من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه 4

الدرس في من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تطبيق قاعدة من ترك شيئا لله في قصة يوسف عليه السلام

يتحدث عن قصة يوسف عليه السلام كتطبيق لقاعدة من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه، حيث ترك يوسف الفاحشة وعوضه الله خيرا منه. كما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أمثلة أخرى لعباد تركوا شيئا لله فعوضهم الله خيرا منه.

كرامات من ترك الفاحشة لله تعالى وقصص المتقين

يذكر عدة قصص عن أناس تركوا الفاحشة امتثالا لأمر الله تعالى ونالوا كرامات كبيرة، منها قصة جريج الراهب والكفل ورجل آخر جاءته امرأة بغي. كما يروي عواقب ترك الفواحش وعاقبة العشق المحرم.

عواقب ترك الفواحش والتحذير من العشق المحرم وأحكام الصيام

يروي قصصا عن عواقب ترك الفواحش وعاقبة العشق المحرم، ويذكر أحكام الصيام مثل صوم المرأة التي شربت ماء أثناء الاغتسال ورجل جامع زوجته في نهار رمضان دون علمه بالكفارة.

حكم الكفارة في حالة الجهل بالتحريم أو بالكفارة وتوضيح الأحكام

إذا كان الشخص لا يعلم بتحريم الفعل فلا شيء عليه، أما إذا كان يعلم بالتحريم ولا يعلم بالكفارة فعليه الكفارة، مستندا إلى مثال الرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإتماما لما تكلمنا فيه من موضوع "من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه"، فإن شاء الله تعالى في هذا الدرس نأخذ بعض النماذج التي فيها تطبيق لهذه القاعدة، وكذلك أيضا أمثلة جاءت في الكتاب والسنة لما عوض الله عز وجل من ترك شيئا له سبحانه وتعالى. ولله عز وجل فتركه، فعوضه الله عز وجل خيرا منه. ونبدأ إن شاء الله تعالى بمثال من القرآن، ولا شك أنه قصة يوسف عليه السلام. فإن هذه القصة، عباد الله، قصة عظيمة فيها عبر، قد سردها ربنا جل وعلا في سورة كاملة. وقبل هذا، كما هو معلوم، أن يوسف عليه السلام ترك الزنا، وعوضه الله عز وجل تعويضا عظيما في الدنيا والآخرة. فمعلوم أن الزنا فاحشة عظيمة، سماها الله عز وجل فاحشة، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾. وقوله جل وعلا: ﴿ولا تقربوا﴾ فيه النهي عن فعله، وكذلك عن أسبابه، عن فعل أسبابه المؤدية إليه، كالنظر والقبلة وغيرها من هذه الأشياء التي تؤدي إلى هذه الفاحشة. وأيضا كذلك تجد أن هذه الفاحشة عظيمة، حتى أن الله عز وجل يغار غيرة عظيمة. في حديث الكسوف الذي جاء في الصحيحين، في حديث عائشة وأبي موسى وغيرهم، النبي عليه الصلاة والسلام في خطبة الكسوف قال عليه الصلاة والسلام: "وإن الله عز وجل لا يغار أن يزني عبده أو تزني أمته". أن الله عز وجل لا يغار، فإن الله عز وجل يغار من هذا الفعل، أن العبد عبده الذي خلقه سبحانه وتعالى، والذي سخر له النعم، فيذهب إلى هذه الردائل وإلى هذه الفواحش، مثل الزنا، مثل أيضا كذلك إتيان الذكران، التي أيضا سماها الله عز وجل فاحشة: ﴿أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون﴾. وهذه التي سماها كثير من العلماء اللواط، لأنها حصلت أول ما حصلت في قوم لوط: ﴿ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾، فنسبت إليهم. فهذه أيضا فواحش عظيمة لا ينبغي للمؤمن، بل الواجب على المؤمن أنه يبتعد عنها ويبتعد عن أسبابها. وتجد أن أسباب هذه الفواحش الآن كثرت، وطرقها كثيرة. فالواجب على المسلم أنه لا يدخل هذه الطرق، وإن ابتلي بشيء من هذا فيتق الله عز وجل. فهذا نبي الله يوسف عليه السلام ابتلي بهذا، وهو لم يأت أو لم يأت بشيء من الأسباب التي تؤديه إلى ذلك، ولا سلك شيء من الطرق، بل ابتلاه الله عز وجل. فكان كما قال العلماء: دواعي إتيان هذا الفعل من يوسف، دواعيه موجودة. أولا لأنه شاب، وشهوة الشاب قوية، وكذلك أيضا ليس له زوجة ولا سرية، وكذلك أيضا هو أعزب، كما قلنا ليس له زوجة ولا سرية. وكذلك أيضا غريب، ليس من أهل تلك الأرض، ليس هو من مصر، وإنما كان أبوه يعقوب عليه السلام وإسرته كانوا يعيشون في سيناء. وكذلك أيضا هو مملوك لهذه المرأة، معنى خادما عندها، وشروه بثمن بخس دراهم معدودة. فهذه الأشياء تمثلت في يوسف عليه السلام، وكذلك في هذه المرأة التي دعته، أولا امرأة ذات منصب، امرأة العزيز عزيز مصر. وكذلك لا شك أنها تكون جميلة، لأن غالبا الملوك ووزراؤهم وكذا يختارون النساء الجميلات. وكذلك أيضا غياب الرقيب، لأنها في ملكها في مكانها. وكذلك أيضا هو خادم عندها ومطيع لها. وكذلك أيضا قد هيأت الأمور بتغليق الأبواب، فكما قال الله عز وجل: ﴿وقالت هيت لك ولقد هم بها وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾. فهذه المرأة هيأت هذه الأمور لأجل هذه الفاحشة، لكن الله عز وجل عصم نبيه يوسف عليه السلام أن يقع في شيء من هذا. فقال الله عز وجل: ﴿ولقد همت به وهم بها﴾. وقد تكلم العلماء في "هم" يوسف. أما "همها" معروف وظاهر أنها أرادت هذه الفعلة. لكن ما هو "هم" يوسف عليه الصلاة والسلام؟ أكثر المفسرين على أن "هم" يوسف أي أنه هم همة طبيعية، همة النفس، لأن النفس تقود إلى هذه الشهوات، فنفسه دعته إلى هذه الشهوة، "همت" أي دعته إلى هذه الشهوة وإلى هذا الفعل، لأنه بشر ونفس أمارة بالسوء. ومن العلماء من قال: لم يهم بذلك، وإنما هم بممانعتها، لأجل أن لا ينسب إلى نبي الله عز وجل شيء من هذه الأمور. وبعضهم يقول: أن الله عز وجل قال: ﴿ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه﴾ أي لولا أنه رأى برهان ربه لهم بها. والمهم أنه لم يفعل ذلك، بل تركه اتقاء ربه جل وعلا: ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾. قال أكثر المفسرين: "برهان ربه" أي ما نهاه ومنعه. ومنهم من قال: أنه تصور له أباه. ومنهم من قال: شيء من هذا. أي المهم أنه تركه لله، وهناك وازع جعله يترك هذه الفاحشة، وهذا الوازع هو إخلاصه لله جل وعلا: ﴿إنه كان من المخلصين﴾. إخلاصه وإيمانه بالله سبحانه وتعالى، فترك نبي الله عز وجل يوسف هذه الفاحشة، فعوضه الله عز وجل تعويضا عظيما، فجعله عزيزا لمصر، ثم صار ملكا لمصر. ويقال في الإسرائيليات: أن هذه المرأة، أبراءة العزيز، صارت زوجته أو صارت من خدمه، معنى أنها إكراما له ولما فعل من اتقاء ربه جل وعلا، بعدما اعترفت وقالت: ﴿الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصالحين﴾، ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين﴾. فاعترفت بذنبها، فصارت بعد ذلك الأمور خرج من السجن، وما ذكره الله عز وجل في كتابه: ﴿ومكنا له في الأرض ومكنا له في الأرض﴾، ﴿ومكن يوسف في الأرض﴾، وصار عنده عزيز. والمهم أن الله عز وجل رفعه مكانة عظيمة في الدنيا والآخرة، فهو من أنبياء الله عز وجل ورسله الكرام. وأيضا كذلك تجد أن هذا أيضا حصل ذكره النبي عليه الصلاة والسلام في بعض ما حصل لبعض العباد والصالحين. ومن أقرب الأمثلة التي نذكرها ما جاء في حديث أبي هريرة، جاء عنه من طرق، من طريق الزهري عن عبد الرحمن بنحيل عن أبي هريرة، من طريق همام وغيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة". لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى بن مريم، وصاحب جريج. عيسى بن مريم وصاحب جريج. ثم حكى النبي صلى الله عليه وسلم قصة جريج، وأنه كان عابد من عباد بني إسرائيل، في صومعة. أن كان النصارى جعلوا لهم صوامع وأشياء يتعبدون فيها، ورهبانية ابتدعوها، ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، فما رعوا حق رعايتها. فكان هذا جريج في الصومعة، وكان يصلي، فجاءته أمه وقالت: يا جريج، ونادته: يا جريج. وكانت الصومعة في مكان مرتفع، فنادته أمه: يا جريج. فكان يصلي، فكان يقول: يا رب، أمي أو صلاتي؟ يعني هل أستمر في صلاتي أو أجيب أمي؟ فكلما نادته قال: يا رب، أمي أو صلاتي؟ واستمر في صلاته. فذهبت أمه ودعت عليه، وقالت: "لا أماتك الله حتى ترى وجوه المومسات" -أي الزانيات-. قال النبي عليه الصلاة: "فتحدث الناس في عبادة جريج وكذا". فقالت امرأة بغي: "أنا أفتنه". إذا أردتم أن تفتنوا جريج، أنا أفتنه. فقالوا: "لو فعلت لك كذا وكذا". فذهبت إلى صومعة جريج، وتعرضت له، وأرادت منه أن يفعل بها الفاحشة، فلم يلتفت إليها، لم يلتفت إليها، معنى رآها. وأجاب الله عز وجل دعوة أمه، أنه لا يميته الله حتى يريه وجوه المومسات. هو بعيد من الناس، وفي صومعة يتعبد الله، لكن جاءت هذه المرأة إليه متعمدة أن يصيبها، فلم يلتفت إليها. فلما لأعته لم يلتفت إليها، مع جمالها، وأيضا كذلك فتنتها. ذهبت ولقيت راعيا ومكنته من نفسها، راعي غنم قريب، فمكنته من نفسها، ثم حملت هذه المرأة وولدت. فقالوا لها: من الذي بك؟ قالت: جريج. فذهبوا إلى جريج وكسروا صومعته، وقالوا: "قد زنيت وقد فعلت". فقال: "ما لكم؟" قالوا: "قد فعلت بهذه المرأة وكذا". فقال: "أين هذا الولد الذي تدعون أنها ولدته؟" قالوا: "هذا الولد". فصلى ركعتين، ثم طعن في بطن هذا الولد، وقال: "من أبوك؟" فقال: "تكلم هذا الطفل". فقال: "أبي الراعي". قال: "أبي الراعي". انظر إلى هذه الكرامة العظيمة التي جعلها الله عز وجل لهذا العبد، لأجل أن يرفع أمره، لأنه ترك شيئا لله سبحانه وتعالى. فقام وقبلوه، وقالوا له: "نبني لك صومعتك من ذهب". فقال: "لا". "أعيدوها مثل ما كانت". فرفع الله عز وجل شأنه في الدنيا، وأحبه الناس. فهذا أنه ترك هذه الفاحشة. وكذلك أيضا جاء في حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار، حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين، أن ثلاثة نفر أصابتهم مطر، فدخلوا غارا، فجاءت صخرة وسدت عليهم باب الغار. فقال بعضهم لبعض: "والله لا ينجيكم إلا صالح أعمالكم". فتوسلوا بها، فذكروا توسلاتهم. وذكر أحدهم أنه كان له ابنة عم، وكان يحبها، وكان يراودها عن نفسها، فترفع. فجاءتها الحاجة، معنا احتاجت إلى مال، فجاءت إلى ابن عمها لأجل أن يعطيها مالا لحاجتها. فقال: "لا أعطيك حتى تمكنين من نفسك". ثم إن المرأة رفضت، ثم احتاجت، فجاءت إليه ورضيت. فلما جلس مكان ما يجلس الرجل من امرأته، قالت له: "يا فلان، اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه". قالت له: "يا فلان، اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه". أي لا تأتي هذه الجريمة، وترتكب هذه الجريمة. إن أردت بحق، وهو الزواج، أنك تتزوج بي. فانتفض هذا الرجل، وقام منها، وترك لها المئة الدينار التي أعطاها إياها. ومعنى قال لها: "اخرجي". فقال: "كان يتوسل". يقول: "اللهم إن كنت فعلت هذا لأجلك، فافرج عنا الصخرة". ففرجت الصخرة، ولكن لم أستطع أن أخرج. ثم توسل الثالث بما فعل مع أجير أيضا كذلك. وأخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر، أن رجلا كان من بني إسرائيل يقال له الكفل. وإن كان هذا الحديث مختلف في صحته، لكنه له شواهد. كان في بني إسرائيل رجل يسمى بالكفل. وهذا كان الرجل كما قال في الحديث: لم يترك عملا من أعمال الشر إلا وعمله. وكان له مال، فجاءت امرأة واحتاجت إلى مال من عنده. فقال: "حتى تمكنين من نفسك". فرضيت بعد، لأنها كانت محتاجة. فلما أراد أن يقع بها، قالت له: "غلقت الأبواب". قال: "نعم". قالت: "غلقتها كلها". قال: "نعم". قالت: "إلا بابا واحدا لم تغلقه". قال: "لا". "بل أنا غلقتها كلها". قالت: "إلا باب الله لم تغلقه". فانتفض هذا الرجل، وقام منها، وأخرجها، وأعطاها المئة دينار التي كانت أرادتها، وصدق مع الله، وتاب. فمات من ليلته، من كثرة خوفه من الله عز وجل. مات من تلك الليلة. قال: "فأصبح مكتوبا على بابه: قد غفر للكفل". أنا كرامة له، حتى يعرف الناس أنه مات على خير. كتب على بابه أنه قد غفر للكفل، معنى أنه وجدوا هذا مكتوبا في الصباح. وأيضا كذلك كما تعلمون، أن مثل هذه ترك الفاحشة لله عز وجل، هي من الأسباب التي تجعل العبد يوم القيامة في ذلك الموقف العصيب، وذلك الموقف الذي تدن فيه الشمس مقدار ميل، يكون هذا تحت ظل العرش، تحت ظل العرش. كما جاء في بعض الروايات: تحت ظل الرحمن يوم لا ظل إلا ظله. كما جاء في الصحيحين، في حديث أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله". وذكر منهم: "رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال دعته للفاحشة، فقال: إني أخاف الله". فمثل هذا أيضا مما يدخل في هذا. وقد ذكرت قصص كثيرة في هذا الباب، ليست فقط في الأنبياء، وأيضا كذلك في من حكاه النبي صلى الله عليه وسلم، بل حتى حصلت في أزمنة. فهذا الربيع بن خثيم، كما ذكر في ترجمته في تاريخ بغداد، أنه لما جاءته امرأة وتعرضت له، بل وكشفت ثيابها أمامه، فغض بصره وجلس يبكي، ثم انصرفت هذه المرأة. فلما نام رأى يوسف نبي الله يوسف عليه السلام، وبشره بما فعل من الخير. فالمهم أيضا كذلك جاء في قصة ذكرها صاحب كتاب "الفرج بعد الشدة"، أن رجلا، أن امرأة كانت في منطقة من المناطق، وقيل أنها في البصرة، فكانت بغي، لكن ما كانت تمكن نفسها إلا بمئة دينار، أو جاء بألف دينار. عن المئة دينار الآن تكون مليون وسبعمائة، وإذا كانت ألف دينار معناه سبعة عشر مليونا. ما تمكن نفسها إلا بهذا الثمن. فكان الرجل أرادها وعجبته، فعمل حتى جمع ذلك المال، فذهب إليها، وقال: "قد جمعت مالا لأجل أن آتيك". فقالت: "أعطيه القهرمان" -قهرمان معنى الحاجب أو الحارس أو الخادم-. قال: "فأعطاه". ثم مكنته من نفسها. فلما صعد منها صعود الرجل من امرأته، انتفض، معنى ذكر مقامه أمام الله جل وعلا. فقالت له المرأة: "مالك؟ أما جئت بمالك لأجل هذا؟" قال: "لا". "اخرجيني من هنا". قالت: "والله لا أخرجك". لماذا؟ قالت: "قال: ذكرت مقامي عند الله عز وجل، فخفت من ذلك". فقالت: "والله لا أريد زوجا إلا أنت". معنى ما أريد أن أتزوج إلا أنت. فقال: "اخرجيني من هنا". قالت: "تعاهدني على أنك تتزوجني". قال: "أولا اخرجيني من هنا". فأخرجته. ثم المرأة تابت إلى الله، وذهبت تبحث عن هذا الرجل إلى مكانه. فلما جاءت، قالوا له: "جاءت الملكة تبحث عنك". لأنها كانت لباسها لباس الملوك. فلما رآها وكشفت عن وجهها، سقط مغشيا عليه ومات، معنى من كثرة خوفه من الله. ثم إنها قالت: "والله لا أتزوج إلا قريبا له". أما هذا فقد فات. فتزوجت أقل منه، وأنجبت له أولادا. فانظر إلى هذه القصص التي حصلت والتي ذكرت، والقصص في هذا الباب كثيرة جدا، أن من ترك فاحشة الزنا عوضه الله عز وجل خيرا من ذلك. خيرا من ذلك. وإما أنه يعوضه بالزواج، أو يعوضه بأشياء أخرى. وكذلك أعظم شيء أنه يتحصل على الأجر العظيم عند الله سبحانه وتعالى يوم القيامة. وإنما التعويض يكون أعظم في الآخرة، لكن النفس تحتاج إلى أيضا شيء يفرحها في الدنيا. وحيانا هذا الشيء يكون أيضا تثبيتا لنفسه، وطمئنانا لها على دين الله جل وعلا، مثل هذا الرجل الذي ذكرنا قصته. فإنه ترك هذه الأمور، وترك انشغاله بالدنيا، وأقبل على الله عز وجل وعلى طاعة الله سبحانه وتعالى. فلهذا فمثل هذا مثال ونموذج من هذه الأشياء التي حصلت، وعوض الله عز وجل أهلها، لأنهم اتقوا الله سبحانه وتعالى. فتجد أن هذا الأمر، وهو أن أسباب الفاحشة تتهيأ للإنسان، هذا ابتلا من الله عز وجل عظيم. فمن فاز وترك، فإنه يفوز فوزا عظيما. ومن وقع في ذلك، سواء كان تسبب أو لم يتسبب، فهذا إن لم يتب إلى الله ولم تدركه توبة الله جل وعلا، فقد يخسر خسرانا مبينا. ولعل يناسب في هذا المقام إن شاء الله تعالى نذكر قصة عكس هذا الأمر، وهو أن رجلا كان ذكره الإمام ابن كثير، وذكره أيضا كذلك في تاريخ بغداد وابن عساكر، أن رجلا كان يسمى بعبد الرحيم بن عبده، وهو الذي حكى هذه القصة. قال: "كان معنا شاب من الشباب الذين نشأوا على طاعة الله وحفظ القرآن". أنا حفظ القرآن، وهو على عبادة وطاعة. ثم غزا معنا الروم. أنا لما ذهب غازيا إلى الروم ذهب. فلما صعد في مشرفة، رأى امرأة أو رأى بنتا من بنات الروم، فعجبته جدا. فحاول أن يصل إليها، لم يستطع أن يصل إليها، لكن أرسل إليها: كيف الوصول إليك؟ فقالت: "تتنصر". إذا أردت أن تصل إليك تكون نصرانيا، ثم لك ما بدا لك. فهذا الرجل بسبب هذا الهيمان الذي أصابه، والجنون الذي أصابه من هذا العشق، فلم يبالي بدين الله، فترك الإسلام وتنصر، وصار مع هذه المرأة في قصرها. فمرة كان في السطح هذا البيت بيت هذه المرأة، فرآه بعض المسلمين، فقالوا: "يا فلان، ما فعل قرآنه معنا؟" أيش الذي فعلت؟ حافظ القرآن، والآن تفعل مثل هذا الفعل؟ "ما فعل قرآنه؟" فقال: "والله لا أحفظ منه إلا قول الله عز وجل: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾". فانظر إلى حال هذا الشخص، أنه اقترف المعصية، وتبع شهوته، واستمر فيما وقع في قلبي من هذا العشق الممنوع، العشق الذي حرمه الله عز وجل، فوقع في الفاحشة، بل تنصر وارتد عن دين الله جل وعلا. ولهذا يحذر كثير من المسلمين الآن، وخاصة من الشباب، من هذا الداء العظيم، وهو العشق، عشق النساء وغيره. فهذا مرض عظيم فتاك، يخرج الرجل عن دينه، ويخرج الرجل عن مكارمه، ويخرج الرجل عن فضائله وعن أخلاقه، حتى يصير رجلا سافها سافلا رديئا. فلهذا يحذر الشباب مثل هذا المرض الذي هو مرض عضال وعظيم. وأخيرا إن شاء الله تعالى نقول: أن هذه القصص ليس لأجل التسلية، وإنما لأجل العبرة. فكما قال الله عز وجل: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه﴾. فلهذا فهذه القصص نعتبرها، وهي تطبيق كما قلنا لهذه القاعدة "من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه". فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ثم سؤال يقول: سائلة تقول أنها اغتسلت بعد أذان الفجر، وعند اغتسالها شعرت بجفاف فمها، وشعرت بجفاف في فمها واختناق، وكان وجهها مبللا بالماء، فشعرت برطوبة في فمها. فمن شدة الخوف شربت ما وجدته في فمها، لكنها لا تدري هل هو وريق أو ماء. فما حكم صومها؟ احفظكم الله. إن كان ما بقي من ماء في فمها، فإن شاء الله واختلط مع الريق فيعتبر ريقا. وهذا الشيء يسير جدا، قد لا يصل إلى الجوف. الجوف معنى مكان الحلق ومكان الصدر، معنى البلعوم الذي يدخل أو القصبة التي تدخل منها الغذاء. فإذا وصل إلى هذا المكان، فالعلم أنه يفطر. لكن إن كان قد امتزج بريقها فصار من ريقها، فإن شاء الله لا شيء فيه، كما هو قول شيخ الإسلام، وهي رواية عن أحمد وغيره، أنه لا شيء في ذلك، أنه إذا كان قد امتزج مع ريقها. قال: مع العلم ليس هي أول مرة يحصل لها الاختناق والجفاف عند الاغتسال الخاص عندما تكون صائمة، من شدة حرصها في عدم ابتلاع الماء. فالمهم أنه إذا كان اختلط مع ريقها فيعتبر من الريق، ولا يفطر. طيب. قال شخص: جاء مع زوجته في نهار رمضان قبل عشر سنوات، وهو لا يعلم أن حكمها كفارة شهرين. فما هو الواجب عليه الآن؟ طيب. إذا كان يعلم أنه محرم، لكن لا يعلم أنه كفارة، فالكفارة عليه. لأنه في حديث صخر بن عبد الله، لما جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين، جاء ذاك الرجل، وهو حديث أبي هريرة، جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: "يا رسول الله، احترقت". وجاء في رواية: "هلكت". قال: "وما هلكك؟" قال: "وقعت على امرأتي في نهار رمضان". فقال: "أعتق رقبة". قال: "لا أجد". قال: "صم شهرين متتابعين". قال: "لا أستطيع". قال: "فأطعم ستين مسكينا". قال: "لا أجد". فلما جاء للنبي صلى الله عليه وسلم بمكتل، فقال له: "خذ هذا وأطعمه وتصدق به". قال: "على أفقر مني يا رسول الله؟" فابتسم النبي عليه الصلاة والسلام، وقال له: "خذه وأطعمه أهلك". فالمهم هنا: هذا شخص إن كان يعلم أن هذا شيء محرم، فالكفارة عليه، والواجب أنه يخرجها. وإن كان يستطيع الصيام، أولا يصوم شهرين متتابعين، لأجل أنه لم يعتد، أو أنه صحته لا تحمله على ذلك، أو أنه مثلا عنده عمل شاق أو كذا، شيء من هذه العوارض، ينتقل إلى الإطعام، ينتقل إلى الإطعام، ولا تسقط عليه هذه الكفارة. أما إن كان لا يعلم بتحريم ذلك، ما يعلم أنه مثلا من صام لا يجوز له أن يأتي زوجته، ما كان يعلم ذلك، فهذا ليس عليه كفارة، ليس عليه كفارة. لكن قد يكون مثلا في مكان مثلا ما استطاع أن يسأل أو كذا. فالمهم إن كان لا يعلم بتحريمه فليس عليه شيء، وإن كان يعلم بالتحريم ولا يعلم بالكفارة، فعليه الكفارة، لأنه كما قلنا: الرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يعلم الكفارة، لكن يعلم أن هذا شيء محرم، فهذا إن شاء الله تعالى ما يقال في هذا السؤال، والله تعالى أعلم.