الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 82، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
جاء بديل بن ورقاء الخزاعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية مخبراً بتجمع قريش وعزمهم على القتال ومنع الدخول إلى البيت. رد النبي بأنه جاء للعمرة لا للقتال، وعرض الصلح والموادعة مراعاةً لحال قريش المنهكين بالحرب.
يوضح المقطع موقف النبي صلى الله عليه وسلم في عرض الصلح على قريش وإخلاء سبيله للدعوة، مؤكداً عزمه على القتال حتى النصر أو الشهادة. كما يروي حوار بديل مع قريش، ونصح عروة بن مسعود لهم، ولقائه بالنبي ومحاولة مس لحيته فمنعه المغيرة بن شعبة.
يستعرض المقطع حوار عروة بن مسعود مع النبي صلى الله عليه وسلم حيث حذر من قتال القوم وتوقع فرار الصحابة، فثار غضب أبي بكر الصديق وسب عروة دفاعاً عن النبي وأصحابه. أكد أبو بكر ثبات الصحابة واستعدادهم للتضحية، مبيناً أن مودة الإسلام أقوى من مودة القرابة.
يبين المقطع جواز النطق بالألفاظ المستبشعة زجراً للمستحق، ويفسر قسم عروة بـ"والذي نفسي بيده" دلالة على توحيد الربوبية. ويذكر سبب امتناع عروة عن رد أبي بكر وهو يد سابقة له بأداء الدية، فحفظ عروة المعروف ولم يجبه.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فما زلنا في ما ذكره شيخنا الوادعي رحمه الله في حديث صلح الحديبية، ووقفنا عند قوله في الحديث: «فوالله ما زال يجيش لهم بالريح حتى صدروا عنه». أي أن النبي عليه الصلاة والسلام علم أنه لا مجال لغزو مكة لأن ناقته القصواء امتنعت من الاستمرار والدخول، فخلأت حتى قال الناس: خلأت القصواء. وقال عليه الصلاة والسلام: «ما خلأت القصواء، وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل». أي حبسها الله عز وجل، فدل ذلك على أنه لا مجال لدخول مكة. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها». فانتظر النبي عليه الصلاة والسلام الصلح مع قريش، فجلس في مكانه في هذا الموضع من الحديبية على ثمد قليل، يعني على ماء قليل. وقدم معنا كيف أن هذا الماء تكاثر ببركة وضع سهم النبي عليه الصلاة والسلام فيه. وقفنا عند هذا، ثم نقرأ من هذا الحديث في هذه الليلة ما يتيسر؛ لأن الحديث طويل، فنجزئه أجزاء. قال في الحديث: «بينا هم كذلك جالسون في هذا الموضع منتظرين الفرج والصلح، قال: بينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة. فقال: إني تركت كعب بن لؤي، وإني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي، نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لم نأتِ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا مادتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر... أو فإن أظهر... فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جَمُّوا. وإنهم أبوا، فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولا ينقذن الله أمره». فقال بديل: «سأبلغهم ما تقول». فانطلق حتى أتى قريشاً، قال: «إنا قد جئناكم من هذا الرجل، وسمعناه يقول قولاً، فإن شئتم عرضناه عليكم فعلنا». فقال سفهاؤهم: «لا حاجة بنا أن تخبرنا عنه بشيء». وقال ذو الرأي منهم: «هات ما سمعته». قال: «سمعته يقول كذا وكذا». فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. طيب، نأخذ مفردات ومعاني هذا الجزء الذي قُرئ. بديل بن ورقاء: صحابي مشهور، وهو من خزاعة كما جاء في الحديث، وخزاعة كانوا موالين لقريش. فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام بدعوته، بقوا على هذا الولاء، فكانوا يناصرون النبي عليه الصلاة والسلام ويقفون معه، وإن كانوا كفاراً، ومنهم من أسلم. فجاء بديل بن ورقاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا موالين لقريش من الطرفين، ولكن كانوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام أقرب. ولذلك قال: «وهم عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة». ومعنى «عيبة نصح»: العيبة ما توضع فيه الثياب، مثل الشنطة؛ نحن اليوم نقول: هذه تسمى عيبة، من أجل أن تحفظ هذه الثياب. والمعنى: أي أن هذه القبيلة من خزاعة موضع نصح للنبي عليه الصلاة والسلام، والأمانة على سره، والأمانة على سر رسول الله صلى الله عليه وعلا له وسلم. فكأنه شبه الصدر الذي هو مستودع السر والأمانة بالعيبة التي هي مستودع الثياب. فمعنى هذا: أن خزاعة كانوا يحفظون سر رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهذا معنى قوله: «وهم عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أهل تهامة». وتهامة: بكسر التاء، هي مكة وما حولها، يقال لها تهامة. وأصلها من التهم، وهو شدة الحر وركود الريح. قال: «فإني...» يعني هذا بديل بن ورقاء يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: «إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي». وذكر هذين الرجلين، واقتصر عليهما لكون قريش الذين كانوا بمكة كلهم ترجع أنسابهم إليهما. ترجع أنساب من في مكة إلى هذين الرجلين: كعب بن لؤي وعامر بن لؤي. فيريد أن أهل مكة كلهم نزلوا أعداد مياه الحديبية. ومعنى «نزلوا أعداد مياه الحديبية»: «أعداد» جمع «عد» أو جمع «عد» بكسر العين، وهو الماء الذي لا قطاع له، بمعنى أنهم نزلوا مياه ومواضع كثيرة لا قطاع لها. وأراد بهذا بديل أن يشعر النبي عليه الصلاة والسلام بأنه كان في الحديبية مياه كثيرة، وأن قريشاً سبقوا إلى هذه المياه، سبقوا إليها. ويريد أن قريشاً يعني لا تخاف من قلة الماء، ولا من العطش الذي أصاب الصحابة، كما تقدم أنهم نزلوا على ثمد، والثمد: غنى الماء القليل، والماء القليل. وأما قريش فقد نزلوا على مياه كثيرة من مياه الحديبية، فهم في رغد من العيش بوجود الماء ونحو ذلك. هكذا يريد بديل بقوله هذا. وأما قوله: «ومعهم العوذ المطافيل»، ما معنى العوذ المطافيل؟ العوذ: بضم العين، جمع «عائد»، وهي الناقة ذات اللبن التي تحلب، وفيها من اللبن، يقال لها: عوذ. فقوله هنا: «ومعهم العوذ» يعني معهم الإبل التي فيها اللبن، بمعنى أن عندهم من المياه الكثيرة، ومن الألبان الوفيرة، والأعداد الكثيرة، وقد استعدوا لاستئصال أو لقتال النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه. وأما قوله: «المطافيل»: فهي الأمهات التي معها أطفالها، يقال لها: المطافيل. فيريد أنهم خرجوا معهم بذوات الألبان من الإبل لتزودوا بألبانها، ولا يرجعوا حتى يمنعوه. وبعض أهل العلم من شراح هذا الحديث قال: يريد بـ «المطافيل» أي النساء معهن أطفالهن. والمقاتل إذا معه أهله ونساؤه، فإنه يقاتل ولا يولي الأدبار. فكانت العرب إذا أرادت من المقاتلين ألا يفروا، أخرجت معهم نساءهم حتى يقاتلوا عن أعراضهم وأطفالهم ونسائهم. فقول هنا: «المطافيل» أيضاً يحتمل أنه النساء التي معهن أطفالهن. ثم قال: «وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت». يعني قال: إنهم يقاتلونك، وقد استعدوا لذلك، وسيمنعونك من دخول البيت، أي دخول مكة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنا لم نأتِ لقتال أحد». نحن ما سنقاتلهم، ما جئنا من أجل القتال، ولكن جئنا معتمرين فقط، من أجل أن نعتمر في بيت الله الحرام، ثم نرجع، ولا نمس أحداً بشيء. وقال: «وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم». ومعنى «نهكتهم»: أي أبلغت فيهم حتى أضعفتهم، إما أنها أضعفت قوتهم أو أضعفت أموالهم. فكان قبل الحديبية غزوة بدر، وهكذا غزوة أحد، وهكذا غزوة الخندق، وكل هذه الغزوات أذاق المسلمون المشركين، وقتلوا منهم وأسروا منهم العدد الكثير. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: قريش قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، وأضرت بهم هذه الحرب. «فإن شاءوا مادتهم مدة»: يعني إن شاءوا جعلت بيني وبينهم مدة، يترك الحرب بيننا وبينهم فيها، يعني بالصلح. واجعل فترة فيها من عدم الاقتتال بين الطرفين. «ويخلوا بيني وبين الناس»: يعني من كفار العرب وغيرهم، يتركوني أقاتل... أقاتل غيرهم، أقاتل غيرهم من الكفار غير قريش، من قبائل العرب التي تحاربنا وتعادي النبي عليه الصلاة والسلام، أو كذلك من الفرس والروم وبقية الكفار غير قريش. فقول عليه الصلاة والسلام: «ويخلوا بيني وبين الناس» يعني من كفار العرب وغيرهم. ثم قال: «فإن أظهر»: يعني انتصرت على هؤلاء من الكفار، كفيتم المؤنة، كفيتهم ماذا؟ المؤنة. «فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا». إن شاءوا أن يسلموا ويدخلوا في دين الإسلام فعلوا. «وإلا فقد جَمُّوا»: وما معنى «وإلا فقد جَمُّوا»؟ يعني إن لم يدخلوا في الإسلام، فلا يضرهم ذلك، بل ينفعهم، وهو ماذا؟ أنهم يتقوون. «جَمُّوا» يعني تقووا، وكذلك جمعوا، وأعادوا قوتهم، وأعادوا قوتهم. هذا هو المراد. يعني النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أظهر على غيرهم فقد كفيتهم المؤنة، فقد كفيتهم المؤنة. فإن شاء هؤلاء قريش أن يدخلوا في الإسلام الذي دخل فيه هؤلاء الذين انتصرت عليهم، فعلوا، فحيّاهم الله، وأهلاً وسهلاً بهم في هذا الدين العظيم. وإن أبوا الدخول في الإسلام، فإن هذه المدة تكون سبباً في قوتهم، وجمع كذلك ما فقد منهم ونحو ذلك. هذا هو المراد. ولهذا قال: «وإنهم أبوا»: يعني لا يريدون أن يدخلوا في الإسلام، ولا يريدون الصلح، ولا يريدون المعاهدة. قال: «فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي». قد يقول قائل: كيف يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «فإن أظهر، فإن شاء أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا»؟ أليس هذا تردداً من النبي عليه الصلاة والسلام في نصر الله له؟ فيقال: لا، ليس هذا تردداً، بل هو جازم بنصر الله عز وجل، وإنما قال ذلك على سبيل التنزل مع الخصم، قال ذلك على سبيل التنزل مع الخصم، وفرض الأمر على ما زعم الخصم أنه قد يغلب عليه الصلاة والسلام، وإلا فهو موقن بنصر الله سبحانه وتعالى. وأما قوله: «فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي». ومعنى «تنفرد سالفتي»: السالفة هي صفحة العنق. السالفة هي صفحة العنق، وكنّى بذلك عن القتل، وكنّى بذلك عن ماذا؟ عن القتل. لأن القتيل تنفرد مقدمة عنقه. هذا قول واحتمال. ويحتمل أن المراد: لا أقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، يعني حتى لو أقاتل وحدي منفرداً، حتى لو أقاتل وحدي منفرداً، فإنني لا أترك القتال، لا أترك قتالهم. هذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام. فيحتمل الأول، ويحتمل الثاني. وأما قوله: «ولينفذن الله أمره» يعني «ولينضين الله أمره». وهذا فيه توكله عليه الصلاة والسلام على ربه، ويقينه وثقته بالله عز وجل، وأن الأمر كله لله سبحانه وتعالى. هذا ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام لبديل: «أنا ما جئت من أجل القتال، وإنما جئت من أجل أن أعتمر، وأنصرف. فإما أن يخلوا بيني وبين ذلك وأرجع، فإن أظهر، فإن شاء أن يدخلوا في الإسلام، وإن لا، فإن هذه المدة وهذا الصلح يكون سبباً في قوتهم. وإن أبوا لا الصلح ولا يعني الإخلاء بيني وبين البيت، فإنني سأقاتلهم، فإنني سأقاتلهم، ولو تنفرد سالفتي». هذا معنى كلامه عليه الصلاة والسلام. فقال بديل: «سأبلغهم ما تقول». سأذهب إلى قريش وأخبرهم بما قلت لي. قال: «فانطلق». ذهب بديل حتى أتى قريشاً، جاء إلى شرفائهم وكبرائهم وقادتهم، فقال: «إنا قد جئناكم من هذا الرجل». وهذا من ذكائه، كأنه ليس من عيبة نصح النبي عليه الصلاة والسلام، جاء بهذا الأسلوب: «إنا قد جئناكم من هذا الرجل»، يعني من... الرسول عليه الصلاة والسلام. «وسمعنا يقول قولاً»، سمعنا قوله وما يريد. ثم قال: «فإن شئتم عرضناه عليكم فعلنا». إن شئتم أن تخبركم ما قال لنا هذا الرجل، قلنا لكم، فعلنا ذلك. قال: «طيب». قال: «فإن شئتم عرضناه عليكم فعلنا». فقال سفهاؤهم: «لا حاجة بنا أن تخبرنا عنه بشيء». سفهاؤهم: يعني من لا عقل له ولا رأي. سفيه. فقال: «اتركنا من هذا الرجل، نحن سنقاتله، سنقاتله، لا حاجة لنا بكلامه، وبما تخبرنا... تخبرنا عنه». وقال ذو الرأي منهم: «هات ما سمعته». يعني: اذكر لنا ما سمعته منه. قال: «سمعته يقول كذا وكذا». فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. طيب. جاء في الحديث: «فقال عروة بن مسعود: يا قومي، ألستم بالوَلَد؟» قالوا: «بلى». في بعض النسخ: «ألستم بالوالد؟» صح. أنتم عندكم بالولد أو بالوالد؟ بالولد. أه، ماذا في الحاشية؟ في بعض النسخ: بالوالد. صح. جاء بالروايتين، وسيأتي بيانه إن شاء الله. جاء بالروايتين. قال: «فقام فقال عروة بن مسعود». يعني كان جالساً عند قريش، لما أخبرهم بديل بما قال النبي عليه صلى الله عليه وسلم، فقال عروة بن مسعود: «يا قومي، ألستم بالوَلَد؟» قالوا: هنا عندي كذا: «لأبي ذر ولغيره بالعكس: ألستم بالوالد؟» و«ألستم بالوَلَد؟» وهو الصواب، وهو الذي في رواية أحمد بن إسحاق وغيره. ما انتهى من فتح الباري باختصار. إذا الصواب يقال: «يا قوم، ألستم بالوالد؟» قالوا: «بلى». قال: «أولست بالوَلَد؟» قالوا: «بلى». قال: «فهل تتهموني؟» قالوا: «لا». قال: «ألستم تعلمون أني استنفرت إلى عَكَة، فلما بَلَحُوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟» قالوا: «بلى». قال: «فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد، فاقبلوها، ودعوني آتيه». قالوا: «ائته». فأتاه. فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحواً من قوله لبديل». فقال عروة: «عن ذلك». أي: محمد، أرأيت إن استأصلت... إن طيب، استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فإني والله لا أرى وجوهاً، وإني لأرى أشواباً من الناس خليقين أن يفروا ويدعوك. فقال له أبو بكر رضي الله عنه: «فقال له أبو بكر رضي الله تعال عنه: امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟» فقال: «من ذا؟» قال: «أبو بكر». قال: «أما والذي نفسي بيده، لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك». قال: «وجعل يكلم النبي عليه الصلاة والسلام، فكلما تكلم كلمة أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي عليه الصلاة والسلام، ومعه السيف، وعليه المغفر. فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم، ضرب يده بنعل السيف، وقال له: أخّر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم». فرفع عروة رأسه، فقال: «من هذا؟» قال: «المغيرة بن شعبة». فقال: «أي...» فقال: «أي غدر، ألست... ألست أسعى في غدرتك؟» وكان المغيرة صحب قوماً في الجاهلية، فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما الإسلام فاقبل، وأما المال فلست منه في شيء». ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه. ونكتفي بهذا الآن حتى نأتي إلى تفكيك معاني وذكر ألفاظ ما قُرئ من هذا الحديث. قال عروة بن مسعود لقريش، وهو جالس معهم، لما جاءهم بديل: «يا قومي». يعني: يا قوم. «أي» هنا أداة نداء، وهي تفيد النداء القريب، تؤتى لنداء القريب. فقال: «يا قومي، ألستم بالوالد؟» قال شراح: لكون أمه منهم. أم عروة بن مسعود من قريش، فهم آباؤهم؛ لأنهم آباء أمها، وآباء الأمهات كذلك آباء للأبناء عند العرب. هكذا من باب التقدير، ومن باب كذلك مكانة الأخوال. فيقال: في من هو منهم بولد لهم، وهو والد، وهم آباء. فقال عروة بن مسعود: «ألستم بالوالد؟» لأنكم آباء أمي. قالوا: «بلى». يعني: نعم، أنت ولد لنا. قال: «أولست بالوَلَد؟» يعني: من امرأة منكم. قالوا: «بلى». قالوا: «بلى». يعني: نعم. قال: «ألا...» قال: «فهل تتهموني؟» هل تتهموني في شيء، أنني خائن، أو أنني كذاب، أو أنني يعني ماكر، أو نحو ذلك؟ قالوا: «لا». قال: «ألستم تعلمون؟» ذكرهم بعمل له فضل عليهم فيه. فقال: «ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عَكَة؟» أي: دعوتهم إلى نصركم، دعوتهم إلى نصركم. «فلما بَلَحُوا»: أي امتنعوا. «بَلَحُوا» بفتح الباء وتشديد اللام، أي: امتنعوا من نصرتكم. «جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني»: يعني أنه لم يخذلهم. فلما امتنع أهل العَكَة، ما كان منه إلا أن جمع لهم أهله وولده ومن أطاعه من قومه، ومن أطاعه من قومه، فكان ناصرا لهم. قالوا: «بلى». ما جحدوا هذا الأمر الذي صدر منه. فقال لهم: «فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد». أي: خصلة خير وإصلاح وإنصاف. «خطة رشد»: أي خطة خير وإصلاح، أي خصلة فيها خير، وفيها إصلاح، وفيها إنصاف. فهو يدعوهم إلى مصالحة النبي عليه الصلاة والسلام، يدعوهم إلى مصالحة رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال: «فاقبلوها، ودعوني آتيه». يعني: اقبلوا منه هذه الخطة، اقبلوا منه هذه الخطة، واصطلحوا معه، وأنا سأذهب إليه. فقالوا: «ائته». اذهب إليه. قال: «فأتاه». أي: أتى النبي عليه الصلاة والسلام. فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحواً من قوله لبديل». يعني: مثل ما قال لبديل، أو لبديل عفواً بضم الباء: لبديل. «بديل» ضبطه بضم الباء: بديل. فقال عروة: «عن ذلك». أي: محمد. ومعنى «عن ذلك»: يريد قوله عليه الصلاة والسلام في آخر ما قال، في آخر ما قال لبديل: «فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم، والذي نفسي بيدي لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي». فلما سمع عروة بن مسعود هذا من النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «أي محمد». يعني: يا محمد. «أرأيت إن استأصلت أمر قومك؟» يعني: قاتلت قومك قريشاً واستأصلتهم، يعني أنهيت أمرهم ودولتهم وقوتهم، فأصبحوا أذلة. «هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟» كيف يعني: تجتاحهم، وهم يعني أهلك، وهم أهلك؟ فهل سمعت أحداً من العرب... فعلى ذلك. «وإن تكن الأخرى»: يعني أن قريشاً هي التي تغلبك، هي التي تغلبك، وهي التي تستأصلك، وهي التي تستأصلك. قال: «وإن تكن الأخرى». وهذا من تأدبه مع النبي عليه الصلاة والسلام، ما صرح بها، وإنما قال: «وإن تكن الأخرى»، ومفهومه المراد بالأخرى هنا: غلبت قريش على النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه. قال: «وإن تكن الأخرى، فإني والله لا أرى وجوهاً». يعني: ليس معك رجال من سيقف بجانبك من هؤلاء الذين حولك. لا أرى رجالاً، لا أرى وجوهاً. «وإني لأرى أشواباً من الناس». ومعنى «أشواب»: يعني أخلاط من أنواع شتى، ليس كلهم من عشيرتك ومن قبيلتك، وإنما فيهم من الأنصار، وفيهم من الموالي، وفيهم... فكأنه يقول له: هؤلاء سيذهبون ويتركونك. بل صرح بهذا، وقال: «خليقين أن يفروا ويدعوك». ومعنى «خليقين»: يعني حقيقين أن يفروا ويدعوك، يعني يتركونك وحدك. هكذا يقول للنبي عليه الصلاة والسلام، والصحابة يستمعون إلى ذلك. قال: «لو... لو غلبك قريش، هل هؤلاء سيدافعون عنك؟ هل هؤلاء سيقفون بجانبك؟ هؤلاء أشواب من الناس، أخلاط من الناس، ليسوا على يعني نسب واحد، وعلى قبيلة واحدة، وليسوا من قومك جميعاً، فخليقين أن يتركوك، وتكون وحدك، تكون وحدك». والصحابة يسمعون إلى ذلك. فقال له أبو بكر رضي الله عنه: قال: «قال له عروة بن مسعود: قال له: امصص بظر اللات». «امصص» ضبطت بفتح الصاد: «امصص»، فعل أمر من المص، من مص يمص. قال له: «امصص بظر اللات». واللات: طاغية عروة، ومعروف: اللات اسم أحد الأصنام التي كانت قريش تعبدها، قد ذكرها الله عز وجل في سورة النجم: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾. فأبو بكر سب عروة سباً شنيعاً، فقال له: «امصص بظر اللات». والبظر معروفة: هي قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة، هذا يقال لها البظر. فأبو بكر قال له: اذهب إلى هذا الذي تعبده، وامصص بظره. نعم، لأنه ماذا قال عن الصحابة؟ أنهم ما سيدافعون عن النبي، وسيتركونه وحدهم. فغضب أبو بكر وقال هذا الكلام. وفي قوله: قول عروة: «خليقين أن يفرّوا ويدعوك»، ذكر بعض الشراح أن العادة جرت أن الجيوش المجمعة التي ليست من قبيلة واحدة لا يؤمن عليها الفرار، بخلاف من كان من قبيلة واحدة، فإنهم يأنفون الفرار في العادة. لكن ما درى عروة لكفره أن مودة الإسلام أعظم من مودة القرابة. مودة الإسلام أعظم من مودة القرابة. وأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم سيدافعون وسيقاتلون دون رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذا ما فعلوه في غزوة أحد، كيف أن من الصحابة من كان كالمعصم حول رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولم يتركوه وحده عليه الصلاة والسلام. فمودة الإسلام أعظم من مودة القرابة. وإنما هذا في عرف أهل الجاهلية، أهل الكفر، أن الجيوش المجمعة التي ليست هي من قبيلة واحدة، الغالب فيها الفرار وعدم الثبات عند القتال، وعدم الثبات عند القتال. فلذلك قال له أبو بكر: «امصص بظر اللات». وكان عادة العرب الشتم بذلك، الشتم بذلك بهذا اللفظ. وهذا إذا أراد شتم الرجل، يشتمونه بأمه، يشتمونه بأمه. فأراد أبو بكر المبالغة في سب عروة، فأقام اللات التي يعبدها مقام أمه، مقام أمه، فسبه بهذا الشيء الذي قد اعتادته العرب، قد اعتادته العرب. ومثل هذا وقريب منه قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من تعزى بتعزية الجاهلية فأعضوه بهن أبيه، ولا تكنوا». يعني: ذموه وسبوه بهن أبيه. والهن معروف: هو يعني سوءة الرجل. قال: «فقال له أبو بكر: امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟» كيف تقول هذا الكلام؟ نحن نفر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وندعه وحده. فقال: أي: عروة، «من ذا؟» من هذا الذي سبني وقال هذا الكلام؟ فقالوا: «هذا أبو بكر». قالوا: «أبو بكر». قال: «وفي قول عمر...» وفي قول أبي بكر: «امصص بظر اللات». قال الحافظ فيه: «جواز النطق بما يستبشع من الألفاظ لإرادة زجر من بدا منه ما يستحق به ذلك». يعني: عروة يستحق مثل هذا اللفظ، لأنه أتى بكلام يعني كبير، وكلام أغضب الصحابة، فجوز العلماء النطق بما يستبشع من الألفاظ، لكن لغرض صحيح، وهو زجر من صدر منه فعل شنيع يستحق به ذلك اللفظ أو تلك السبة. قال: «أما والذي نفسي بيده». يعني: يقول عروة بن مسعود: «أما والذي نفسي بيده». وفي هذا دليل على أن القسم بذلك كان من عادة العرب، كانت من عادة العرب يقسمون بهذا اللفظ: «والذي نفسي بيده»، «والذي نفسي بيده». فهم يؤمنون بتوحيد الربوبية، فيعتقدون أن الموت وقبض النفس إنما هو من الله، فهو الخالق، وهو الذي يقبض ما خلق سبحانه وتعالى. فلذلك أقسم بهذا القسم، وهو كافر. قال: «والذي نفسي بيده، لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، لأجبتك». ومعنى «لولا يد»: يعني لولا نعمة. إن عروة ما رد على أبي بكر لأنه تذكر نعمة تفضل بها أبو بكر عليه. وقيل: أن هذه النعمة أن عروة تحمل دية، تحمل دية، فأعانه أبو بكر على سدادها، وأحسن إليه في ذلك، وأحسن إليه في ذلك. فعرف هذا المعروف، وحفظه لأبي بكر، وحفظه لأبي بكر. فلم يرد عليه، وقال: «لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها، لم أجزك بها، لا أجبتك». ومعنى «لم أجزك بها»: أي لم أكافئك بها، لم أكافئك بها، لا أجبتك. لكن بسبب هذه النعمة وذاك المعروف، فإنني لا أرد عليك، فإنني لا أرد عليك. أكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. أكتفي، أكتفي، أكتفي.