الدرس في منظومة السير إلى الله 14، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يشرح الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي منزلة النصح للخلق في منظومته، حيث يبين أن السائرين إلى الله يتصفون بالنصح للخلق ابتغاء مرضاة الله. يقومون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويعينون الناس بأعظم أنواع الإعانات.
يُشير إلى أهمية مخالطة الناس والصبر على أذاهم بهدف نصحهم، ويُبين أن هذا الأمر يحتاج إلى صبر ومصابرة وجهود عظيمة من العبد وتوفيق من الله. يتحمل السائرون الأذى لعلمهم بعظيم ما يريدون الوصول إليه.
يؤكد على أهمية النصح والتعاون بين أفراد الأمة لإصلاح التقصير والتفريط، ويشير إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو تاج الأمة الذي يجب إرجاعه. يجب على الأمة العمل لإرجاع هذا التاج من خلال الدعوة والتربية.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في منظومته «السير إلى الله والدار الآخرة»: قال رحمه الله: نصح الخليقة في رضا محبوبهم بالعلم والإرشاد والإحسان صحب الخلائق بالجسوم وإنما أرواحهم في منزل فوقاني قال: هذه حالهم مع الخلق أكمل حال وأجلها، فأبدوا لهم غاية النصح، وأحبوا لهم ما أحبوا لأنفسهم من الخير، وكرهوا لهم ما كرهوا لأنفسهم من الشر، فسعوا في إزالة الشر عنهم بكل ممكن، واجتهدوا في إيصال النفع إليهم بكل مقدور، من أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وإطعام جائعهم، وكسوة عاريهم، وإغاثة ملهوفهم، وتعليم جاهلهم، ورجوع ظالمهم، ونصر مظلومهم، واحتمال أذاهم، وكف أذى أنفسهم عنهم. ومع هذا فصحبتهم لهم بالظاهر والجسم، وأما قلوبهم وأرواحهم فإنها تجول حول الحبيب، تطلب من قربه أعظم نصيب. فتارة تنكسر بين يديه وتخشع وتخضع لديه، وطورا تشكره بحبه وتدل عليه لاستحضار بره وقربه، ثم تميل إلى مرضيه فتجتهد في عباداته وتحسن إلى مخلوقاته. فهؤلاء هم الناس، بل هم العقلاء الأكياس. ذكر الرحمة وتعالى في هذا الموضع منزلة من المنازل التي عليها السائرون إلى الله والدار الآخر، وهو اتصافهم بهذا الأمر العظيم، وهو النصح للخلق ابتغاء مرضاة الله جل وعلا. ينصحون الخلق بالعلم وبالإرشاد وبالإحسان، واجتهدوا في ذلك الاجتهاد العظيم، فيقومون بالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر. وهكذا ينظرون في أحوال الخلق فيعينونهم بأعظم أنواع الإعانات. فما من جائع إلا وسعوا في إطعامه، وما من عار إلا وسعوا في كسوته. وهكذا ما من مظلوم إلا ونصروه، وما من ظالم إلا وردعوه. فقاموا بهذا الأمر العظيم، فجمعوا بين العلم والعمل، فنصحوا لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، بشتى أنواع النصيحة، باللسان أو بالكتابة أو بالإصلاح أو بغير ذلك. فاحتملوا أذى الناس وصبروا على أذاهم، وخالطوا الناس ليبقى لهم الاتصال بالناس حتى يتم النصح منهم للناس. فلم ينعزلوا عن الناس، بل خالطوهم وصبروا على أذاهم لنصحهم، لأنهم إذا ابتعدوا عنهم زاد شرهم. لكن صبروا، ربما يسمعون الكلمة السيئة التي تخرج من أفواه هؤلاء فيتحملونها. هم ينفرون منها، وودهم لو لم يسمعوها، لكن يعلمون أنهم إذا ذهبوا زاد الشر، فهم يتحملون من السباب والشتائم والمعاملات السيئة والتصرفات الهوجاء، يتحملون كل هذا الأذى لاستغلال هذا الاتصال، وهو أنهم متى أرادوا نصحهم نصحوهم، فهم معهم. وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم». يصبر على أذاهم ويخالطهم لا لأجل مالهم ولا لأجل صلاحهم، لا، لأجل النصح. يصبر على أذاهم لينصحهم. وهكذا، فإذا هذا من أعظم الجهاد، لأن هذا يحتاج إلى صبر ومصابرة. ومن هذا الذي يصبر إذا قيلت فيه كلمة سيئة أو تصرف معه أحد تصرفا سيئا؟ فالأمر ليس بالهين، وهذا يحتاج إلى جهود عظيمة من العبد، وإلى توفيق من الله عز وجل. فالأمر ليس بالهين وليس بالسهل، الأمر عظيم، لأنه فيه كبح شهوات النفس لأجل الناس، وفيه تحمل أذى. فمراد المؤلف رحمه الله بيان هذا الأمر العظيم الذي عليه السائرون إلى الله والدار الآخر. هم لما تيقنوا أنهم يسيرون إلى الله وإلى الدار الآخرة، فصاروا غير مبالين فيما يقال فيهم وفيما يعانون من الأذية، ما دام أنهم يسيرون إلى الله وإلى الدار الآخر. وهذه الطريق فيها المعاناة وفيها الابتلاء، لكن لما علموا عظيم ما أرادوا وعظيم المكان الذي سيصلون إليه، هانت عليهم هذه الأشياء. ما دام أنهم سيصلون إلى ذلك المكان الذي كأنهم يرونه رأي عين، من عظيم يقينهم بوعد الله جل وعلا والجنة والجزاء والثواب، صاروا كأنهم يرونه عيانا بأعينهم. فخلاصة ما أراد ذكره رحمه الله تعالى في هذا الموضع ذكر هذا المقام العظيم الذي لا بد منه، وهو النصيحة. وكلنا يحتاج إلى نصح، لأنه ما منا إلا وعنده شيء من التقصير. أنت عندك تقصير في جانب، غير التقصير الذي عندي في الجانب الآخر. فأهل الإسلام عندهم من التقصير والتفريط، فمن يصلح هذا التقصير؟ هم أنفسهم. أنت تصلح الذي عندي، وأنا أصلح الذي عندك. طريق الشرع النصح بالدين، النية الصادقة، ما هو لأجل أنك تعال عليه، وكأنك تقول: عندك التقصير وتأتيه كأن أنت ما شاء الله ما عندك شيء. ورقتك بيضاء ما فيها ولا نقطة سوداء تنصح الآخرين فقط. لا، لابد أن الإنسان يجعل نفسه مقصرة وعندها من التقصير. فقد جاء في الحديث: «الدين النصيحة». قيل: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». ومن ذلك ما جاء في الصحيح: «حق المسلم على المسلم ست». وفي رواية: «خمس». ومنها: «إذا استنصحك فانصح له». والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو تاج على رأس هذه الأمة. فلما تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خلعت تاجها. فلما خلعت تاجها تسلط عليها أعداء الإسلام، لأنهم نظروا إلى الأمة فرأوا فلم يروا التاج على رأسها. هم يخافون من التاج الذي هو على رأس هذه الأمة. فلما كان التاج على رأس هذه الأمة ما استطاع أعداء الإسلام أن يعتدوا على هذه الأمة وأن يتسلطوا عليها. لكن لما نظروا لم يروا التاج على رأسها، نزل التاج. ومعناه أن الأمة قصرت وفرطت إلا من رحم الله. فبسبب التقصير والتفريط تسلط أعداء الإسلام على هذه الأمة. ولن يعود المجد لهذه الأمة والمكانة والاستخلاف إلا بإرجاع التاج إلى موضعه. يلزم أن تلبس الأمة تاجها، تحمله شيئا فشيئا حتى تضعه على الرأس. لأنه لا يمكن أن تحمله مباشرة على رأسها، لأنه ما نزل مباشرة. سقط التاج من على الرأس ما سقط مباشرة، وإنما نزل شيئا فشيئا حتى صار على الأرض. ولن يرجع مباشرة، إنما سيرجع كما نزل. ومعناه أنه يحتاج إلى أن تأخذ به الأمة شيئا فشيئا، دعوة، دعوة، دعوة، تربية، نشر. وهذا معناه حمل التاج شيئا فشيئا. صلى الله عليه وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.