من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه 3

الدرس في من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية الإخلاص في العبادة وتطبيق قاعدة "من ترك شيئًا لله"

يتحدث هذا الفصل عن أهمية الإخلاص في العبادة وتطبيق قاعدة "من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه"، موضحًا أن الإخلاص يؤدي إلى تعويض الله للعبد بخيري الدنيا والآخرة.

خطورة تقديم الهوى على عبادة الله وحكم تعظيم المساجد

يناقش هذا الفصل خطورة تقديم المحبوبات على عبادة الله، ويبين أهمية تعظيم المساجد واحترامها والابتعاد عن اللغو فيها، مشيرًا إلى ضرورة تربية الأبناء على احترام بيوت الله.

آداب المساجد والتعاون بين المسلمين

يتناول هذا الفصل آداب المساجد والتعاون بين المسلمين، مؤكدًا على أهمية جعل الجلسات في المساجد لذكر الله وتلاوة القرآن، وداعيًا إلى التعاون والعفو بين المسلمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، بعد ذلك: فاستمرارًا لما ذكرناه قبل في الكلام على القاعدة العظيمة، القاعدة الشرعية: "ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه". ومن باب الفائدة أيضًا أن الإمام السعدي، الشيخ عبد الرحمن السعدي، ذكر هذه القاعدة في "القواعد الحسان" التي ذكرها في التفسير، "القواعد الحسان في تفسير القرآن المنان". فذكر هذه القاعدة، أو ذكر شواهدها من الكتاب والسنة. وقد ذكرنا كثيرًا من هذه الأدلة. وفي هذا اليوم، إن شاء الله تعالى، نأخذ تطبيق هذه القاعدة على العبادات. وقد ذكرنا قبل تطبيق هذه القاعدة من ناحية الأدلة، وأن من ترك السيئات لأجل الله عز وجل، فإن الله عز وجل يعوضه، وأن الله عز وجل يقول سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾، كما تقدم معناه في الدرس السابق. فكذلك إذا نظرنا إلى الطاعات والعبادات، فإنها كذلك تجد أن هذه القاعدة متمثلة فيها كثيرًا. فمثلًا العبادة لابد أن تكون خالصة لله، وهذا الذي أمرنا الله عز وجل به. ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾. فالواجب على المسلم أنه يعبد الله عز وجل مخلصًا له الدين، لا يجعل لأحد في عبادته شيئًا، وإنما يجعلها لله سبحانه وتعالى. فلهذا فالمشرك الذي أشرك بالله جل وعلا لم يفتد ولم يترك هذا الشرك لأجل الله عز وجل، لكن الموحد ترك الشرك لأجل الله سبحانه وتعالى، فعوضه الله عز وجل خيري الدنيا والآخرة. كما قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. قال أبو بكر رضي الله عنه، كما في الصحيحين: أينا لم يظلم نفسه يا رسول الله؟ معنا من الذي لا يظلم نفسه؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾". فهنا بيّن النبي عليه الصلاة والسلام أن الظلم هنا شرك. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾، أي بشرك. ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾، أي في الدنيا والآخرة، كما فسرها بعض السلف. ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾، أي أن الله يؤمنهم، يطمئن قلوبهم، تكون قلوبهم مطمئنة في هذه الحياة، وكذلك في الدار الآخرة يؤمنهم الله عز وجل من فزع يومئذ ومن المخاوف التي تكون يوم القيامة والأهوال. فلهذا تجد كثيرًا في الآيات يقول الله عز وجل: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، ﴿الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، أي لا خوف عليهم فيما تركوا، ولا هم يحزنون فيما سيستقبلونه. فلهذا عوضه الله عز وجل خيري الدنيا والآخرة. وأما من لم يترك هذه المحبوبات لله عز وجل، بل قدمها على عبادة الله، فمثله كمثل من اتخذ إلهه هواه. كما قال الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾، وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ﴾، ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾. ومعناه أنه لم يترك هذا الهوى لله عز وجل، بل قدم هواه على عبادة الله وعلى طاعة الله سبحانه وتعالى، جعل هواه يقوده، وجعل عقله يقوده إلى الجحيم، إلى الهوى. فزاغ عن الله عز وجل، فقال الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾. وكذلك الله عز وجل يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾، وهذا أمر خطير، وهو الشرك في المحبة. وكذلك الشرك في الإرادات والنيات، وهو كما قال الإمام ابن القيم: "البحر الذي لا ساحل له". فالشرك في المحبة أن الإنسان لا يقدم محبة الله عز وجل على محبة هؤلاء المحبوبين. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾. قال بعض العلماء، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره: إن العلماء فسروا هذه الآية بتفسيرين. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، قالوا: إن المراد بقوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، أي من المشركين بمحبة معبوداتهم. فأهل الإخلاص وأهل التوحيد لا يقدمون شيئًا على عبادة الله، لا يقدمون شيئًا من محبوباتهم ومن ما تهواه أنفسهم على الله جل وعلا وعبادته. والتفسير الثاني: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، أي أنهم يحبون الله، ويحبون آلهتهم، لكن قدموا طاعة الآلهة وعبادتها على عبادة الله جل وعلا. فهؤلاء لم يتركوا هذا لله، ولهذا جاء في صحيح مسلم، في حديث أبي هريرة: أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول للمشرك يوم القيامة: "لو أن لك ما في الأرض جميعًا ومثله معه، أكنت مفتديًا به؟" فيقول: بلى يا رب. كيف ما سأفتدي حتى يخلصني؟ أتخلص من هذا العذاب، من هذا النار؟ فيقول الله عز وجل له: "قد طلبت منك ما هو أهول من ذلك، أن لا تشرك بي شيئًا، فأبيت إلا شرك". فلهذا تجد أيضًا أن النبي عليه الصلاة والسلام، كما في البخاري، في حديث أبي هريرة، قال: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش". فهذا العبد عبد الدينار، ما عنده إلا الدينار، صام وصلى لأجل الدينار ولأجل الدنيا، قدم الدنيا على عبادة ربه جل وعلا، ولم يتركها. لكن أهل الإيمان وأهل التوحيد تركوا هذه الدنيا، أو أخذوا منها، لكنها لم يقدموها على عبادة الله، ولم يقدموا شيئًا من محبوباتهم ومن ملذاتهم ومن أهوائهم على الله جل وعلا. وربنا ربنا جل وعلا ذكر عن اليهود والنصارى، فقال جل وعلا: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾. انظر إلى ربنا جل وعلا ذكر أن هؤلاء لم يتخلوا عن آلهتهم وعن رؤسائهم، بل أطاعوهم في معصية الله، وهم يعلمون أنها معصية، فحللوا لهم الحرام، وحرموا لهم الحلال. وقال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾، أي أطعتم هؤلاء في تحليل الحرام وتحريم الحلال. قال النبي عليه الصلاة والسلام: "أليس يحلون لكم الحرام فتتبعونهم، ويحرمون عليكم الحلال فتتبعونهم؟" قال: "فتلك عبادتهم إياه". فلهذا فالمؤمن الموحد ترك كل هذه المحبوبات وما يكون في نفسه من الملذات، فلم يقدمها على عبادة الله عز وجل، بل أخلص العبادة لله سبحانه وتعالى. فلهذا ينبغي للمسلم أن يحذر، وأن ينتبه من بعض المحبوبات التي قد تؤديه إلى ترك عبادة الله، وعبادة هذا المخلوق. حتى ما يسمى بالعشق، هذا الآن الذي انتشر عند كثير من الشباب والشابات، أن يعشق بعضهم بعضًا، فهذا العشق كما ذكر الإمام ابن القيم: "هو إله يعبد من دون الله". وأيضًا قد يؤدي هؤلاء المعشوقين إلى الكفر بالله والردة، وتقديم طاعة هذا المعشوق وطاعة هذا المخلوق على طاعة الله عز وجل وعبادته. فلهذا لو جئنا إلى الصلاة، الصلاة ربنا سبحانه وتعالى قال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾. فهذه الآية يبين ربنا سبحانه وتعالى أن هناك من الناس من اختاروا الله عز وجل، وقدموا الله عز وجل، وتركوا الأشياء الأشياء لله، فلم تلههم تجارة ولا بيع عن هذه الصلاة. بل إذا جاء وقت الصلاة جاءوا وصلوا، وأقاموا هذه الصلاة. فلهذا أثنى الله عز وجل عليهم. بالمقابل تجد أن الله عز وجل قال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. انظر إلى حال أولئك الذين تركوا الملاهي وتركوا ما يلهي، وتركوا شهواتهم لأجل الصلاة. وانظر أيضًا لهؤلاء الذين لم يتركوا شهواتهم لله عز وجل، بل قدموا شهواتهم على صلاتهم. ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾، ليس أنهم تركوا الصلاة، كما قال ابن عباس، وإنما أخروها إلى غير وقتها، يعني يصلونها في غير وقتها، أو في آخر وقتها، أو في الوقت المنهي عنه. وكذلك لا يقيمون ركوعها ولا سجودها، مثل ما جاء في حديث أنس: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "مثل المنافق يرقب الشمس حتى إذا طلعت بين قرني شيطان، قام فصلى أربع ركعات، نقرها، لا يذكر الله إلا قليلًا". فهذا الفضل العظيم في من جاء إلى الصلاة رغبةً عن هذه الصلاة. جاء في حديث أبي هريرة، الذي أخرجه الإمام مسلم، بل في البخاري كذلك: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة". قال ذلك بأنه إذا توضأ العبد في بيته، وخرج إلى الصلاة، لا يريد إلا الصلاة، ولا ينهزه إلا الصلاة، فلا يخطو خطوة إلا كانت له بها درجة، ولا يرفع رجله إلا حطت عنه سيئة. فهذا الفضل العظيم في من جاء إلى الصلاة رغبةً عن هذه الصلاة. وكذلك في الصدقة تجد أيضًا مثلها. كما ذكرنا قبل في حديث أبي هريرة: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "ما نقص مال من صدقة". وربنا جل وعلا يقول: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. وجاء أيضًا في الصحيحين، في حديث أبي هريرة: أن الله عز وجل يقول: "يا ابن آدم، أنفق أنفق عليك". انظر إلى هذا الحديث العظيم الذي يبين أن العبد ما أنفقه لله، فهو معوض به في الدنيا قبل الآخرة. فينبغي للمسلم أن يحذر، وأن ينتبه من بعض المحبوبات التي قد تؤديه إلى ترك عبادة الله، وعبادة هذا المخلوق. حتى ما يسمى بالعشق، هذا الآن الذي انتشر عند كثير من الشباب والشابات، أن يعشق بعضهم بعضًا. فهذا العشق كما ذكر الإمام ابن القيم: "هو إله يعبد من دون الله". يقول: هل من نصيحة للأبناء حول مسألة اللعب والفوضى في المسجد؟ وكذلك الأباء الحفاظ على الأبناء. هذه المسألة معناها لابد أن يتعاون عليها. مسألة فوضى الأبناء في الصلوات وفي الدروس وفي كذا، تجد أنهم يجرون في المسجد. فهذا يحتاج إلى تعاون من الإخوة جميعًا، لا يجعل الإنسان أمر هذا إلى شخص بعينه. فهذا يحتاج إلى نصيحة من الآباء ومن المصلين. فإذا رأاهم يلعبون، أخذ على أيديهم، لأن الأولاد ما يعرفون، وما أيضًا يضعون في أنفسهم عظمة هذا المكان. ولهذا مما ينبغي للأباء أنهم يعظمون في قلوبهم المساجد، ويعظمون في قلوب الأبناء المساجد. فكثير تجد من الأبناء من لا يفعل شيئًا من هذه الأشياء في المسجد، بل يعرف أن هذا المكان لابد أن يعظم ويحترم. ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾. فيعلم هذا الطفل قبل الكبير أنه ينبغي أن يعظم هذا المكان، وأنه هذا المكان ليس مثل بيته، وليس أيضًا مثل بقية الأماكن. هذا المكان معظم ومشرف، ينبغي أن يبتعد عن اللغو وعن اللغط، وهي الأصوات المرتفعة. ولهذا جاء في حديث عبد الله بن مسعود، في صحيح مسلم: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أراد أن يصلي، فسمع أصواتًا، فقال عليه الصلاة والسلام: "إياكم وهيشات الأسواق". هيشات الأسواق التي تكون فيها المختلطة، في هذا يصيح من هنا، وهذا يصيح من هنا، وهذا يتكلم من هنا. وهذا للأسف قد تجده في بعض المساجد، وخاصة أيضًا حتى في مسجدنا، وخاصة بعد صلاة الجمعة، فتجد الأسواق عالية جدًا، وكأنهم ليسوا في مسجد. فمن أراد أن يتكلم، ما في شيء، الكلام ما في شيء، خاصة إذا كان الكلام خيرًا. أما مثلًا الكلام في أمور الدنيا، وأمور كرة وكذا، يجعل مجلسًا لأجل الكرة، هذا ليس صحيحًا، وليس من تعظيم المساجد. بل جاء في حديث ابن مسعود: أن هؤلاء الذين يجلسون لأجل الدنيا، ليس لهم حق في جلوسهم في المسجد. فلهذا ينبغي أن أيضًا كذلك بعض تجد مجالس للسياسة، للأخبار، وكذا، وذلك قال كذا، ويجعلونه مجلسًا معتادًا، مثلا بعد صلاة المغرب أو بعد صلاة العشاء، فيجلسونه هذا خطأ أيضًا. فالمسجد لم يبنى لمثل هذه الأشياء. فمن تكلم ما في شيء، تكلم معناه في كلام عابر، في مجلس عابر، ما في شيء. جلوس يقرأون مثلا، تكلموا عادي، لكن يخفض صوته، وأيضًا لا يجعل كما قلنا مجلسًا معتادًا لأجل أمور الدنيا في هذا المسجد. إنما فيه لذكر الله عز وجل. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: "ما من قوم يجلسون مجلسًا في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، وتدارسون بينهم، إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم السكينة، ونزلت عليهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده". فهذه الجواز لمن جلس في ذكر الله عز وجل. وأما ما كان سوى ذلك، فلم يأتي. وهذا يدلك أيضًا على أن المساجد لا يكون فيها شيء من هذه الأمور. لكن ليس معنى ذلك أنه حرام، وأن الإنسان ما يتكلم في المسجد، له أن يتكلم، ولو كان في أمر الدنيا. لكن الأمر الذي لا ينبغي أن يكون معتادًا، مجلسًا مؤسسًا ومعروفًا، وله موعد، أنه يجلس في هذا المكان لأجل كذا وكذا، هذا ما يكون في المساجد أبدًا. هذا يكون في المقاهي، في كذا، في أمور، في البيوت، في الدكاكين. أما في المسجد تؤسس حلقة، وموعد لها على أمر دنيا، إما مثلا في السياسة، أو في الكرة، أو في أمور أخرى، فهذا خطأ. وهذا تجد أنه قد انتشر هذه الأيام كثيرًا. وينبغي على الأباء، وكذلك الأبناء، أنهم يعرفون قدر هذه المساجد. فإن هذه المساجد أمر الله، أمر النبي صلى الله عليه وسلم، أن تعظم وتكرم وتنظف. كما جاء في حديث عائشة: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "طيبوا مساجدكم". هنا قال الرجل: سرق دبة غاز في رمضان، ويحلف الأيمان المغلظة أنه ما أخذها، ثم تبين أنه أخذها. ألَا من نصيحة؟ هذا من أيضًا من عدم تعظيم هذا الشهر العظيم، أن الإنسان يأتي ويسرق في مثل هذا الشهر. وسرقة حرام في هذا الشهر أو في غيره. لكن مع أن يكون الإنسان صائمًا، ولم يصم عن مثل هذه الأشياء، ما ينفعه الصوم. النبي عليه الصلاة والسلام، في حديث أبي هريرة، في الصحيحين، قال: "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه". من لم يدع قول الزور والعمل به، قول الزور قالوا: الكذب، والعمل به ما يكون من هذا الكذب. وقال في رواية: "والفسق"، والفسق هو المعاصي. قال: "فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، معنى أن صومه لا ينفعه، ولا يؤجر عليه. فينتبه الإنسان، ويعظم صيامه لله، كما قال جابر بن عبد الله: "الصائم ليس يصوم عن الطعام والشراب فقط، وإنما يصوم عن المحرمات". يحاول أنه بقدر الاستطاعة، فاتقوا الله ما استطعتم. مثلا الإنسان ما يكمل، لا بد أنه يقع في الخطأ، لكن استغفر الله عز وجل. وكذلك أيضًا يحاول أنه لا يقع، وإن وقع استغفر الله وتاب. وهذا أيضًا الشخص لعله أيضًا من هذا القبيل، إن شاء الله حصلت منه هذه الزلة، ثم تذكر ورجع إلى الله عز وجل وتاب. وإن شاء الله عز وجل لا يعاب على ذلك ما تاب الإنسان منه، واستغفر، وأيضًا استسمح من صاحبه. فهذا ينبغي عليه أن لا يؤنب على فعله، وكذلك لا يذكر بهذا؛ لأنه تاب ورجع واستسمح من هذا الشخص الذي أخذ حقه. فهذا كما قلنا من الأمور التي ينبغي أن يكون بين المسلمين من التعاون والعفو. ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. فنسأل الله عز وجل التوفيق والسداد والإعانة. والحمد لله رب العالمين.