الله وعدم الرجوع إلى غيره، ويبين أن العودة إلى الله ودينه هي السبيل للنجاح والفلاح. يشير إلى فضل الاستغفار وجزاء من يرجو وقار الله كما جاء في دعوة نبي الله نوح عليه السلام.

التفريغ النصي الكامل

إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. إِنَّ خَيْرَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، أَعَاذَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ النَّارِ. ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ، يَقُولُ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. تَأَمَّلْ أَيُّهَا الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ إلَى هَذِهِ الْآيَةِ، كَيْفَ يُخْبِرُ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا فِيهَا بِأَنَّ الْفَسَادَ قَدْ ظَهَرَ فِي الْبَرِّ وَكَذَا قَدْ ظَهَرَ فِي الْبَحْرِ فَسَادٌ عَرِيضٌ يَلْتَمِسُهُ كُلُّ مَنْ آتَاهُ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا عَقْلًا يَفْقَهُ فِيهِ وَقَلْبًا يَعِي فِيهِ أَوَامِرَ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا وَنَوَاهِيَهُ. ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ، إذَنْ الْفَسَادُ الظَّاهِرُ إنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ أَيْدِي النَّاسِ، بِسَبَبِ أَعْمَالِ النَّاسِ، بِسَبَبِ الْمَعَاصِي وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ. وَلِمَاذَا هَذَا الْفَسَادُ ظَاهِرٌ؟ قَالَ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾، وَهَذَا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا أَنَّهُ يُذِيقُ الْعِبَادَ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا، ثُمَّ قَالَ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. أَيُّهَا النَّاسُ، نَقِفُ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَعَ حَدِيثٍ مِنْ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يُبَيِّنُ لَنَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ الْأُمُورِ الَّتِي يَقْتَرِفُهَا بَعْضُ النَّاسِ فَتَكُونُ سَبَبًا لِعُقُوبَةِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، وَتَكُونُ سَبَبًا لِلْفَسَادِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ. رَوَى الْإِمَامُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، خَمْسٌ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: مَا ظَهَرَتْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إلَّا سُلِّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الْطَّاعُونَ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمُؤْنَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَمَا مَنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إلَّا سُلِّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَيَأْخُذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ». تَأَمَّلْ أَيُّهَا الْعَبْدُ إلَى هَذِهِ الْخَمْسِ، وَانْظُرْ إلَى وَاقِعِنَا الْيَوْمَ كَيْفَ أَنَّ النَّاسَ يُعَانُونَ مُعَانَاةً مِنْ أَلِيمِ هَذِهِ الْأُمُورِ. ظَهَرَتْ الْفَاحِشَةُ، ظَهَرَ الزِّنَا وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ، وَظَهَرَ اللَّوَاطُ، وَظَهَرَتْ كَذَلِكَ الْعُقُوبَاتُ، ظَهَرَ الطَّاعُونُ وَظَهَرَ مِنْ الْأَمْرَاضِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً فِيمَا مَضَى فِي مَنْ مَضَى مِنْ أَسْلَافِنَا. وَكَذَلِكَ تَطْفِيفُ الْمِيزَانِ وَالْمِكْيَالِ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الْعُقُوبَاتِ، وَكَمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَتَسَاهَلُ فِي هَذَا الْأَمْرِ لِأَجْلِ حَفْنَةٍ يَسِيرَةٍ مِنْ الْمَالِ يُطَفِّفُ الْمِيزَانَ وَلَا يَعْدِلُ فِي الْمِكْيَالِ. أَمَا سَمِعَ هَؤُلَاءِ إلَى قَوْلِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوا لَهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؟ تَأَمَّلْ أَيُّهَا الْمُطَفِّفُ لِلْمِيزَانِ كَيْفَ حَالُكَ إذَا وَقَفْتَ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَأَنْتَ ظَالِمٌ جَائِرٌ؟ وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ، أَيْ بِالْقَحْطِ، وَشِدَّةِ الْمُؤْنَةِ، أَيْ قِلَّةِ الْمُؤْنَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ. كَمْ مِنْ النَّاسِ مَنْ يُعَانِي الْيَوْمَ مِنْ شِدَّةِ الْمُؤْنَةِ، وَمَنْ يُعَانِي الْيَوْمَ مِنْ الْقَحْطِ، وَمَنْ يُعَانِي الْيَوْمَ مِنْ جَوْرِ السُّلْطَانِ؟ وَمَا رَاجَعَ نَفْسَهُ وَنَظَرَ فِي حَالِهِ وَفِي حَالِ مُجْتَمَعِهِ، مَا هُوَ السَّبَبُ الَّذِي جَعَلَ هَذِهِ الْأُمُورَ تَكُونُ فِي هَذِهِ الْمُجْتَمَعَاتِ؟ هَذَا سَبَبٌ مِنْ الْأَسْبَابِ. قَالَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا مَنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا»، أَيْ لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا جَعَلَ هَذَا الْمَطَرَ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ الْمِسْكِينَةِ لَمْ نُمْطَرْ بِسَبَبِ هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ، بِسَبَبِ مَنْعِ الزَّكَاةِ، بِسَبَبِ مَنْعِ مَالِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، بِسَبَبِ كَنْزِ الْأَمْوَالِ وَعَدَمِ إنْفَاقِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. قَالَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إلَّا سُلِّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَيَأْخُذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ». انْظُرُوا إلَى حَالِنَا الْيَوْمَ، كَيْفَ تَسَلَّطَ عَلَيْنَا الْأَعْدَاءُ؟ بِمَاذَا تَسَلَّطَ عَلَيْنَا الْأَعْدَاءُ؟ بِسَبَبِ أَنْفُسِنَا، بِسَبَبِ ذُنُوبِنَا، بِسَبَبِ مَا اقْتَرَفْنَاهُ مِنْ الْمَعَاصِي وَالْآثَامِ. تَأَمَّلُوا إلَى حَالِ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ، يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلِذَا سُلِّطَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا عَلَيْهِمْ الْأَعْدَاءَ فَأَخَذُوا مَا أَخَذُوا مِنْ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، وَمَا ذَاكَ إلَّا بِذُنُوبِهِمْ، بِذُنُوبِ الْمُسْلِمِينَ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ. قَالَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ». تَأَمَّلُوا إلَى حَالِ مُجْتَمَعَاتِنَا الْيَوْمَ، تَأَمَّلُوا إلَى حَالِ الْمُجْتَمَعِ الْيَوْمَ كَيْفَ حَالُهُ؟ سُلِّطَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا بَأْسَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، هَا هُنَا يَتَقَاتَلُونَ وَهُنَاكَ يَتَقَاتَلُونَ وَهُنَاكَ يَتَنَاحَرُونَ، سُبْحَانَ اللَّهِ، هَذَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ، مَا هُوَ السَّبَبُ؟ السَّبَبُ أَنَّ حُكَّامَهُمْ وَأُمَرَاؤَهُمْ لَمْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، لَمْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، بَلْ وَكَذَلِكَ الْمَحْكُومُونَ لَا يَحْكُمُونَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ. فَكَمْ نَسْمَعُ الْيَوْمَ مِنْ هَتَافَاتٍ فِي الشَّوَارِعِ يُنَادُونَ بِالدِّيمُقْرَاطِيَّةِ، أَيْ لَا يُنَادُونَ بِحُكْمِ اللَّهِ، وَالدِّيمُقْرَاطِيَّةُ مَعْنَاهَا أَنْ يَحْكُمَ النَّاسُ بِمَا شَاءُوا إذَا كَانَتْ لِلْأَكْثَرِيَةِ وَلَوْ كَانَ مُخَالِفًا لِحُكْمِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. أَيْنَ هَؤُلَاءِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾؟ أَيْنَ هَؤُلَاءِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وَفِي آيَةٍ ثَالِثَةٍ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؟ يَتَحَاكَمُونَ إلَى غَيْرِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا إلَى الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُنَادِي بِأَمْرِيكَا أَوْ بِبِرِيطَانِيَا لِأَجْلِ أَنْ تَحْكُمَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، أَيْنَ الْحُكْمُ لِلَّهِ جَلّ وَعَلَا؟ أَيْنَ الْخَيْرُ مِنْ هَؤُلَاءِ؟ كَيْفَ يُرِيدُونَ الْخَيْرَ وَهُمْ يَطْلُبُونَ الشَّرَّ؟ أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَيْهِ بِتَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَعْوَانِهِ. ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ، قَدْ سَمِعْنَا مَا سَمِعْنَا مِنْ آثَارِ الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ عَلَى الْمُجْتَمَعَاتِ، فَيَنْبَغِي إذَا لَنَا جَمِيعًا أَنْ نَعْرِفَ أَسْبَابَ الْفَسَادِ وَأَسْبَابَ الْفِتَنِ وَنُسَارِعَ فِي إغْلَاقِهَا، وَنُسَارِعَ إلَى مَعْرِفَةِ النَّجَاحِ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ. قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: إذَا كَانَ هَذَا الْأَمْرُ فِي أُنَاسٍ فَإِنَّ فِي الْمُجْتَمَعِ مَنْ هُوَ صَالِحٌ وَمِنْ هُوَ خَيْرٌ وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ، فَكَيْفَ يَعُمُّ الْبَلَاءُ عَلَى الصَّالِحِ وَالطَّالِحِ؟ وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ وَالْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ زَوْجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً فَقَالَ: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذَا - وَحَلَّقَ بَيْنَ أُصْبُعِهِ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا -» فَقَالَتْ زَيْنَبُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ، إذَا كَثُرَ الْخَبَثُ». فَعَلَيْنَا يَا عِبَادَ اللَّهِ عَلَيْنَا جَمِيعًا أَنْ نَرْجِعَ إلَى اللَّهِ، وَأَنْ نَرْجِعَ إلَى دِينِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا الَّذِي فِيهِ الْعِصْمَةُ وَفِيهِ النَّجَاحُ وَفِيهِ الْفَلَاحُ. كَمَا قَالَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إلَى دِينِكُمْ». فَرَاجِعُوا دِينَكُمْ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، وَانْظُرُوا فِي مَعَالِمِ دِينِكُمْ، وَانْظُرُوا فِي شَرَائِعِ دِينِكُمْ، فَإِنَّ الْخَيْرَ كُلَّ الْخَيْرِ فِي دِينِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، فِي الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ جَلّ وَعَلَا. ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾. نَعَمْ، عِبَادَ اللَّهِ، عَلَيْنَا أَنْ نَتُوبَ إلَى اللَّهِ إنْ أَرَدْنَا الْخَيْرَ وَالسَّعَادَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا عَنْ نَبِيِّهِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا * مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾. أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا لِي وَلَكُمْ أَنْ يَجْعَلَنَا وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.