الدرس في من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتحدث عن قاعدة 'من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه' مع التركيز على ترك الأرض أو الوطن لله، ويستشهد بكلام الإمام ابن العربي المالكي رحمه الله. يعدد أسباب ترك الأرض مثل الخوف من الظلم أو تفشي الحرام أو المرض.
يتناول أحكام الخروج من البلد أو البقاء فيها عند انتشار الوباء، ويستدل بالأحاديث النبوية وآراء العلماء في ذلك. يشرح آراء مختلفة حول ما إذا كان الخروج جائزًا أو لا في حالات الطاعون والوباء.
يُنبه على بعض الأمور التي يجب على المعتكفين مراعاتها في المسجد، مثل تقليل الكلام، عدم التصوير بالجوالات، والحرص على الوقت للعبادة. يُشدد على تحريم التصوير لما جاء في الأحاديث النبوية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإتمامًا لما كنا نطرقه من موضوع، ألا وهو القاعدة التي قررها العلماء: من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، وذكرنا أيضًا ترك بعض المحبوبات، كالملك والمال والصحبة. وآخرًا كنا نتكلم في ترك الأرض أو ترك الوطن لله عز وجل. وقد ذكرنا كلام الإمام ابن العربي المالكي رحمه الله، كما ذكره القرطبي في تفسيره عند قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾. فهذه الآية ذكر رحمه الله كلام ابن العربي في ترك الأرض، ومتى تترك الأرض. فقال -كما ذكرنا قبل ذلك- أنها تترك رهبة وطلبًا. تترك رهبة وخوفًا من شيء، وتترك أيضًا طلبًا. وذكرنا أو ذكر رحمه الله أن تركها خوفًا ورهبة يكون من ستة أشياء: ترك دار الحرب إلى دار الإسلام، وترك دار البدعة إلى دار السنة. لهذا كان كثير من السلف يخرجون من بعض المناطق التي كان يسب فيها الصحابة، كما فعل جماعة من الصحابة خرجوا من الكوفة؛ لأجل أن يسب عثمان فيها. وقال مالك رحمه الله: لا يحل لأحد أن يجلس في مكان يسب فيه السلف. يعني يحاول أن يخرج من ذلك المكان أو من هذه الأرض أو من هذه المنطقة التي فشى فيها سب الصحابة رضي الله عنهم. كما أن تكون مثلًا دولة أو منطقة رافضية. كذلك أيضًا ترك الأرض لأجل تفشي الحرام فيها، فيخرج إلى منطقة يفر بدينه من الفتن ومن الحرام، أن لا يقع فيه أو يقع أهله أو أولاده. أيضًا بقي بعض المسائل التي ذكرها، ومن ذلك ترك الأرض إذا استوخمت، يعني صارت فيها شيء مثل الجو الخامل الذي يأتي بالمرض ويأتي بالكسل. وكذلك أيضًا تركها لأجل الضرر بالمال. أيضًا قد ذكر رحمه الله أيضًا من الأمور التي تترك الأرض إذا كان الإنسان يخاف على نفسه أن يتضرر في بدنه، وأن يعتدى عليه. مثل ما حصل من نبي الله إبراهيم، خرج من حران إلى الشام، وكذلك نبي الله موسى خرج من مصر إلى مدين. وهكذا أيضًا كذلك كما قلنا إذا كان خشية أن يتضرر في ماله أو في أهله، يعني أن ينتهك عرضه. فهنا له أن يخرج من هذه البلد. وقد كان في زمن العباسيين تسلط بعض الباطنية على بعض البلاد كخراسان وغيرها، فكانوا ينتهكون أو يأخذون أموال الناس وينتهكون عِرضهم. لهذا خرج كثير من الفقهاء في ذلك الوقت. وكذلك حصل أيضًا قبلهم من الخوارج، كانوا أيضًا إذا استولوا على بعض المناطق يستحلون دماءهم وأموالهم وعِرضهم، حتى يستحلون نساء أولئك الناس. فتجد أن الناس يخرجون لأجل هذا، وهذا مطلوب شرعي، أنه يخرج خوفًا على ماله، خوفًا على أهله. وأعظم شيء هو الخروج أيضًا كذلك الخوف على دينه أن يتضرر في دينه. وقد كان أيضًا الناس هنا في زمن من الأزمان في هذه البلاد، عند تسلط الشيوعية الاشتراكية، أيضًا كانوا يتسلطون على أموال الناس، ومما سبب أن كثيرًا من أهل التجارة وغيرهم خرجوا من هذه البلاد وهاجروا إلى بلاد أخرى؛ لأجل أن لا تأخذ أموالهم. لأن من نظام الشيوعية الاشتراكية أن الإنسان لا يأخذ أكثر من شيء واحد، كان له معنى لا يجد له عندهم أن يكون له مثلًا بيتان أو سيارتان أو كذا. فيأخذون عليه أمواله ويعطونها الآخرين، ظنًا منهم أن هذا النظام الذي ينبغي أن يكون، لكن هو نظام ظالم. وأيضًا تجد أن الشيوعية أظلم من الرأسمالية، وإن كانت الرأسمالية فيها استبداد، لكن استبداد الشيوعية أعظم. فلهذا أهلكهم الله عز وجل وأسقط هذا النظام في قعر بيته. أيضًا كذلك كما قلنا من ترك الأرض خوفًا من الاستوخام، يعني أن يكون الجو فيه جو ممرض، وجو يعني أن يأتي بالكسل في تلك المناطق مثلًا، فيخرج الإنسان إلى ما يكون فيه نشاطه. واستدل الإمام العربي بهذا على ما جاء في الصحيحين في السنن، في حديث أنس، قد رواه عن أنس جماعة، رواه ثابت وقتادة وأبو قلابة وسليمان التيمي وغيرهم. أن أنسًا رضي الله عنه قال: إن قومًا من عُكل أو عُرينة جاءوا إلى المدينة وأسلموا، ثم إنهم أعيتهم المدينة -معنى الجو أعياهم وجوها يستوخموا- فأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يخرجوا إلى الحرة، يخرجوا خارج المدينة إلى الحرة عند رعي الغنم والإبل، فكانوا يشربون من الإبل من ألبانها وأوبالها حتى شفوا، ثم ارتدوا بعد ذلك كما جاء في الحديث. فشاهدنا أنهم خرجوا من تلك البلاد أو من المدينة عندما استوخموا. ومعلوم أن المدينة كانت أرض موبوءة قبل أن يأتيها النبي عليه الصلاة والسلام، ولهذا لما هاجروا كما جاء في الصحيحين في حديث عائشة، لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة مرض كثير منهم، حتى قالت عائشة: فدخلت على أبي بكر -دخلت على أبيها- وهو مريض به حمى، وكان يقول رضي الله عنه: وكل مرء مصاء في أهله، والموت أدنى من شراك نعله. فجاءت عائشة قالت: فقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: على ما أصاب الناس من الحمى؟ كان أبو بكر وبلال وعامر بن ربيعة وجماعة من الصحابة قد حموا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿اللَّهُمَّ لَعَنَ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ ابْنَ عُتْبَةَ وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ وَهُمْ أَخْرَجُونَا مِنْ مَكَّةَ اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ إِلَيْنَا مَكَّةَ اللَّهُمَّ انْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ﴾. فبعد ذلك كان حب المدينة حبًا عظيمًا مثل ما كانوا يحبون مكة، واستقرت أوضاعهم في المدينة. فهذا يعطينا أن هناك بعض الأماكن يكون فيها مرض أو يكون فيها شيء من الجو الخامل الذي يجعل الإنسان على كسل وغيره، فيخرج الإنسان لأجل هذا كما حصل لهؤلاء. وهل هذا يعارض ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من عدم الخروج من الأرض الموبوءة، ومن الأرض التي فيها الطاعون؟ فمعلوم أنه قد جاء في الصحيحين في حديث أسامة بن زيد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الطاعون شهادة لكل مسلم». وجاء في رواية: «الطاعون كان عذاب وخزي بعثه على بني إسرائيل، ثم كان في هذه الأمة، فمن مات به محتسبًا جالسًا في بلده، كانت له شهادة». إذا مات بهذا الطاعون. وجاء أيضًا كذلك في رواية من حديث وسامة. وجاء في حديث ابن عباس لما سار عمر رضي الله عنه إلى الشام، فلما كان بسرق، قيل لعمر رضي الله عنه: أنه قد ظهر الطاعون في الشام، حين انتشر الطاعون والوباء في الشام. والطاعون هذا مرض أصله مرض يأتي في المغاب -الغالب- معنا مثل التورمات، ثم يشتد، وإما أن يكون أسودًا أو أخضرًا -يعني يشتد وتحمر هذه- ثم تسود -معنا يكون فيها دم فاسد- فيؤثر على بعض الأماكن بعد ذلك وينتشر في الجسم، فهذا هو الطاعون أصلا. ثم أطلق على كل وباء ينتشر. وإلا فالطاعون مرض معين. لما جاء عمر رضي الله عنه إلى الشام، فقيل له: أن الشام قد ظهر فيها الطاعون. فقال: فقال ابن عباس: فقال لي عمر: ادعوا المهاجرين. قال: فدعوتهم، فجلس معهم، فمنهم من قال: أنك لا تقدم بالناس إلى الطاعون. ومنهم من قال: اقدم بهم، وإنما هذا من قدر الله. ثم دعا الأنصار فاختلفوا. ثم دعا كبار مشيخة الفتح الذين أسلموا في فتح مكة، قال: فلم يختلفوا عليه، وقال له: ارجع بالناس. ثم جاء عبد الرحمن بن عوف وأخبر بذلك، فقال: إن عندي علمًا بهذا، سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إذا سمعتم بأرض فيها الطاعون فلا تدخلوا فيها، وإن كنتم فيها فلا تخرجوا منها». وغيرها من الأحاديث التي جاءت في هذا. فهل هذا كما قلنا معارضًا؟ قال بعض العلماء كالإمام النووي رحمه الله: قالوا هذا لا يعارض هذا؛ لأن هذا بثبوت الوباء المنتشر بين الناس، فهنا لا يخرج الإنسان من تلك البلد. وأما إن كان فقط في جوها يخمل الإنسان ويكسل، ليس هو وباء وإنما يمرض لأجل الجو، ليس كما قلنا وباء منتشر، وإنما مما ركب مما خلق الله عز وجل في هذه المنطقة هذا الشيء. فمثل هذا لا بأس أن يخرج، وليس هو من باب الوباء، وإنما من كما قلنا باب الجو الذي يحصل في هذه المنطقة. ومن العلماء من قال: أن هذا الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم قبل النهي عن عدم الخروج من بلاد التي يحصل فيها الطاعون. ومن العلماء من قال -وهو اختيار جماعة من الصحابة، وفعلوه كعمر بن العاص وغيره- أنه لا يخرج إلى منطقة أخرى إذا كان مثلًا منطقة مبوءة وفيها مرض، فإنه إذا خرج الإنسان لا يخرج إلى منطقة أخرى ينشر ذلك أو قد ينتشر في المنطقة الأخرى، وإنما يخرج إلى الجبال والشعاب والأودية كما فعل عمر بن العاص رضي الله عنه. فقال: إن هذا الوباء يشتد كشعلة النار، فخرجوا إلى الشعاب والجبال فخرجوا، فأذهب الله عز وجل عنهم ما كانوا يجدونه من ذلك المرض. فهذا اختيار لبعض الصحابة. وإلا أكثر الصحابة كما قال النووي، وقول الجمهور: أنه لا يخرج، لا يجوز لأحد أن يخرج؛ إلا لمن كان خروجه معناه ليس فرارًا من الطاعون من الوباء، وإنما خرج لمصلحة، مثلًا له مصلحة في المنطقة الأخرى. فقالوا: له أن يخرج. وعما خروجه فرارًا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: فهذا الذي لا يجوز. فلهذا فالأرض المستوخمة كان معنا على القول الأول، كان من جوها، فهذا للإنسان أن يخرج من هذه البلد مثل ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أولئك أن يخرجوا. وعما إن كان طاعون ووباء حل فيهم وانتشر فيهم في ذلك الوقت، وهو موجود في هذه الأرض، فإنه لا يجوز له أن يخرج فرارًا من المرض، لا يجوز أن يخرج فرارًا من المرض. فهذا في هذا الباب. ثم ذكر رحمه الله -أي ابن العربي- أن الإنسان يخرج أيضًا من بلده طلبًا لا اختيارًا، معنى ليس هروبًا من شيء، ولا خوفًا من شيء، ولا اضطرارًا، وإنما يخرج اختيارًا. وهذا هناك ما هو للدين، وهناك ما هو للدنيا. معنى يخرج اختيارًا لدينه؛ لأن الله عز وجل شرعه له، أو لأمر الدنيا. ومن ذلك الحج، ومن ذلك الحج وهو فريض من فرائض الله جل وعلا، فأوجب الله عز وجل على الناس الحج: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. فأوجب الله عز وجل الخروج من البلد لأجل أن يحج الإنسان، وهذا فرض من فروض الله عز وجل. ومن استطاع على الحج فإنه لابد أن يحج، وإلا كما قال عمر رضي الله عنه: وإلا مات يهوديًا أو نصرانيًا. يعني لابد أن يذهب إلى الحج؛ لأنه ركن من أركان الإسلام. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. وأيضًا كذلك من هذا الخروج: السير في الأرض. الله عز وجل قد ذكر في آيات كثيرة يخاطب الكفار، وهي عامة أيضًا: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ وَكَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾، وغيرها من الآيات التي جاءت في هذا. والسير كما قال الإمام القرطبي هنا: المراد به السفر إلى الأماكن التي حصل فيها العذاب؛ لأجل الاتعاظ بالعبرة، وليس لأجل التسلي كما يفعله الناس الآن، وإنما لأجل أن يتعظ. كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. فمعنى أنتم الآن تمرون على هؤلاء، لماذا لا تعتبرون بمروركم على هؤلاء المعذبين الذين عذبهم الله عز وجل؟ وأراد الله عز وجل قوم صالح وديار ثمود، فإن الله عز وجل جعلها عبرة للناس، كانوا من أشد الناس بأسًا وقوة، ونحتوا الجبال وجعلوها بيوتًا، لكن الله عز وجل دمر بيوتهم وخرب عليهم ما كانوا بنوا. وأيضًا جاءتهم الريح فقتلتهم وكسرت أشياء كثيرة عليهم. فلهذا كما قلنا أيضًا يخرج المرء وهو مندوب، كما قال الحافظ القرطبي: كذلك أنه يندب ذلك، أنه يخرج الإنسان لأجل التفكر في مخلوقات الله جل وعلا، وكذلك فيما حصل من العجائب في الأرض، وما حصل أيضًا كذلك مما عاقب الله عز وجل به بعض الأمم. أيضًا كذلك من هذا الخروج الذي يخرج الإنسان طلبًا أيضًا للجهاد في سبيل الله. الجهاد في سبيل الله، وهذا من أعظم الأمور التي شرعها الله عز وجل، فيخرج المؤمن يجاهد في سبيل الله جل وعلا، ويجاهد المراد الجهاد هو قتال الكفار، قتال الكفار والذين لم يستسلموا لدين الله عز وجل، أي لم يدفعوا الجزية، ولم كذلك يكون بينهم بين المسلمين عهد أو أمر استئمان. فالله عز وجل يقول: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. وهذا الجهاد له ضوابط وأمور وشروط، وليس هذا بابه. طيب أيضًا من الأمور التي أيضًا ذكرها: طلب العلم. فطلب العلم، الخروج لطلب العلم أيضًا من الأمور الشرعية، بل أحيانًا تكون واجبة. وأول من رحل لطلب العلم نبي الله موسى عليه السلام، رحل إلى الخضر كما بيّن الله عز وجل في سورة الكهف. وكذلك أيضًا خرج جماعة من الصحابة من بلادهم إلى بلاد أخرى. خرج جابر من المدينة إلى الشام بسبب حديث واحد، أراد أن يسمعه من عبد الله بن أنيس. وكذلك خرج أبو أيوب الأنصاري إلى مصر من المدينة إلى مصر؛ لأجل أن يسمع حديثًا من عقبة بن عامر رضي الله عنهم. وهكذا أيضًا توالت رحلات السلف في طلب العلم، حتى أن الرجل كان يخرج من بلده ولا يعود إلا وهو رجل كبير، يعني يخرج أحيانًا ثلاثون سنة أو أكثر، مثلما فعل ابن القاسم رحمه الله، خرج من بلاده إلى مالك في المدينة، وجلس عنده سنوات كثيرة. حتى أنه لما جاء ولده -لأنه ذهب وزوجته حاملة- فجاء ولده إلى المدينة، فلم يعرفه إلا قال: لما ضممته رأيت رائحة الولد. فهذا العلم معناه رحل العلماء وحصلوا العلم الكثير. وبعضها العلم يستدل بقول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. أن يخرج في طلب العلم حتى يرجع إلى قومه، وأيضًا يبين لهم ويعلمهم ويبين لهم أحكام الله عز وجل. أيضًا كذلك من الأمور التي ذكرها رحمه الله في الخروج من البلد في طلب المعيشة. طلب المعيشة معناه الإنسان مثلًا ما استطاع أن يتحصل على عمل في بلده، فيخرج لذلك. فهذا أيضًا أمر مشروع، بل قد يكون واجبًا كما قال الإمام ابن العربي: فقد يكون واجبًا على الشخص أن يخرج؛ لأنه وكله الله عز وجل بأهله، وأمره أن يعولهم. وقد جاء في الحديث الذي يخرجه الإمام مسلم: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يملك قوته»، «أن يضيع من يعول» كما في رواية أبوداود. فالواجب على المسلم أنه يكد على أولاده وأهله، وأنه يأتي لهم بما يكفيهم من الطعام والشراب واللباس، فهذا واجب. فإن لم يتحصل ذلك في أرضه وخرج لأجل هذا، فهو أمر شرعي، بل هو أمر كما قلنا واجب. وأحيانًا يكون الخروج لأجل التجارة، لأجل التجارة والزيادة في الكسب، وهذا أمر مشروع. فقد شرعه الله، فقد قال الله عز وجل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾، هذا في الحج. فقال العلماء: أن الله عز وجل أجاز التجارة في الحج، أجاز الخروج للتجارة في الحج، فمن باب أولى في غيره. فلهذا فإنه يجوز للإنسان أن يخرج إلى أماكن التجارة، وكذلك لزيادة الكسب، ما لم يكن ذلك مضرة عليك، أن يذهب إلى بلاد الكفار ويذهب شيئًا من دينه، أو يذهب إلى التجارة وينهمك فيها ويغفل حتى أنه يضيع على نفسه الصلوات ويضيع دينه، فهذا لا يجوز. لكن إن كانت هذه التجارة يتاجر بها وهو حافظ لدينه، فهذا أمر مطلوب، فقد قال الله عز وجل: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾. فلم تلههم تجارتهم ولا بيعهم عن ذكر الله وعن الصلاة. فإن كان هذا فهو مشروع، له أن يخرج، فقد أجاز الله عز وجل البيع والشراء والتجارة في أيام الموسم -الحج- فمن باب أولى في غيرها، فلا بأس أن الإنسان يفعل ذلك ويخرج من بلده. فهذا أيضًا من الأسباب الشرعية التي أجاز الله عز وجل فيها الخروج إلى بلد أخرى، أو يخرج من هذا الوطن إلى وطن آخر. فهذه بعض الأشياء التي ذكرها في الطلب، وهناك أيضًا أشياء بقيت. ولعل إن شاء الله قد أطلت، فأكتفي بهذا. والله تعالى أعلم. الحمد لله رب العالمين. هنا يقول: لإخوة تنبيهات تنبيهات للمعتكفين. قال الأول: نصيحة عامل للمعتكفين، أو للمعتكفين على حقيقة الاعتكاف، هو أن المعتكف يخلو بالله جل وعلا، ويخلو بأن يتعبد الله سبحانه وتعالى، وفيأتي المسجد لأجل هذا. فهذا هو الاعتكاف، ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا اعتكف فدخل خيمته وذكر الله عز وجل فيها. فالاعتكاف أصله هو أن الإنسان يجتنب الناس واختلاط الناس، ويكون مع ربه سبحانه وتعالى، يدعو الله ويقرأ القرآن ويذكر الله. فيحافظ على الأوقات، يحافظ على وقته أن لا يضيع. فجلوسه في المسجد عبادة وطاعة لله عز وجل، وكذلك أيضًا عبادته لله عز وجل تكون أعظم وأكثر من خروجه مثلًا إلى أماكن أخرى غير المسجد. فلهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى ليلة القدر، فكان يعتكف حتى يكون المعتكف الذي يعتكف معناه يحافظ على وقته، يحافظ على وقته. فلهذا لا ينبغي للمعتكف أنه يعتكف لأجل أصحابه، أنه يريد أن يجلس معهم أو يريد أن يختلط بهم، لا هذا خطأ. فأيضًا كذلك لا يجعل المعتكف الذي له مكان للمحادثة كل أحيانًا يأتي هذا وهذا، أو بعض المعتكفين يجتمعون دائمًا، فهذا خطأ أيضًا. أما مثلًا كان جاءه أحد زائر، فهذا من أهله أو من غيره، فهذا ما في شيء، فقد كان أزواج النبي عليه الصلاة والسلام يأتون إليه عليه الصلاة والسلام، كما جاءت صفية إلى المسجد وزارت النبي عليه الصلاة والسلام. قال أيضًا: عدم اللعب بالجوالات، وهذا من هذا الباب، معناها تضيع الوقت في التقليب في الجوالات. فأنت أتيت إلى المسجد وأعتكفت لأجل أن تحافظ على وقتك، وهذه الجوالات تسرق الوقت تسرق الوقت على الإنسان، وخاصة إذا كان فيها شيء من الحرمات من الصور التي لا ينبغي أن تظهر، خاصة في المسجد، فهذا مما لا ينبغي أن يفعل، خاصة المعتكف لا ينبغي أنه يظهر الصور، وأيضًا الأشياء النساء وغيرها في الجوالات. وكذلك أيضًا كما ذكرنا من تضييع الوقت. وأيضًا هنا نبه أيضًا على السن المعتبر على المعتكف. وقد ذكروا الإخوة في ظهر الغد أن الذي يريد أن يعتكف يكون أكثر من عشرين سنة، يعني ما دون العشرين لا يقبل، ما دون العشرين لا يقبل؛ لأجل مثلًا كثرة المعتكفين، وكذلك غالبًا الصغار يعملون فوضى، وأيضًا يؤذون المعتكفين، وهذا خطأ. فلهذا عمل الإخوة هذا الشيء، فقبلوا من كان من العشرين وفوق، وما كان دون العشرين فلم يقبلوه. ومن كان كذلك فالأولى أنه لا يعتكف، إن أراد أن يجلس في المسجد لا بأس يجلس، أما أنه يأخذ معتكف، فهذا يضايق الناس، وخاصة الكبار الذين يعرفون ما هي مهمة المعتكف. بعض الشباب -نسأل الله عز وجل أن يهديهم- وهذا أيضًا من حرصهم وعنايتهم الله، وكذلك من حبهم للخير يأتون إلى المسجد لأجل الاعتكاف، لكن تجد أنهم اعتادوا على الضحك واعتادوا على المزاح واعتادوا على الفوضى، فلا يفرقون بين مسجد وغيره. فمثل هؤلاء لأجل هذا كما قلنا قال الإخوة: أنهم يحتاجون إلى الإخوة الكبار. من كان من عشرين وما فوق. أيضًا هنا قال: البعد عن المظاهر المخلة بالمعتكف، وهذا قد ذكرنا قبل ذلك، وأن المعتكف ينبغي عليه أن يأتي بحقيقة الاعتكاف، وأيضًا يتفكر فيما جاء به إلى المسجد. قال: ترك الإزعاج من الأولاد، أيضًا هذا قد ذكرناه هنا أيضًا. قال: تنبيهات لكل المعتكفين. قال: تقليل من الكلام والحرص على الوقت وعدم اللعب بالجوالات، هذا ذكرناه. التقييد بالسن المحدد، قال الإخوة القائمين -الإخوة القائمون على المعتكف- والذي هو أقل من العشرين يراجع الإخوة، يعني يذهب للأخوة إذا كان أقل من العشرين، فلعلهم يسمحون له. والله أعلم. قال: عدم التصوير بالجوالات في المسجد، وهذا أيضًا من الأمور التي ينبغي التنبيه عليها. سلب التصوير بالجوالات، أن بعض الناس يأتيه الأمر في التصوير حتى يتصور في أماكن العبادة، فهذا قطعًا لا يجوز، التصوير منهي عنه. وإن كان مثلًا بعض العلماء يرخص، لكن الأصل أن هذا منهي عنه، التصوير منهي عنه، قد جاءت الأحاديث المتكاثرة عن النبي عليه الصلاة والسلام في النهي عن التصوير، وأن أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون، وأن يقال لصاحب المصور: أحيي ما صورته، وأنفق فيه الروح، وليس بنافث. فهذه أيضًا الأدلة التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام تحرم التصوير من التصوير؛ إلا ما جاء الدليل باستثناء. فهنا فالأولى للإنسان بل الواجب أنه لا يفعل ذلك في المسجد، من باب الاحتياط، أنه لا يفعله في المسجد في أماكن العبادة. فلهذا يحذر الإخوة من هذه الأمور، ويحاول المعتكف أن يقوم بما هو حقيقة الاعتكاف، وما جاء لأجله، وهو العبادة لله جل وعلا، وأيضًا الحفاظ على الأوقات، حتى يأتي أو حتى إذا جاءت ليلة القدر وهو محافظ على وقته ومحافظ على طاعته. فيكون وقته وليلته كلها عبادة لله جل وعلا، ويومه ويوم صيامه كله لله سبحانه وتعالى. ولهذا كان بعض السلف يجلس في المسجد إذا صام، كما كان يفعل أبو هريرة رضي الله عنه، كان أبو هريرة وأصحابه إذا صاموا يجلسون في المسجد. يقولون: نحفظ صيامنا. يقولون: نحفظ صيامنا، أن نجلس في المسجد لأجل الذكر لله عز وجل، وأيضًا بعيد عن الفتن. فالمسجد مكان عبادة وطاعة، فهذه بعض التنبيهات التي ذكرت، فإن شاء الله نكتفي بهذا. والله وطاعة وطاعة، اشتركوا في القناة.