من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه 7

الدرس في من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أثر الصحبة الصالحة والسيئة على الفرد والمجتمع

يتناول هذا الفصل أهمية الصحبة وأثرها على الفرد والمجتمع، حيث يؤكد أن الصحبة الصالحة تقود إلى الخير بينما الصحبة السيئة تؤدي إلى الضلال والشر. يُستدل من القرآن الكريم على ذلك، حيث يبين الله عز وجل أن مصاحبة الصالحين تقود إلى الخير.

تأثير الصحبة الصالحة وصحبة السوء مع الأدلة الشرعية

يؤكد هذا الفصل على أهمية اختيار الصحبة الصالحة وتأثيرها الإيجابي على الفرد والمجتمع، ويحذر من صحبة السوء وأثرها السلبي. يستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية لبيان هذا الأثر ويقدم أمثلة على تأثير الصحبة في تغيير سلوك الفرد.

تعويض الله للصالحين بصحبة الأخيار بعد الابتعاد عن صحبة السوء

يذكر هذا الفصل أن الله يعوض الصالحين بصحبة الأخيار بعد تركهم لأصحاب السوء، كما حدث مع إبراهيم عليه السلام والصحابة رضي الله عنهم، ويحث على اختيار الصحبة الصالحة التي تقود إلى الله جل وعلا.

خاتمة وتأكيد على أهمية العلم والتوكل على الله

يتم في هذا الفصل الإكتفاء بما تمت مناقشته، مع التأكيد على أن العلم الكامل لله تعالى، ويتم التأكيد على أهمية التوكل عليه في كل الأمور.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فيا أيها الإخوة حفظكم الله، إن شاء الله تعالى نستمر في لقاءاتنا ومجالسنا فيما قد أخذناه من قبل في القاعدة المعروفة: «من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه». وكما قلنا: إن هذه القاعدة قد قررها العلماء، وذكرها الشيخ السعدي في «القواعد الحسان». وقد جاء أيضا حديث العرباض بن سارية، الذي أخرجه أحمد والنسائي، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إنك لن تترك شيئا لله إلا أبدلك الله خيرا منه». فلهذا أخذنا بعض ما يدل على هذه القاعدة، وكذلك بعض ما ينطبق على هذه القاعدة من أدلة الكتاب والسنة، وأخذنا أيضا نماذج تدل على هذه القاعدة في هذه اللقاءات، إن شاء الله تعالى. وأخذنا بعضا أيضا من الأشياء التي هي محبوبة إلى القلب، وفطر الناس على محبتها، لكن إذا تركت لله جل وعلا صار العوض عظيما عند الله سبحانه وتعالى. وهي كثيرة، لكن إن شاء الله تعالى نأخذ في هذه اللقاءات ثلاث أشياء، وقد أخذنا ترك الأموال، وترك الملك والرئاسة، فأيضا إن شاء الله تعالى نأخذ ترك الصحبة، وترك الوطن، وترك الزوجة. وهناك أيضا أشياء أخرى، لكن هذه لها أهمية، وإن كانت هذه قد تجتمع في شيء واحد، لكن لها فروعا ومسائل، فلهذا نأخذ كل واحد من هذه الأشياء في لقاء من هذه اللقاءات. نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذلك، وأن يوفقنا سبحانه وتعالى بمنه وتيسيره جل وعلا. فنقول: إن الصحبة لها أهمية عظيمة، وكما يقول العلماء: إن الإنسان مدني بطبعه، يحب أن يخالط الناس. فجاءت الأدلة، عباد الله، في الكتاب والسنة بأن هذه الصحبة تؤثر على الفرد والمجتمع، تؤثر على الفرد والمجتمع. وقد جاءت الأدلة بذلك، سواء كان تأثيرها إلى الخير أو تأثيرها إلى الشر. فمن تأثيرها إلى الخير قول الله عز وجل لنبيه الكريم عليه الصلاة والسلام، وهو أتقى الناس وأخشى الناس، صلوات الله وسلام عليه، يقول الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. انظر إلى هذه الآية، يأمر الله عز وجل نبيه الكريم، وهي أمر لأمته، أن يصبر نفسه، ويصاحب أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، أي: أهل الصلاة وأهل العلم وأهل الذكر، فهؤلاء الذين ينبغي للمسلم أن يصحبهم، وأن يكون معهم. فقال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾، فقال: «واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه»، أي: مخلصين لله، «ولا تعد عيناك عنهم»، أي: لا تذهب عيناك إلى غيرهم، لا ينبغي لك أنك تصاحب غيرهم وتجالس غيرهم، هؤلاء الذين ينبغي أن تجالسهم، وهم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، أي: أهل العلم وأهل الحلقات. ولهذا جاء في الآية الأخرى في سورة الأنعام: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. فانظر أيضا هنا، بين النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا ينبغي للنبي عليه الصلاة والسلام أن يجلس مع هؤلاء الأشرار، ويطرد هؤلاء الصالحين. فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يفعل ذلك، لكن أراد ربنا جل وعلا أن يذكر عباده المؤمنين أنهم لا يمكنوا أنفسهم من الجلوس مع الأشرار، ويدعون الأبرار، أو يطردونهم من مجالسهم؛ لأنهم مثلا فقراء، أو لأنهم ضعفاء، أو لأنهم كذا وكذا، فتجد أنه لا يجلس إلا مع هؤلاء الأغنياء مثلا، أو هؤلاء الذين هم على صفته، وهم أشرار. فهذا نهي من الله عز وجل عن أن يفعل المرء مثل هذا. «ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه». وفي الآية الأولى، كما قلنا، قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. وقال الله عز وجل: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾. فالذي يجلس مع الأشرار، ويسمع الاستهزاء بكلام الله، ويسمع الاستهزاء بأهل العلم، ويسمع السب لأهل الإيمان والتنقيص والاحتقار، وهو جالس عند هؤلاء، فهذا مشارك معهم، مشارك معهم في الإثم، ولو لم يتكلم، ولو لم أيضا يشاركهم فيما هم عليه، بل جلوسه معهم والرضا والسكوت عن كلامهم يعتبر رضا في مثل هذا الموقف. فلهذا ينبغي للمسلم أن يختار المجالس الصالحة التي تقوده إلى الله جل وعلا. أيضا مثال آخر في القرآن، قول الله عز وجل، مبينا أن الصحبة أثر، يقول الله عز وجل في سورة الفرقان: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾. انظر إلى هذا الكلام، معنى أن الرجل هذا كان على صلاح، كان على استقامة: «لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني»، عن الخير، وعن القرآن، وعن مجالس العلم، وعن مصاحبة الأخيار. «لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني». وكان الشيطان للإنسان خذولا. فربنا جل وعلا بين أن هذا الذي ترك الذكر، وترك الخير؛ لأجل أناس وسوسوا له في الشر، وتبعهم على ذلك، فيتندم ويعض على يديه ندما أنه جعل طريق هؤلاء، وأيضا سلك طريقهم، وفعل مثل ما فعلوا. فلهذا فالصحبة تؤثر. ولهذا من ترك أصحابه على ما هم عليه من الشر، فإنه لا شك أنه يلقى خيرا عظيما. وقد ذكر ربنا جل وعلا شيئا من هذا، فمن ذلك ما ذكره الله عز وجل في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَسْتَ لَمَدِينُونَ قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. معناه: يقول: يحلف بالله عز وجل أنه لو سلك طريقه، وبقي معه لكان مثله في النار، لكان مثله في النار. ثم بين أنه لولا نعمة الله عز وجل عليه أن ترك صحبة هذا الرجل، وهذا الغاوي، وهذا الغافل، وهذا الذي يريد أن يسحبه إلى الضلال، لولا أن نعمة الله عز وجل عليه أن تركه لكان مثله في النار. فهذا أيضا مما يؤثر، تأثير الصحبة على العبد، سواء كان على الفرد أو المجتمع كذلك، فالتأثير على الفرد يكون تأثيرا على المجتمع. وانظر إلى من كان يصغي لفرعون من قومه، فإنه استخف قومه فأطاعه، كما قال الله عز وجل: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾. فلهذا فالمسلم يجعل قلبه وسمعه لله عز وجل، ولمن يكلمه بكلام الله، بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا ينبغي له أن يجلس مثل هذه المجالس. عندنا الأحاديث في ذلك كثيرة، ولكن نذكر بعضها من باب التذكير. فمن ذلك ما جاء في الصحيحين، في حديث بريدة بن عبد الله، عن أبي بريدة، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير». مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير. فحامل المسك إما أن تشتري منه، أو يهديك، يعطيك من هذا، إما أن يعطيك العطر كله، أو يعطرك به. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن ينفخ بخانه. أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فانظر إلى هذا الحديث، بين النبي عليه الصلاة والسلام صحبة الأخيار، وصحبة الأشرار، وذكرها بمثال حتى يتضح الأمر. وهذا المثال يدلك على التأثير. فصحبة الأخيار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كحامل المسك»، حامل المسك، أي: البائع، بائع المسك، بائع الطيب. فهذا بائع الطيب، إما أن تشتري منه طيبا، والطيب لا شك أنه خير، والناس يحبونه. فأيضا، وإما أنه يعطيك، يهديك من هذا الطيب. ففي كل الأمور تستفيد، فتأثيره عليك لا بد منه، فتستفيد إما أنك تصاحبه وتزامله، وكذلك تكون مثله. وإما أنك تأخذ من بعض صفاته. كما ذكرنا قبل أن بعض أهل العلم، بعض طلبة العلم قديما، كانوا يأتون إلى مجالس العلم ليس للعلم فقط، وإنما لأخذ السمت والهدي، أخذ الأخلاق العظيمة من العلماء. كما قال حرب: «كان يحضر مجلس أحمد خمسة آلاف، لا ينتفع من العلم إلا خمسمائة»، يعني هذا من باب التقريب، يقول: إنه يحضر مجلسه خمسة آلاف، في مجلسه، قال: «لا يستفيد من هذا العلم إلا خمسمائة، والبقية يستفيدون من هديه وسمته وحلمه»، يستفيدون من الإمام أحمد من هديه، من أخلاقه، كيف يتعامل، كيف يتكلم، كيف أيضا يعامل الناس. فكانوا يستفيدون منه في ذلك. فالجليس الصالح تستفيد منه، إن لم تكن تصاحبه وتكون مثله، لكن أغلى شيء أنه تستفيد من بعض أخلاقه، تتخلق ببعض أخلاقه، فهذا خير عظيم. أما الآخر: «نافخ الكير»، إما أن يحرق عليك ثيابك، يحرقها كلها، ويجعلك تغوص في الدخان. وإما أن يصيبك الدخان، دخان هذا الكير، معناه: نمثل النبي صلى الله عليه وسلم «نافخ الكير»، أي: هذا الكير؛ لأنه نار تحرق، أو دخان أيضا يوسخ الثياب. وكذلك يحاول أنه يكتم عليك نفسك، وغيرها من الشرور التي في الدخان. فلهذا فالذي يصاحب الأشرار إما أنه ينخرط معهم فيما هم عليه. أنا ما يقول: مثلا «أنا صحيح أنا أمشي مع فلان، لكن ما أفعل مثل فعله»، هذا كلام بعيد، ولا يتمنى الإنسان مثل هذه الأماني، ما دام أنه يمشي معه. إما أن يفعل فعله، وإما أن يكتسب بعض أخلاقه، يكتسب بعض أخلاقه. صحيح: مثلا بعض الناس مثلا يمشي مع بعض الفواحش، وهكذا، وهو ما يفعل شيء، ولا يكون معهم في هذه، لكن تجده يكون معهم في مسألة، يأخذ مثل التعلق بالفاحشة، هذا أقل شيء أنه يتعلق بهذه الفواحش. فلابد من التأثير. ولهذا يقول الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام، كما جاء عند أحمد والنسائي وابن ماجه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». هذا كلام الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». خليله، أي: صديقه. فلينظر هذا المرء من الذي يصادقه. فينبغي أن يختار الخليل والصديق الذي يقوده إلى الله، والذي يذكره بالله، لا يذكره بالغفلة، يذكره بالشر. فلهذا قال: «فلينظر أحدكم من يخالل». وعند أحمد وابن ماجه، عن أنس، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي». فانظر إلى وصية النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «لا تصاحب إلا مؤمنا»، لا تصاحب إلا مؤمنا، لا يكون صاحبك إلا رجلا مؤمنا، مؤمنا بالله عز وجل، يقودك إلى الخير. لا تكون صاحبك أشرا، أو من الأشرار. رجل تجده مثلا يحافظ على الصلاة، ويجلس مع ناس مضيعون للصلاة. رجل مثلا يحافظ على الذكر، ويجلس مع ناس من الغافلين. رجل مثلا يحب العلماء، ويحب الصالحين، وتجد أنه يجلس مع من يتكلم على هؤلاء الصالحين، ومن يتكلم على العلماء، ويلمزهم ويحتقرهم. فهذا ليست صحبته صحيحة، ليست صحبته صحيحة. فلهذا كما قلنا: والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة، لكن هذا من باب التذكير فقط. وأيضا من باب أننا نعرف أن هذه صحبة تؤثر. فمن تركها لله عز وجل، فإن الله عز وجل يعوضه خيرا منها. لهذا قال الإمام السعدي رحمه الله: فهذا إبراهيم، نبي الله إبراهيم، ترك أباه، وترك قومه؛ لما كانوا على شرك، فعوضه الله عز وجل أن كان إماما للموحدين. وكذلك كسر الأصنام. وكذلك أيضا عوضه بأن جعل له أبناء، أن كان إبراهيم قد بلغ سنا كبيرا، وليس له أبناء، حتى كانت امرأته عاقرا. فلما جاءوا بالبشرى، قال الله عز وجل: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالَ إِنَّمَا أَقُولُ هَذَا أَمْرِي رَبِّي رَحْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾. فانظر إلى هذه الآيات العظيمة التي بشر الله عز وجل إبراهيم بعد الكبر، بعدما بلغ كبيرا. فترك أباه الذي هو عز الناس إليه، وترك قومه؛ لما لم ينصاغ إليه، وحاجه قومه، قال: ﴿مَا تَحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ترك نبي الله عز وجل إبراهيم أباه وقومه، فصار إماما للموحدين، وصار كذا. عوضه الله عز وجل بأبناء بررة، وأبناء من الصالحين. بل رسل لله عز وجل، وأنبياء لله. عن إبراهيم له ولدان: إسماعيل وإسحاق، وكلاهما من الرسل الكرام، كلاهما من الرسل، من الأنبياء الذين اختارهم الله عز وجل، واصطفاهم. وهذا تعويضا عظيما جدا، عوض الله عز وجل نبيه إبراهيم بأن جعل له أبناء، جعل له أبناء بعد الكبر. وكذلك جعلهم من الصالحين، من البررة، بل من الرسل والأنبياء. وهذا من أعظم التعويض الذي يعوض به العبد، الذي يعوض الله عز وجل به عباده. وكذلك أيضا ما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم، من تركهم كثيرا ممن كانوا من أصحابهم. حتى جاء عن عكرمة، مولى ابن عباس رضي الله عنهما، أن قول الله جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾، نزلت في عقبة بن أبي معيط، كان صاحبا للنبي عليه الصلاة والسلام، وجاره. فجاء أبو جهل وكلمه، وسفهه، وقال: «والله لا تفعل كذا وكذا، وإلا جاورتك بك أو فضحتك أو كذا». فقام وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعاذه، ثم كان أشقى القوم بعد ذلك، كان أكثر الناس أذية للنبي عليه الصلاة والسلام. حتى لما قال أبو جهل: «من ينطلق إلى سلى جزور بني فلان، ويلقيها على ظهر محمد صلى الله عليه وسلم؟» فانطلق هذا الشقي عقبة بن أبي معيط، وهو أشقى القوم، كما قال ابن عباس. فانطلق أشقى القوم عقبة بن أبي معيط، قال مسعود رضي الله عنه: «فجاء بسلى جزور، ووضعه على رقبة النبي صلى الله عليه وسلم، رقبته الشريفة، صلوات الله وسلام عليه». قال مسعود: «والله ما استطعت أن أفعل شيئا لصغري». قال: «ثم ذهبت إلى فاطمة، فأخبرتها، فاطمة رضي الله عنها، فجاءت وألقت هذا السلا من على النبي صلى الله عليه وسلم، وسبت المشركين». فالشاهد من هذا أن هذا الرجل، كما ذكر، أن الآية نزلت فيه؛ لأنه كان مصاحبا للنبي عليه الصلاة والسلام، ثم ترك صحبة النبي عليه الصلاة والسلام. وأيضا كما قلنا: الصحابة رضي الله عنهم كان لهم أصحاب في مكة، هذا عبد الرحمن بن عوف، كان لميّ بن خلف صاحبه، وكانوا شركاء في التجارة، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، تركوا هؤلاء المشركين، ففازوا بصحبة النبي عليه الصلاة والسلام، وهي أعظم صحبة، وأشرف صحبة. وليس أولئك كفاهم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا، لم يبلغ نصف مد أحدهم، ولا نصيفه». حتى نصف، لو أنفق الصحابي نصف مد، لكان أعظم ممن ينفق غيره مثل جبل أحد. فهذه منزلة عظيمة عند الله عز وجل. بل ربنا جل وعلا قد رضي عنهم، وقد رضي عن طريقتهم، كما جاءت الآيات في هذا. فلهذا كما قلنا: أيها الأخ، فلا ينبغي لك أن تستمر في مصاحبة الأشرار. لا تقول مثلا: «هذا يضحك، هذا يفعل كذا»، وهو يتكلم على الناس، بل يكذب، يأتي بالكذب، بل يسب ويلعن. ومثلها بعض الناس مثلا اعتاد على اللعن، ما يجلس في مجالس إلا ويلعن ويسب. بل أحيانا يسب بعض الصالحين. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لعن المؤمن كقتله». ويقول: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». بل يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من الكبائر أن يسب الرجل والديه». قال: «وكيف يسب الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه». فهذا الحديث كلها في الصحيحين، بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الساب لا ينبغي أن يجلس معه؛ لأنه ينتهك حرمة الله جل وعلا. فلا يكون صاحبك سبابا لعانا، ولا يكون صاحبك صاحب فواحش وشهوات، وصاحب كلام بذيء. ولا يكون أيضا جلساؤك أهل الغيبة، وأهل النميمة، وأهل الفجور. ينبغي أن تترك مثل هؤلاء لله عز وجل. وثق بالله سبحانه وتعالى أنه سيعوضك أصحابا خيرا منهم، سيعوضك أصحابا خيرا منهم. ولهذا كان السلف رحمهم الله يذكرون أن من أفضل الأشياء في الدنيا هي صحبة الأخيار. كما كان عمر يقول: لما ذكر أشياء من أمور الدنيا العظيمة التي هي راحة للقلب، ذكر الصلاة، وذكر بعد ذلك: «وأصحاب يلتقطون درر الكلام». أو قال: «لا يلتقطون الكلام كما يلتقط الدر». وكذلك قال محمد بن واسع رحمه الله: «ليس في صحبة الدنيا شيء خير، أو ليس في الدنيا شيء خير إلا ثلاثة أشياء: الصلاة في جماعة، وصحبة الأخيار، والعيش الكفاف». وغيرهم من السلف رحمه الله، كان يشيدون بصحبة الأخيار، ويحذرون من صحبة الأشرار. فلهذا يا عبد الله، فالواجب عليك، وعلى كل مسلم، أنه يختار الصحبة الطيبة التي تقوده إلى الله جل وعلا. وإن كان له أصحاب يقودونه إلى الشر، ولو كان مشتركا معهم في مثلا شراكة بيع وشراء، أو شراكة كرة، أو كذا. فالواجب عليه أن يترك مجالستهم. ليس، لا نقول مثلا: «نهجرهم، ولا نكلمهم». لا، المراد أنك تترك مصاحبتهم ومجالستهم، تسلم عليهم، تأتي تسأل عن أخبارهم، تسأل عنهم، ما في شيء. وأيضا لا تنساهم من النصيحة، لكن لا ينبغي أن يكون هم وجلساؤهم وأصحابك. فالمرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل. وكما قال الشعر: «لا تسأل عن المرء، وسل عن قرينه، إن القرين بالمقارن يقتدي». فإن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.