الدرس في منظومة السير إلى الله 3، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يشرح الشيخ طريق أهل السعادة إلى الله والدار الآخرة، وهو يتجنب طرق الخسران والشيطان والسيئات. السعادة الحقيقية تأتي بالإيمان والتقوى والأعمال الصالحة.
السعادة تأتي بتجنب طرق الردى والهلاك وسلوك طريق الرضوان، ورضا الله تعالى هو أكبر نعيم. يجب على الإنسان أن يتجنب خطوات الشيطان ويحذر من أول خطوة قد تؤدي إلى الوقوع في المعاصي.
يجب على الإنسان أن يهرب من رق الشيطان ويتبع سبل النعيم، وذلك بتنزيه القلوب والألسنة والجوارح عن المحرمات والمكروهات. كما يجب عليه أن يتحلى بالأخلاق الجميلة ليصل إلى دار السلام.
المقطع يتضمن دعاء بالسعادة في الدنيا والآخرة وطلب التوفيق لتحصيلها، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. هذا الدعاء يعبر عن الرغبة الصادقة في نيل السعادة.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. قال مؤلف رحمه الله تعالى، الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى، في منظومته «السير إلى الله والدار الآخرة»: قال رحمه الله تعالى: سعد الذين تجنبوا سبل الردى وتيمموا لمنازل الرضوان. قال رحمه الله في تعليقه: هذا هو أصل طريقهم، وقاعدة سير فريقهم، إنهم تجنبوا طرق الخسران، وتيمموا طرق الرضوان، تجنبوا طرق الشيطان، وقصدوا عبادة الرحمن، تجنبوا طرق الجحيم، وتيمموا سبل النعيم، تركوا السيئات، وعملوا على الحسنات، نزهوا قلوبهم وألسنتهم وجوارحهم عن المحرمات والمكروهات، وشغلوها بفعل الواجبات والمستحبات، تحلوا بالأخلاق الجميلة، وتخلوا من الأوصاف الرديئة. ذكر رحمه الله تعالى في هذا البيت قاعدة أهل الإيمان والتقوى، وأصل طريقهم إلى الله جل وعلا والدار الآخرة، وهم أهل السعادة الذين من الله جل وعلا عليهم بالسعادة في الدنيا والآخرة. فبين رحمه الله تعالى طريقهم وقاعدة سيرهم، الذين هم أهل السعادة، أهل الإيمان والتقوى؛ ليبين رحمه الله هذا الأصل العظيم الذي ضل عنه كثير من الناس ممن لم يفهم حقيقة السعادة في هذه الدنيا. وكيف تحصل؟ إذا عملنا استفتاءات للناس، وأوزعنا أوراقا على الناس، وقلنا لهم: اكتبوا، كل واحد منكم يكتب كيف تتحقق السعادة في الدنيا، وجمعنا هذه الأوراق، وهذه الاستفتاءات، ستجد كثيرا من الناس من يقول: السعادة عند من ملك مئة مليار، وآخر يقول: من كان عنده ألف سيارة، وآخر يقول: من كان عنده ألف قصر وألف بيت، وآخر سيقول: من كان متزوجا في هذه الدنيا بأجمل النساء، وآخر وآخر وآخر. والقليل من سيقول: السعادة بالإيمان والتقوى، وطاعة الله جل وعلا، والأعمال الصالحة. هؤلاء القلة، وهذا النفر القليل هم على الحق وعلى الصواب. وأما الكثير الذين ظنوا أن السعادة في الدنيا تحصل بهذه الطرق وبهذه الأسباب، فهذه مفاهيم خاطئة، وهذه أقوال غير صائبة، ليست بصحيح، تنافي ما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل وما شهد به الواقع. فكم من هؤلاء من ملك الدنيا أو نصفها أو ربعها أو ثلثها أو عشرها أو ثمنها، تجده لم يحقق السعادة، باعترافه بنفسه، ويعترف: مع ما معي من الأموال إلا أنني لم أجد السعادة، أنا في هم، وأنا في ضيق، وأنا في كذا... إذن ما نفعت هذه الأموال. والآخر صاحب الدور والقصور، والآخر صاحب النساء، والآخر ما حققوا السعادة، وما حصلوا السعادة؛ لأن السعادة ليست بجمع الأموال، ولا أن تكون فنانا مرموقا بين الناس كما يقال، وتصير معبود الجماهير، أو ممثلا من أفضل الممثلين، أو مهرجا من أفضل المهرجين، أو مسرحيا من أفضل المسرحيين، أو رئيسا أو وزيرا أو محافظا أو مأمورا أو إلى آخر ذلك، لا، لا تحقق السعادة بهذا. السعادة بتقوى الله جل وعلا، السعادة بالإيمان والعمل الصالح. وصدق القائل يقول: لعمرك ما السعادة جمع مال ولكن التقي هو السعيد. ولكن التقي هو السعيد، فتقوى الله خير الزاد ذخرة، وعند الله للأتقى مزيد. وكما قال الآخر: أوصي سعيدا بالتقى فإن التقي هو السعيد. فالسعيد هو التقي، هو المؤمن الذي عمل الصالحات. فأراد رحمه الله تعالى أن يبين طريق أهل السعادة الذي يسيرون عليه، وقاعدة سيرهم في هذا، وأصل طريقهم. السعادة، السعادة مطلب كل أحد، كل أحد يريد السعادة، وما يعمل الإنسان ويجتهد في هذه الدنيا ويتحرك ويذهب ويرجع إلا لأجل تحصيل السعادة، لأجل أن يسعد. كلنا نسعى من أول يومنا إلى آخر نهارنا نبحث عن السعادة، هي المطلب، هو الغرض الذي لأجله نعمل ونشقى ونجتهد، نريد أن نحقق السعادة، الراحة، والاطمئنان، راحة البال، واطمئنان القلب، هذا مطلب كل أحد. لكن من الناس من يغدو في طلب السعادة في إهلاك نفسه، وفي شقاء نفسه، وفي تعاسة نفسه، ويظل أنه يبحث عن السعادة وهو يسير في طريق من يبحث عن الشقاوة. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيح في حديث مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه: «كل الناس يغدو، فبائع نفسه فموبقها أو معتقها». من الناس من يرجع في آخر يومه وقد أهلك نفسه، أراد تحصيل السعادة وهو قد حصل الشقاوة والتعاسة. والآخر سعى في تحصيل السعادة فأعتق نفسه، فنجى نفسه ولم يوبقها ولم يهلكها، هذه الطريق الصحيح. فالسعادة مطلب كل أحد، لكن الصادق في طلب السعادة وطلب الراحة هو الذي يسلك الطريق، يسلك الطريق التي توصل إلى تحصيل السعادة. كيف تريد السعادة وأنت تسير في طريق الشقاوة؟ صحيح، تريد طريق السعادة، هنا هذا الاتجاه طريق السعادة، هذا الاتجاه طريق مستقيم، ما فيه لف ولا دوران، لكن هو في يومه هو في لف ودوران، يطلع وينزل ويعطف ويلف ويدور، هذه ما توصل إلى طريق السعادة، ما فيها ملفات، بحمد الله، ما فيها ملفات، وليست متعبة ولا شيء. طريق الشقاوة معنا، طريق الشقاوة، ومع هذا الله المستعان، لفات وعفرات ودوران ودوخة. ومن الناس ما يدل لهذه الطريقة، يذهب هنا ويرجع ويلف ويدور ويطلع وينزل، يضحك على هذا ويلف على هذا ويدور على هذا، ويدخل المال من هنا، هذا كله لف ودوران وعفرات. طريق السعادة سهلة يسيرة مسلوكة مستقيمة، نعم تحتاج مجرد قفزة، قفز السور كما يقال، فقط قفزة صحيحة، سر، فطريق السعادة سهلة ويسيرة، لكن الشيطان يصعبها، ويقول الناس: انتبهوا، هذا الطريق لا تظنوا أنها يسيرة، هذه صعبة، وهذه وهذه. نعم هي نعم تحتاج إلى الصبر؛ لأن بعض الناس لا يعجبهم أن يستمر هكذا، يمل، يريد العصرات واللفات حتى في الطريق الطويلة. بعض الناس يمل، الطريق طويلة ما فيها لا كذا ولا كذا، نعم، طريقة التي هي طويلة ساعات إلى الأمام يدخلها الملل، يصبر عليها، نعم، طريق طويلة؛ لأنها صلوات تتكرر، وصيام يتكرر، وزكاة تتكرر، وطاعات تتكرر، ومواصلة، نعم، اصبر، ثم بعد ذلك تعتاد، الحمد لله، على هذه الطريق، وتعجبك، وتصير سهلة، نعم، ولا يحصل منها لا ملل ولا غير ذلك؛ لأنك جعلت نفسك تنقضي إلى هذه الطريق. إذن ما هي أسباب السعادة؟ وما هي طرق تحصيل السعادة؟ بين رحمه الله تعالى أن أهل السعادة هم الذين تجنبوا سبل الردى، تجنبوا طرق الهلاك والخسارة، هذه تجنبوها، طرق الشيطان، وسلكوا وقصدوا لمنازل الرضوان، يعني صار أكبر همهم رضا الرحمن جل وعلا، وإن سخط الناس، وإن سخط الناس؛ لأن من يسير على هذه الطريق يسخط عليه الناس، يسخط عليه الشيطان، ويسخط عليه شياطين الجن، ويسخط عليه شياطين الإنس، لا يبالي، ما دام أنه فيه رضا الرحمن، فلا يبالي بسخط هؤلاء، يسير على هذه الطريق الموصلة إلى رضوان الله جل وعلا. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عائشة: «من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس». إذن اجعل همك يا عبد الله رضا الرحمن جل وعلا، وأما هؤلاء الذين يثبتونك ويسخطون منك فلا تبالي بهم؛ والرضا من الله أعظم النعيم، ورضوان من الله أكبر. وأهل الجنة في الجنة يأتيهم ربنا جل وعلا، يقول: «هل أزيدكم فوق ما هذا من زيادة؟» فيقولون: «ما هذا على هذا من زيادة؟» فيقول الله جل وعلا: «أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا». إذن التمس رضا الله عبد الله، وتجنب سخط الله، تجنب هذه الطرق الردية، وهذه المثالب المهوية إلى الضلال والانحراف. قال: «إنهم تجنبوا طرق الخسران وتيمموا طرق الرضوان، تجنبوا طرق الشيطان». حذرنا ربنا جل وعلا من طرق الشيطان، الشيطان له طرق، الشيطان له خطوات، حذر ربنا جل وعلا منها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. فالشيطان عدو مبين، يريد منك أن تسير على طريقه وعلى خطواته. وأنت إذا خطوت خطوة واحدة مع الشيطان، خطوت الخطوات الأخرى هي الباقية، الخطوة الأولى منك معناه أنك ستخطو بعد ذلك الخطوات التي بعدها، احذر من الخطوة الأولى، احذر من الخطوة الأولى؛ فالخطوة الأولى هي سبب لوقوعك في الخطوات الأخرى. لأن الشيطان إذا استزلك وحسن لك السيئة، أو النفس الأمارة بالسيئة فأطعتها، فمعناه سؤالها بعد ذلك، وتمشي. وما هلك من هلك إلا بسبب المرة الأولى، ربما نظرة تهاون بها، أو كلمة كانت سببا في وقوعه في نار جهنم، وعياذ بالله، سبعين خريفا يهوي بها كلمة واحدة. فبعد ذلك سهل عليه أن يتكلم بما شاء، والنظرة الأولى المحرمة أوقعت في الزنا. كل الحوادث مبدأها من النظر، ومعظم النار من مستصغر الشر. كم من نظرة فتكت بصاحبها فتك السهام بلا قوس ولا وتر؟ لو غض مغلته ما ضر مهجته، لا مرحبا بسرور عاد بالخطري. فالنظرة، النظرة توصل إلى الحرام، وخطوة الرجل الواحد إلى الحرام توصل إلى الحرام، وحركة اليد الأولى في المرة الأولى إلى الحرام توصل إلى الحرام، وهكذا، والإنصات بالسمع. فلذلك الحذر الحذر من خطوات الشيطان، وطرق الشيطان. قالوا: «قصدوا عبادة الرحمن، أخلصوا في عبادتهم لله جل وعلا، وسلكوا الطرق الموصلة إلى الله جل وعلا بعبادته سبحانه وتعالى، ولم يكونوا عبيدا للشيطان؛ لأن الشيطان يدعو الناس ويرد من الناس أن يعبدوه». فمن الناس من أطاعه وعبده، ومن الناس من عصاه وعبد الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَلَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. الله حذر من عبادة الشيطان، هناك من الناس من يعبد الشيطان، من هم؟ من يعبده العبادة التي أخرجته من دين الإسلام؟ هناك طائفة يقال لها: «عباد الشيطان»، يعبدون الشيطان، ربهم الشيطان، وهم يقولون: «نحن عباد الشيطان». فرقة موجودة، فرقة موجودة، هم عباد الشيطان. عبد الشيطان يعبدون الشيطان، وأناس عبد الشيطان، لكن العبادة التي هي بامتثال أوامره في معصية الله عز وجل، من غير خروجهم من الإسلام؛ لأن من عبد الدينار والدرهم، صار همه، والخميصة والخميلة، كان هذا من طاعة الشيطان، كان من طاعة الشيطان، والعياذ بالله. فالإنسان يحذر من الشيطان ونزغاته، إذا نزغ الشيطان عليك أن تستعيذ بالله منه: ﴿فَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾. الشيطان ما سيتركه، لكن كن على حذر، كن على حذر منه، وكن على تفطن من أمره؛ فإنه العدو المصارع الذي لا يترك المصارعة، ليست مصارعته في لحظاته وفي أوقات، لا، هو مستمر ودائم المصارعة والنزغ. فهذا يحتاج إلى إجهاد عظيم، وإلى حرص عظيم، كي لا يقع الإنسان في نزغاته، وإلا افترسك الشيطان وصرت عبدا له، رقيقا. إذا لم تكن عبدا لله تصبح عبدا للشيطان، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته: هربوا من الرق الذي خلقوا له فألبسوا برق النفس والشيطان. هربت من رقك لله جل وعلا وعبوديتك، تظل ماذا؟ هل ستنجو من رق أحد؟ إذا هربت من رقك لله جل وعلا وعبوديتك، ليس معنى أنك لن تكون رقيقا لأحد أبدا، لابد، إن لم تكن رقيقا وعبدا لله، معنى: ستكون رقيقا وعبدا لغيره. هل ترضى أن تكون عبدا لغير الله جل وعلا؟ للشيطان؟ هذا الذي نسى الله، العافية، مثلك، نعم، يخرج منه الضراط، نعم، مثلك، يخرج منه الضراط، تريد أن تكون عبدا له؟ إذا سمع النداء وله ضراط، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، تريد أن تكون عبدا لهذا الذي يخرج منه الضراط، والذي هو أقبح خلق الله جل وعلا، أين عقلك؟ وأين فطانتك؟ الله المستعان. ثم ذكر رحمه الله تعالى قال: «تجنب طرق الجحيم وتيمموا سبل النعيم، تركوا السيئات وعملوا الحسنات». هذا مقتضى السير الصحيح إلى الله جل وعلا والدار الآخرة، الاكثار بالأعمال الصالحة، الاتيان بالطاعات، ترك السيئات وعمل الحسنات، تنزيه القلوب والألسنة والجوارح عن المحرمات والمكروهات. نزه قلبك عن الحقد والحسد والبغضاء والشحناء وغير ذلك، لا بد أن تنزه قلبك، نزه قلبك قبل هذا عن الاعتقادات الفاسدة، يجعل قلبك سليما من الاعتقادات الفاسدة، الخرافات والخزعبلات، ونزه قلبك عن الأمراض، هذه الأمراض: الحقد، والحسد، والبغضاء، والشحناء. وأقبل على الله جل وعلا بقلب سليم: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. نزه ألسنتك، نزه لسانك، نزه لسانك عن السخرية والاستهزاء والغيبة والنميمة والكلام الفاحش والكلام البذيء، والسب واللعن، ما هو من دون ذلك؟ تصبح وأنت تلعن، تلعن، تلعن، تلعن، كل ما تكلمت ذكرت اللعن. نزه ألسنتك، نزه لسانك عن هذه الأمراض، وحاسب الكلمات التي تصدر من لسانك، هل هي في مرضات الله أم لا؟ ولا تطلق العنان لسانك تقول ما شاء، فأكثر ما يكب الناس في النار على مناخرهم بسبب حصائد ألسنتهم، ما حصدته ألسنتهم من الكلام الذي لا ينفع، والكلام والطعن في الناس، والغيبة والنميمة، والوقوع في الأعراض وغير ذلك. ونزه كذلك الجوارح المحرمات، لك سمع، ولك بصر، أكرمك الله جل وعلا به، ولك أيدي، ولك أرجل، نزه هذه الجوارح، سمع في طاعة الله، والبصر في طاعة الله، لا تسمع الحرام، ولا تنظر للحرام، ولا تمشي إلى الحرام، ولا تأكل بيديك الحرام، ولا تسعى بجوارحك في الحرام، وإنما نزه هذه الجوارح عن المحرمات، بل حتى المكروهات؛ لأن التهاون بالوقوع في المكروهات والاستمرار عليها يجر، والعياذ بالله، بعد ذلك إلى ما لا يرضي. ليس كل أحد يترك المكروهات، يسلب. ولذلك الإنسان يحرص مع تركه للمحرمات وفعل الواجبات، شيء من المستحبات لتسد ذلك الخلل، فلا شك أنه يحصل الخلل في الصلاة، والنقص، والتقصير، ويحصل الخلل في الزكاة، ويحصل الخلل... فماذا يسد هذا إلا مثل هذه النوافل وهذه المستحبات؟ فتكون أسلم في ذلك. فاجعل لك حظا من النوافل والمستحبات؛ لتبتعد عن الشبهات، لتبتعد عن المحرمات والشبهات؛ لأن فعل الواجبات والمستحبات أسلم للعبد من الوقوع في المحرمات والمشتبهات. فبفعله الواجبات يبتعد عن المحرمات، وبفعله المستحبات يبتعد عن المشتبهات؛ لأنه صار في حصن حصين منيع؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه». فمن ابتعد عن الحمى، وجعل بينه وبين الوقوع في محارم الله جل وعلا ليس فقط الإتيان بالواجبات، بل وكذلك الإتيان بالمستحبات، فهو أسلم، أبعد من الوقوع في هذه الحمى التي إذا دخل فيها هلك. وشغلوها بفعل الواجبات والمستحبات؛ لأن الجوارح التي نشغل نفسها بالواجبات شغلت نفسها بالمحرمات، الجوارح إذا لم تشغل بفعل الطاعات شغلت بفعل المحرمات. فأنت يا عبد الله مشغول في هذه الدنيا، لابد أن تشغل هذه الأعضاء، الأعضاء لابد أن تشغل، فإما أن تشغل في الطاعات، وإما أن تشغل في المحرمات، فانتبه، إذا لم تشغلها في الطاعات ستشغلها في المحرمات، لا ثالثة، لا ثالثة. لذلك فاختل لنفسك، واعلم أنك على خطر، إن لم تشغل الجوارح في الطاعات شغلتها في المعاصي والمحرمات، والعياذ بالله. وهكذا من أوصافهم: «تحلوا بالأخلاق الجميلة في أقوالهم وفي أفعالهم، بل وفي مشيهم وفي لبسهم وغير ذلك». فأخلاقهم أخلاق جميلة، في تعاملهم مع الناس، في بيعهم وشرائهم، في كل أمورهم. وتخلوا من الأوصاف الرديئة، من البخل والشح وغير ذلك، والكبر والعجب والرياء وغير ذلك. فهذه بعض صفات أهل السعادة الذين يسيرون السير الصحيح إلى الله جل وعلا وإلى الدار الآخرة. فإذا استمروا على ذلك وساروا فسيصلون إلى دار السلام، وسيحققون السعادة في الدنيا والآخرة. ما داموا على ذكر لله، وإيمان وتقوى، من عمل صالح، من ذكر أو أنثى، وهو مؤمن: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾. فالناس أشقياء وسعداء، فمن سار على الإيمان والتقوى وصل إلى دار السلام. وكما قال جل وعلا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾. وكما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ * الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾. أي: مرجع إلى الله جل وعلا. فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من أهل السعادة في الدنيا والآخرة، وأن يسر لنا طرق تحصيلها، وأن يجعلنا من الساعين إليها، الداعين إليها. والله أعلم. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.