من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه 8

الدرس في من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حب الوطن وأهمية الهجرة للعبادة

حب الوطن أمر فطري، لكن إذا تعذر أداء العبادة في الوطن، فيجب الانتقال إلى مكان آخر. الله تعالى يقول: ﴿إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون﴾.

تفسير آية الهجرة للمستضعفين وتطبيقها

تفسير آية من سورة النساء حول هجرة المستضعفين من مكة، وتوضيح سبب نزولها وتطبيقها على الصحابة الذين اضطهدوا. الآية تنطبق على من لم يستطع الهجرة.

فضل الهجرة في سبيل الله وتكفل الله لأجر المهاجرين

الهجرة في سبيل الله تعني ترك الأهل والمال والوطن للقتال مع رسول الله، وهي عمل ضامن على الله. الله تكفل بأجر من يهاجر في سبيله حتى لو مات في الطريق.

استمرارية مشروعية الهجرة إلى يوم القيامة

الهجرة باقية إلى يوم القيامة وتشمل الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام، ومن دار البدعة إلى دار السنة، ومن أي دار يؤذى فيها الإنسان. الهجرة لا تنقطع ما دام القتال في سبيل الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قائد الغر والمحجلين، عليه الصلاة والسلام. أما بعد، فخذنا في الدرس الذي مضى من الأمور التي هي محبوبة إلى النفس، ويتركها الإنسان لله جل وعلا، الصحبة، واليوم إن شاء الله تعالى أيضا نأخذ أمرا عظيما وشيئا محبوبا إلى قلوب الناس، وأحبوه بالفطرة، ألا وهو الأوطان أو البلاد التي ترعرع فيها الإنسان بين أهله وجيرانه وأصدقائه، وكذلك أيضا نشأ فيها، وقد يكون أيضا تزوج وأنجب في هذه البلاد، فما يسمى أيضا بالوطن، فهذه الأشياء أو هذا الوطن، هذه البلد، غالبا من فطرة الإنسان أنه يحبها، يحب المكان الذي نشأ فيه وولد فيه وترعرع فيه، وإن ابتعد عنه حن قلبه إليه. فقد قال الله عز وجل في أعظم سر في الانتقال وأعظم شيء في الانتقال: ﴿قل يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون﴾، ﴿إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون﴾، فبينت هذه الآية أن الله عز وجل يأمر عباده أنهم لا ينبغي لهم أن يكونوا في بلد لا يتمكنون من عبادة الله جل وعلا فيها، بل أرضه سبحانه وتعالى واسعة، فإن لم يستطيعوا أن يعبدوه في هذه الأرض ينتقل إلى أرض يعبدونه فيها ويتمكنون من عبادته سبحانه وتعالى فيها. وقال الله عز وجل في سورة النساء: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيما كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها أولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله﴾. فجاء في صحيح البخاري أن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر الصديق قال: «اكتبت في غزوة»، قال: «فخرجت معنا غزوة في أيام الفتن التي حصلت بين بني أمية وأهل مكة وأهل بصرة وأهل المدينة»، قال محمد بن عبد الرحمن: «فلقيني عكرمة مولى ابن عباس فقلت: يا عكرمة قد اكتبت في غزوة من الغزوات»، قال: «فنهاني عن ذلك»، قال: «فإني سمعت ابن عباس يقول: إن أناسا كانوا في مكة يكثرون سواد المشركين»، يعني كانوا من المؤمنين يكثرون سواد المشركين، «فلما خرجوا في بدر أصاب بعضهم سهاما فقتلوا»، فقال بعض المؤمنين من الصحابة: «هؤلاء منا»، كيف قتلوا؟ «هؤلاء منا أسلموا»، فقال: «فأنزل الله عز وجل: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾». قال ابن عباس: «كنت أنا وأمي من هؤلاء المستضعفين»، أنا ابن عباس من الولدان، وأمه من النساء، كانت أمه وهي لبابة بنت الحارث رضي الله عنها، أم الفضل زوجة العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، كانت مؤمنة وهي في مكة. فقال الله عز وجل: ﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾، معناه أرض الله واسعة، لماذا جلستم في مكة؟ لماذا أردتم البقاء في مواطنكم وعند أهليكم وعند أموالكم؟ لماذا لم تتركوها لله وقد أمر الله عز وجل بالهجرة وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن الناس يهاجروا من مكة؟ ثم قال الله عز وجل: ﴿ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة﴾، معنى أنه سيجد أماكن يلتصق فيها ويجلس فيها مثل ما كان جالسا في بلده، مثلا أحب الجلوس في بلده، كذلك أيضا سيذهب إلى بلاد أخرى وسيحب الجلوس فيها. وقال الله عز وجل: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله﴾، معنى أن الله عز وجل متكفل بأجره، متكفل به سبحانه وتعالى. وجاء في الحديث الذي يخرجه أحمد والبزار وغيرهما: «ثلاثة ضامن على الله»، ومنهم «من خرج من بيته في سبيل الله فهو ضامن على الله»، وكذلك جاء في الصحيحة ذكر الشيخ الألباني في الصحيحة عن جندب، مما يشهد لهذه الآية، أن جندب قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة»، فلما خرجنا من المدينة، قال: «فإذا براكب يسرع إلينا»، وقد شد وكأنه السراب من شدة جري، قال: «فجاء ووقف عندنا»، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «من أين أتيت؟»، قال: «أتيت من قبيلتي من عند أهلي ومالي وأولادي»، فقال: «وأين تريد؟»، قال: «أريد رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ها هو»، قال: «أريد أن أقاتل معك»، فأخذه النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «استوصوا به»، فلما خرج، وقعت فرسه في حفرة، فانقلب فوقع على رأسه فمات، فقيل للنبي عليه الصلاة والسلام: «إن هذا الرجل قد مات»، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام إليه ثم أعرض، قال: «أرأيتموني أعرضت؟»، قال: «فإني أتيته فرأيت عنده ملكان يطعمانه من طعام الجنة». فالهجرة باقية، الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، ومن دار البدعة إلى دار السنة، ومن دار التي يؤذى فيها الإنسان إلى الدار التي لا يؤذى، وغيرها مما سيأتي إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين.