من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه 5

الدرس في من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

قصص بني إسرائيل والأنبياء

يتحدث هذا الفصل عن قصة بني إسرائيل وفسادهم وعاقبتهم، وكيف سلط الله عليهم بختنصر بسبب ذنوبهم. ثم يذكر قصة ولادة نبي من بني إسرائيل.

داود وسليمان وملكهم العظيم

يتناول هذا الفصل قصة طالوت وجالوت وداود عليه السلام، وكيف قتل داود جالوت واستولى على بيت المقدس، ثم ورث سليمان ملك أبيه.

عوض الله لمن ترك شيئا لله وتطبيقاته

يشرح هذا الفصل قاعدة إسلامية وهي أن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه، مستشهدا بقصة سليمان وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

التحية الإسلامية ومفهومها

يبدأ هذا الفصل بالتحية الإسلامية التقليدية وهي السلام عليكم ورحمة الله، وهي تحية متبادلة بين المسلمين تعبر عن الترحيب والمودة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله محمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإن شاء الله تعالى، كما قد ذكرنا في هذا الوقت، نذكر شيئا مما جاء في القاعدة المعروف: "من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه". اليوم، إن شاء الله تعالى، نأخذ نموذجا من النماذج التي جاءت في القرآن، وفيها أيضا من هذا الباب العظيم الذي فيه عوض الله عز وجل من ترك المباحات وترك الحلال، لكن لأجل الله عز وجل، ولأجل أن لا يشغله عن طاعة الله. فمثال هذا ما جاء في قصة نبي الله سليمان ابن داود عليهما السلام. فنبي الله سليمان اعتاد على ما اعتاد عليه، أو كان على ما عليه من الملك العظيم الذي صار لبني إسرائيل. ومعلوم أن الله عز وجل يقول: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾. فهذه الآيات بين ربنا جل وعلا أن بني إسرائيل يفسدون، وأعظم فساد لهم قتلهم الأنبياء وتركهم أيضا شريعة موسى. فقال الله عز وجل: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾. يقال أنها مرة بعد بعدما مات يشع بن نون، الذي هو خليفة موسى عليهم السلام، والمرة الثانية بعد أيضا بعدما صار الفساد فيهم. أرسل الله عز وجل إليهم بختنصر، فقتلهم وخرب بيت المقدس. وتجد أن الله عز وجل أعطى فرصة عظيمة لبني إسرائيل، لكنهم أرادوا الفساد وقتلوا الأنبياء. فصلت الله عز وجل عليهم بختنصر، الذي هو من ملوك العراق، من ملوك بابل. فسمع ببيت المقدس، وأن فيه بني إسرائيل قد فسدوا، فسلط الله عز وجل عليهم. وكانوا فيهم أنبياء، كان فيهم دانيال وأرميا وغيرهم من أنبياء بني إسرائيل، لكنهم كان فسادهم أعظم. فسلط الله عز وجل عليهم بختنصر، حتى جاء في بعض الإسرائيليات عن ابن عباس وعن غيره، أنه قال: "بني إسرائيل لدانيال أو نبيهم أرميا، قالوا له: لما سلط علينا بختنصر؟ قال: إنما سلط عليكم بذنوبكم". كما ذكر ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله. فلهذا لما كثر الفساد، سلط الله عليهم بختنصر، فخرب بيت المقدس وقتلهم. وأراد أن يقتل غيرهم، لكن أراد أن يقتل الأنبياء، لكنه أراد أن يأخذهم أسرى. فأخذهم أسرى إلى بابل، فأراد أن يقتلهم، فلم يستطع. فألقى دانيال إلى الأسد جوع أسدا، وألقى عنده دانيال، فوجد أن الأسد كان يلحث دانيال ويطأطئ عليه. فلهذا كان بنو إسرائيل يفخرون بدانيال، ويجعلون علامة الأسد عليه. وجاء ذلك عن بعض السلف، كما عن وهب بن منبه وغيره، أنه ذكر مثل هذه الأشياء. المهم أنه بعدما خرب بيت المقدس، و صار بنو إسرائيل متفرقون، أن خرجوا من ديارهم وأموالهم التي كانوا معهم في بيت المقدس، وتفرقوا في البلاد. فحاول بعض من يندم مما حصل منه ويرجع. فقالوا لنبيهم: "أن بعدما حصل الخراب...". وقالوا: "أن امرأة صالحة كانت من بني إسرائيل ولدت ولدا، واسمه شمعون أو شمويل". وهذا الولد كان من بقايا بني إسرائيل، من أبناء الملوك، من أبناء بنيامين. فالمهم ذكروا ذلك، فولدت هذا الولد، فقيل للملك الذي كان الملك الذي كان في ذلك الوقت، أن معنى قالوا له الكهنة: "أنه سيولد لك ولد وسيأخذ ملكك". فقام وفعل مثل فرعون، قد قتل هؤلاء الأولاد. لكن حمى الله عز وجل شمويل من ذلك، فكان نبيا من أنبياء الله عز وجل. فقالوا له قومه: "ألا ترى ما حصل لنا؟ أننا خرجنا من ديارنا وشتتنا...". فقال لهم: "هل لكم في القتال؟ أن تريدون أن تقاتلوا هؤلاء الذين أخذوا بيت المقدس؟". قالوا: "نعم". وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله، وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا؟. وذكر هذه القصة ربنا سبحانه وتعالى في سورة البقرة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ثم ذكر الله عز وجل أنه جعل لهم طالوت ملكا، فاعترضوا. قالوا: "أن يكون عليه الملك، ونحن أحق بالملك منهم، ولم يؤت سعة من المال؟". قال: "إن الله زاده عليكم بسطة في العلم والجسم، والله يؤتي ملكه من يشاء". فالمهم أنهم قاتلوا مع طالوت، وحصل ما حصل. واختبرهم طالوت، لأنهم كانوا ليسوا على نية شديدة. فلما كتب عليهم القتال، تولوا إلا قليلا منهم. فلهذا اختبرهم بالنهر. فمن شرب منه، فليس مني. ومن لم يطعم منه، فإنه مني، إلا من اقترف غرفة بيده. فشربوا منه إلا قليلا منهم، يعني الذين تولوا كثير، بقي القليل. ثم لما امتحنهم بالماء، شرب أكثرهم إلا قليلا. خرجوا مع هذا الملك طالوت. وذكر الله عز وجل قصتهم لما دخلوا إلى بيت المقدس. أولا ترددوا، ثم أنعم الله عز وجل على بعض الصالحين الذين كانوا في الجيش. فقالوا: "عزموهم حتى دخلوا إلى بيت المقدس، وقتلوا هؤلاء الذين كانوا فيه". وكان فيهم جالوت، فقتل داود جالوت. وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء. كان في الجيش داود عليه السلام، فقتل جالوت كبير هؤلاء الذين كانوا ملوك الذين كانوا في القدس في بيت المقدس. واستولى طالوت الذي كان الملك، وشمعون الذي كان نبيا من أنبياء الله عز وجل، استولوا على بيت المقدس. ثم يقال أن طالوت مات، أو أنه تنازل للملك لداود. وكان داودا شجاعا، وكان شديدا في الحرب. فأعطاه الله عز وجل أعظم أمرين: أعطاه النبوة والملك. فأتاه الله عز وجل الملك والحكمة. والحكمة النبوة. ثم أن داود اهتم بمسألة القتال، لأن أعداء بن إسرائيل في ذلك الوقت كانوا كثير. فاهتم عليه السلام بالقتال، وكان يصنع دروعا للقتال، وهو أول من صنع الدروع. فنصره الله عز وجل. ثم أن ولد له سليمان، نبي الله عليه الصلاة والسلام. فأكمل مسيرة أبيه في الجهاد في سبيل الله، والاستيلاء على من لم يؤمن بالله جل وعلا. فسادت له الأرض، كان من الملوك العظام في ذلك الوقت. وقصته قد ذكرها الله عز وجل مع ملكة سبأ. فكان يحب الجهاد في سبيل الله، وكان يحب الخيل الجياد، وكان ينظمها. فذات مرة حصل له أنه أتى بهذه الخيول، وكان يرتبها وينظمها لأجل الجهاد في سبيل الله. وكانت محبته في ذلك. فمن كثرة انشغاله بهذه الخيول، نسى صلاة العصر حتى كاد يخرج وقتها أو فاتت. فذكر الله عز وجل أنه قال: "والله لا يفتنني أحد عن الله، ولا يبعدني أحد عن الله". قال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾. فقال: "ردوها علي". فطفق مسحا بالسوق والعناق. وقتل ودبحها، معنى لأنها أشغلته عن صلاة العصر. فذبحها لأجل أن يأكلوها. خلاص، معنى كانت محبته للخير، ثم ترك هذه المحبة لأنها أشغلته عن طاعة الله جل وعلا. ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ * قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب. والشياطين كل بناء وغواص. وآخرين مقرنين في الأصفاد. أنه حبسه مردة الجن، لم يجعلهم يفعلوا شيئا. ومن أطاعه من الجن، فك أسره. فمنهم من يغوص له في البحر، فجعل الله عز وجل له خيرا من الخير أولا. أعطاه الريح، وهذه الريح لم يعطيها الله عز وجل أحدا لا قبل سليمان ولا بعده. فأعطاه الله عز وجل الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب. قد ذكر الله عز وجل في سورة سبأ: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾. معنى الغدو الذي تغدوه مثل مسيرة شهر. معنى وهي تذهب الغدو في الصباح فقط. وأيضا في رواحها شهر. غدوها شهر ورواحها شهر. وأسلنا له عين القطر. الآن الله عز وجل له النحاس والحديد. فلهذا كما قلنا مكنه الله عز وجل، أي مكن سليمان من هذه الريح التي أعطاه الله عز وجل بسبب أنه ترك الخيل لله. فعوضه الله عز وجل الريح التي هي خير من الخيل. وعوضه الله عز وجل أن جعل الجن تحت تصرفه وتحت أمرته. وأيضا منهم من يبني له، ومنهم من يغوص في البحار، يأتي له باللؤلؤ والمرجان وغيرها من هذه لهذا ملك كنوز الأرض عليه السلام. فهذا مثال من الأمثلة العظيمة التي في القرآن، تبين هذه القاعدة: "أن من ترك شيئا لله ولو كان هذا الشيء مباح ولو كان من ماله، معنى من ماله الذي اختص به، فإنه إذا تركه لله عز وجل، لا شك أن الله عز وجل يعوضه". فهؤلاء أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام تركوا أموالهم وديارهم لأجل الله جل وعلا. الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق، إلا أن يقولوا: "ربنا الله". فهؤلاء الله عز وجل وعدهم أولا وعدهم بأعظم شيء: أنه الجنة. فقال: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾. والله عنده حسن الثواب. يثيبهم الله عز وجل في الآخرة، وهو أعظم شيء. وأيضا كذلك زد على ذلك أن الله عز وجل أظهرهم في هذه الأرض. أنا جعل اكتسحوا أرض الدنيا كلها أو أكثرها. وصاروا هم الملوك، وصاروا أيضا هم الذين يحكمون الأرض. وقد كانوا فقراء ما عندهم شيء. فتركوا أموالهم وتركوا ديارهم، فعوضهم الله عز وجل بأن صارت الأموال والدور كلها تحت ملكهم. فهذا من أعظم الأمور التي تذكر. قد ذكر ذلك أيضا الشيخ سعد رحمه الله فيما ذكره في القاعدة التاسعة والستون من القواعد الحسان: "من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه". وذكر من الأمثلة هذا المثال: مثال الصحابة رضي الله عنهم لما تركوا أموالهم وتركوا ديارهم لله عز و عوضهم الله خيرا منه. وانظر ما ذكره الإمام الطبراني، وذكره كذلك من السير في السيرة. وإن كان في الإسناد شيء، لكن اشتهر في السيرة. لما خرج صهيب، وهذا مثال من أمثلة الصحابة رضي الله عنهم. لما خرج صهيب رضي الله عنه من مكة، تبعه أناس من أهل مكة. وكانوا أهل مكة كفار قريش، ما يخرجوا أحد إلا ويتبعونه لأجل أن لا يخرج شيء من ماله. فيقول له: "إن أردت أن تخرج أخرج بدون شيء". فصهيب لما خرج، تبعه بعضهم. فقال: "والله إنكم لتعلمون أني أفضلكم رميا، وإني لو أخرجت أسهمي من كنانتي لأصبتكم واحدا". لكن ماذا تريدون؟. قالوا: "جئتنا فقيرا، وأنت الآن معك كذا وكذا من المال". فقال: "انظر إلى خربة فلان أو الخربة الفلانية، وخذوا ما فيها". وكان فيها ذهبا وكذا. فالمهم أعطاهم ماله وخرج. فلما وصل إلى المدينة، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال له النبي عليه الصلاة والسلام: "ربح البيع يا أبا يحيى، ربح البيع يا أبا يحيى". فقال: "والله يا رسول الله، ما أخبرك إلا جبريل". معنى ما في أحد يعلم هذه الأشياء. فالمهم هذا نموذج من النماذج التي كانت مع الصحابة، أو من الصحابة رضي الله عنهم. فتركوا رضي الله عنهم ما معهم من الأموال، وما معهم من الدور، بل تركوا بلادهم التي كانوا فيها. لم ينظروا إلى وطن، إلى كذا، لم ينظروا. قالوا: "هذا وطننا، ما سنخرج". لما أمرهم الله عز وجل بالهجرة، هاجروا وتركوا هذه الديار، لأنهم لا مصلحة لهم في إقامة في هذه الدار، وهم لا يستطيعون أن يقيموا دينهم. وإلا النبي عليه الصلاة والسلام لما خرج من مكة، بكى. وقال: "والله إنك لا تحب البلاد إلي، ولكن قومك... قومك أخرجوني". أو قال: "ولولا أن قومك أخرجوني لما خرجت". لكنه خرج النبي عليه الصلاة والسلام طاعة لربه جل وعلا. وخرج الصحابة كذلك طاعة لله سبحانه وتعالى. فمكنهم الله عز وجل في الأرض، وجعلهم سادة وملوكا، وجعلهم كذلك حكاما على أهل الأرض. فهذا أيضا من هذا الباب. ولعل إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، ونكمل في درس لاحق. فنكتفي بهذا. السلام عليكم ورحمة الله.