منظومة السير إلى الله 12

الدرس في منظومة السير إلى الله 12، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

مقدمة في منزلة الشكر وأهميتها

يشرح الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي أهمية منزلة الشكر في السير إلى الله، موضحا أنها تشمل القلب واللسان والجوارح. يشدد على الاعتراف بنعم الله وعدم رؤية النفس أهلا لها.

حقيقة الشكر والصبر على البلاء

يتم توضيح أن الشكر الحقيقي يكون باستخدام الجوارح في طاعة الله، والصبر على البلاء يخفي حكمة الله في قضائه وقدره. قد يكون البلاء أهون من غيره أو يدفع نقمًا أكبر.

معنى الشكر وكيفيته في الإسلام

يتم شرح معنى الشكر وأهميته، ويبين أن الشكر يكون بالنظر إلى من هو أقل منك نعمة. الله يعطي الدنيا لمن يحب ومن لا يحب، ولكن الدين يعطيه لمن يحب.

ختام الدرس والدعاء

ينتهي الدرس بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويتمنى الانتقال إلى درس آخر. الله أعلم بالكل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في منظومته «السير إلى الله والدار الآخرة»: قال رحمه الله: شكر الذي أولى الخلائق فضله بالقلب والأقوال والأركان قال رحمه الله: الشكر يكون بالقلب، وهو الاعتراف بنعم الله والإقرار بها، وعدم رؤية نفسه لها أهلا، بل هي محض فضل ربه. ويكون باللسان، وهو الثناء على الله بها والتحدث بها. ويكون بالجوارح، وهو كفها عن معاصي الله والاستعانة بنعمه على طاعته. فإن أعطاه شيئا من الدنيا شكره عليه، وإن زوى عنه شيئا منها شكره أيضا، إذ ربما كانت نعمته عليه صارفة منه شرا أعظم منها. وإن وفقه لطاعة من الطاعات رأى المنة لله في توفيقه لها وشكره عليها. والله المستعان. ذكر رحمه الله تعالى في هذا الموضع من منظومته هذه المنزلة العظيمة التي هي من المنازل، بل من أعظم المنازل التي يتصف بها السائرون إلى الله سبحانه وتعالى والدار الآخرة، وهي منزلة الشكر. فيشكر الله سبحانه وتعالى الذي أولاهم بفضله ومن عليهم سبحانه وتعالى بما من عليهم من النعم الكثيرة، فشكروا الله عز وجل بقلوبهم وألسنتهم وجوارحهم. لأن حقيقة الشكر هو الشكر بالقلب واللسان والجوارح. فأما الشكر بالقلب، فقد ذكره رحمه الله بأنه الاعتراف بنعم الله والإقرار بها، وعدم رؤية نفسه أهلها. هذا هو الشكر بالقلب، أن تعترف يا عبد الله بنعم الله جل وعلا عليك، الاعتراف بالقلب أن تعترف بقلبك وتقر بقلبك بهذا، وترى نفسك غير أهل لها. ما أنعم الله جل وعلا عليك من النعم لا تقول: أنا أستحق هذا، وأنا أهل لهذا. علم الله بأني أهل بهذه النعم فأنعم بها علي، علم أني أهل للإسلام فوفقني للإسلام، أو علم أني أهل لأن أعطى المال فأعطاني المال وأعطاني الصحة وغير ذلك. لا، هذا إنما هو صنيع الجاحدين لنعم الله جل وعلا. إذا أنعم الله سبحانه وتعالى عليهم يقولون مثل هذا: ما أنعم الله علينا إلا لعلمه أننا نستحق. فأنت يا عبد الله إذا أنعم الله جل وعلا عليك بالنعم فلا تقول في نفسك: الله أنعم علي لعلمه أني أستحق هذا أو أنا أهل لأن أعطى هذا. لا، أشكر الله جل وعلا على ما أنعم عليك، واعترف بقلبك بأنك لست أهلا، ليس لأن الله عز وجل أعطاك هذا لأهليتك أو لاستحقاقك، وإنما هو محض فضله سبحانه وتعالى عليك. فهذا هو حقيقة الشكر بالقلب. وأما الشكر باللسان، فبالثناء على الله جل وعلا بهذه النعم والتحدث بهذه النعم، ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾. عليك أن تتحدث بنعمة الله جل وعلا، تقول: الحمد لله على كل حال، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. فلولا أن هداك الله عز وجل يا عبد الله لما اهتديت. وذلك كما كان الصحابة يقولون: والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزل سكينة علينا وثبت الأقدام إلا قينا. فلولا توفيق الله جل وعلا للصلاة لما صليت، وللزكاة لما زكيت، وهكذا الصوم لما صمت. ولكن توفيق الله جل وعلا لك جعلك من أهل الصيام ومن أهل الصدقة ومن أهل الإحسان ومن أهل البر ومن أهل الخير. فإذا تحدثت بنعم الله جل وعلا عليك. والشكر بالجوارح، تكف هذه الجوارح عن معاصي الله. الله جل وعلا أعطاك هذه الجوارح، أعطاك السمع والبصر والفؤاد وغير ذلك من الجوارح. فشكر الرب جل وعلا على هذه الجوارح التي أنعم بها عليك أن تسخرها في طاعة الله سبحانه وتعالى، فتكفها عن معاصي الله. فسمعك لا يسمع إلا ما يرضي الله، وبصرك لا يبصر إلا ما يرضي الله، ولسانك لا تتحدث إلا بما يرضي الله، ورجلك لا تمشي إلا إلى مكان يرضي الله، ويدك لا تستعمل إلا في مرضات الله سبحانه وتعالى. فصارت جوارحك جميعها مسخرة في طاعة الله جل وعلا. فأنت إذا تكلمت تكلمت بخير، وإذا نظرت نظرت إلى خير، وإذا سمعت سمعت خيرا، وإذا مشيت مشيت إلى خير، وإذا أخذت أو أعطيت كل ذلك في مرضات الله سبحانه وتعالى. فهذا هو حقيقة شكر نعم الله جل وعلا بالجوارح، وأن تستعين بهذه النعم على طاعة الله سبحانه وتعالى. وإذا أنعم الله سبحانه وتعالى عليك بشيء فعليك أن تشكره سبحانه وتعالى، وإذا ابتلاك سبحانه وتعالى فاصبر على ما ابتلاك به. بل منزلة الشاكرين التي من أعظم المنازل وهي أعظم من منزلة الرضا، أنهم يشكرون الله سبحانه وتعالى حتى على المصائب. حتى على المصائب يشكر الله سبحانه وتعالى. فالشكر منزلة عظيمة نالها هؤلاء الذين من الله سبحانه وتعالى بها عليهم. واعلم أنت يا عبد الله إذا أصابتك المصائب ما تدري لعل الله جل وعلا بهذه المصائب أزال عنك أمورا قد تحدث، لكن ابتلاك بما هو أهون لك، فدفع بتلك المصائب. فدفع بهذه المصائب تلك المصائب التي ربما أعظم من هذه. وإذا دعاك الله جل وعلا ليشفيك فبقيت على مرضك ولم تشفى، لعل الله جل وعلا أراد أن يدخر لك ذلك في الدار الآخرة، أو يدفع عنك من النقم التي لولا من الله جل وعلا عليك بهذه المصائب لما اندفعت. فلله جل وعلا الحكمة في قضائه وقدره، وفي إعطائه ومنعه. فمن أعطاه جل وعلا أعطاه الحكمة، ومن منعه جل وعلا منعه الحكمة. فلا تظن أن الله جل وعلا إذا نعم عليك بالنعم فمعناه أنه يحبك، ولا تظن يا عبد الله أن الله إذا ابتلاك بالمصائب فمعناه أنه يبغضك. قال سبحانه: ﴿فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن، وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن، كلا﴾. ليس هذا هو الميزان الذي يظنه كثير من الناس. من أعطاه ربه يقولون: من حبه ربه أعطاه. لا، الله جل وعلا يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب. فكم من صحابة صلى الله عليه وسلم كانوا فقراء، وكم من أنبياء الله كانوا فقراء؟ هل معناه أن الله جل وعلا لا يحبهم؟ نبينا محمد عليه الصلاة والسلام خرج من الدنيا ودرعه مرهونة عند يهودي، فهل معناه أن الله لا يحبه؟ حاشا وكلا. فإذا ليس الميزان بكثرة العطاء أو بمنع العطاء، فذلك تابع لحكمة الله جل وعلا. ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ فمن ابتلاه جل وعلا صبر، ومن أعطاه عليه كذلك أن يشكر. فيكون لسان حاله بين الصبر والشكر، عند السراء شاكرا، وعند الضراء صابرا. كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث صهيب عند الإمام مسلم: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير. إن أصابته السراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له. وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن». فلذلك علينا أن نشكر الله جل وعلا، ننظر إلى من هو أسفل مننا، لا ننظر إلى من هو أعلى مننا. فهذا ما يعين على شكر الله. كثير من الناس ينظرون إلى من هو أعلى منهم، فكيف يوفقون إلى شكر الله عز وجل؟ فهذا يدفع إلى عدم شكر الله. لكن إذا نظر إلى من هو أدنى منه، هو عنده مسكن وغيره مشرد لا يجد مسكن، هو في صحة وغيره مريض، وهكذا. عنده شيء من المال والآخرون لا شيء عندهم، فهذا حري بأن يشكر نعمة الله جل وعلا عليه. كما في مسلم عن أبي هريرة قال: «لا تنظروا إلى من هو أعلى منكم، وانظروا إلى من هو أسفل منكم، فهو أحرى أن لا تزدروا نعمة الله عليكم». فالشكر منزلة عظيمة، والنصوص كثيرة في الأمر بها في كتاب الله جل وعلا، بل هي حقيقة العبودية. كما قال سبحانه: ﴿واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون﴾. وقال جل وعلا: ﴿بل الله فاعبد وكن من الشاكرين﴾. وقال سبحانه: ﴿فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون﴾. وهكذا قال سبحانه: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد﴾. فالنصوص في الكتاب والسنة في الأمر بالشكر كثيرة، وأثنى الله سبحانه وتعالى على الأنبياء الشاكرين لربهم جل وعلا، وهكذا على أتباع الأنبياء. فعلينا أن نشكر الله سبحانه وتعالى في سرنا وعلنا، وفي سرنا وجهرنا، وفي أمورنا كلها. نشكره جل وعلا بقلوبنا وبألسنتنا وبجوارحنا، حتى نكون من الشاكرين. فنسأل الله جل وعلا أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وإلى درس آخر. والله أعلم.