التعليق على منظومة الزمزمي  17

التعليق على منظومة الزمزمي 17

الدرس في التعليق على منظومة الزمزمي 17، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

حكم الروايات في أسباب نزول القرآن

يتناول حكم الروايات في أسباب نزول القرآن، حيث يشير إلى أن الرواية عن صحابي لها حكم الرفع إذا كانت متصلة. الرواية عن تابعي تعتبر مرسلة وتختلف في قبولها حسب الاتصال.

صيغ ذكر أسباب النزول ودلالتها

يتحدث عن أهمية فهم صيغ ذكر أسباب نزول الآيات القرآنية وتفاوت دلالتها على السببية، حيث يشرح ثلاثة صيغ رئيسية يستخدمها الرواة في سرد أسباب النزول.

أمثلة وتطبيقات على أسباب النزول

يذكر أمثلة على أسباب نزول الآيات القرآنية، مثل حادثة الإفك وآيات الحجاب والصلاة خلف مقام إبراهيم، موضحاً العلاقة بين الأحداث والآيات.

ختام المبحث حول أسباب النزول

ينهي الحديث حول أسباب النزول، ويشير إلى انتهاء المبحث مع الدعاء للنبي محمد وعلى آله وصحبه بالصلاة والسلام، مؤكداً على أهمية هذا المبحث في فهم القرآن.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال النظم رحمه الله تعالى: العاشر أسباب النزول، وصنف الأئمة الأسفار فيه، فيمم نحوها استفسارا. مر معنا أخواني في الله ما يتعلق بهذا الباب من مسائل وأحكام، وهكذا ما يتعلق بهذا النظم الذي بدأ به المؤلف رحمه الله تعالى، منوها ومبينا عظم هذا الفن، وهو هذا النوع من أنواع علوم القرآن، وأن العبد، وخاصة المشتغل بعلوم القرآن، ينبغي أن يقصد هذا الفن استفسارا واستيضاحا وبيانا. قال رحمه الله تعالى: ما فيه يروى عن صحابي رفع، وإن بغير سند فمنقطع. قوله: ما فيه يروى، هذا الباب كما قال إمام الواحد رحمه الله تعالى: أن باب أسباب النزول ما يعرف إلا بالرواية والسماع، كما قال واحد رحمه الله تعالى: أن هذا الباب لا يعرف إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل، ممن شاهدوا التنزيل. أي يمكن أن يعبر بأن هذا الباب نقلي، نقلي يكون بالنقل، ليس فيه اجتهادات، ليس فيه آراء. ولهذا النظم رحمه الله تعالى بيّن هذا بقوله: ما فيه يروى، ما فيه أي ما اسم موصول بمعنى الذي، الذي يروى عن صحابي. لأن الصحابة هم ممن شاهدوا التنزيل، فهم أدرى بهذا الباب. قال: ما فيه يروى عن صحابي رفع، رفع بمعنى له حكم الرفع، بمعنى إذ أن لو أن عندي رواية فيها أن صحابيا من أصحاب رسول الله ذكر هذا الباب، أن من أسباب نزول القرآن كذا وكذا، هل هذا له حكم الرفع؟ يقول: نعم له حكم الرفع. لأن هذا الباب ما يمكن لصحابي أن يجتهد فيه، ليس لأحد أن يجتهد فيه، فهو ليس قابل للتأمل ولا للفكر. والصحابة رضي الله تعالى عنهم لا يمكن لأحد أن يقدم على هذا الباب فيجزم بأن هذه الآية نزلت في كذا وهي لم تنزل. ولهذا يكون له حكم الرفع. والحديث المرفوع يكون إما رفع صراحة، كان يقول الصحابي: قال رسول الله، هذا رفع حقيقي صريح. أو أن صحابي يأتي بخبر، ويذكر أنه سمع من رسول الله. لكن القراءة تسعفك في هذا الباب على أن هذا الصحابي لا يمكن أن يتلفظ بهذه الكلمات، مثل أن يأتي بمغيبات، أو أن يأتي بأجر من فعل كذا فله كذا وكذا، يخص الذكر، يخص ذكر الأجر. هذا ما يتأتى لصحابي أن يجزم بهذا، أو يقول بأسباب النزول. فهذه الأشياء التي ليس هي محل الاجتهاد، بل هي محل الرواية. قالوا: هذا إذا جاء عن صحابي من أصحاب رسول الله، فإن هذا له حكم الرفع. وهذا قد قال به جماعة من العلماء، كما صرح بهذا الإمام الحاكم رحمه الله تعالى، أن الصحابي إذا سمع عنه أنه قال في أمر أو آية أنها نزلت في كذا وكذا، فإنها تكون حكم الرفع. وهذا كذلك مذهب سار عليه جماعة من المحدثين. مثال ما يبين مثل هذا بالمثال ما جاء في البخاري في الصحيح، في مسلم من حيث جابر، أن اليهود كانت تزعم وتقول: أن الرجل إذا أتى امرأته من دبرها في قبلها، فإن الولد يأتي أحول. فأنزل ربنا عز وجل قوله سبحانه وتعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾، فهذا أثر عن جابر رضي الله تعالى عنه، ومع ذلك كانوا يحكمون له حكم الرفع. بل أورده العلماء في كتب السنة، لأنها لها حكم الرفع. لكن هذا الضابط، هذا القيد، وهذا الأمر مقيد بشرط، قال رحمه الله تعالى: ما فيه يروى عن صحابي رفع، وإن بغير سند فمنقطع. أي هذا الذي يأتينا عن صحابي من أصحاب رسول الله، يحكي لنا أن الآية الفلانية نزلت في كذا وكذا، فهذا له حكم الرفع، يكون حكم الرفع كأنه مرفوع عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، بشرط أن يكون ماذا؟ أن يكون هذا الأثر المروي عن الصحابي متصلا لا منقطع. لأنه إذا كان منقطع، فإنه لا يعمل به، لأنه في عداد الرد. وكل ما لم يتصل بسند صحيح، هذا منقطع. إذا جاء مثل أثر عن صحابي في شيء من أسباب النزول، إلا أنه ورد إلينا بسند منقطع، فهذا لا يعمل به، لأن الانقطاع من العلل التي يرد بها الحديث، يرد بها الآثار. قال رحمه الله تعالى: أو تابعي فمرسل. أي كذلك من الأمور التي بها نتعرف على أسباب النزول، ما يأتينا من قبل التابعين. فقال: أو تابعي، يأتينا من قبل التابعين، وهو ما يسمى ماذا؟ بالمرسل. مثل يأتينا أثر عن عكرمة، يأتينا أثر عن مجاهد. وهذا كثير جدا، مرة التي تكون في ابن كثير، يمر علينا آثار كثيرة عن مجاهد، أنهم يحكمون ماذا؟ أسباب نزول. فهذا موطن من المواطن التي يأتينا منها شيء من أسباب النزول، إما أن يأتينا عن صحابي، وهذا القول الصحيح أنه حكم الرفع. وإما أن يأتينا من قبل تابعي، وهذا ما يسمى بالمرسل. قال: أو تابعي فمرسل. فيأتينا من مضان أسباب النزول ما يكون من عداد المراسيل. وكأن المؤلف رحمه الله تعالى يصحح التعبير، يجعل الكرة في ملعبك، ثم أنت يا عبد الله، وما بدا لك في الحكم على المرسل. لأن المراسيل مختلفة فيها، فمنهم من يقبلها جملة وتفصيلا، ومنهم من يردها جملة وتفصيلا، ومنهم من يفصل فيها بالتفريق بين التابع الصغير والتابع الكبير. وهذا ما جرى عليه في باب الأصول، أصول الفقه، وأيضا ما جرى عليه في باب المصطلح. لكن المؤلف رحمه الله تعالى أعطاك إشارة على أن مما يكون من مضان أسباب النزول، ما جاء من قبل المراسيل، من قبل التابعين. قال: أو تابعي فمرسل. والصحيح الذي عليه العلماء: أن المرسل من قبل الضعيف، المرسل من قبل الضعيف. ولا نقول كما يعبر بعضهم: إذا أراد أن يعرف المرسل، بأن المرسل ما سقط منه الصحابي. لماذا؟ لأن لو كان لو علمنا، بل وجزمنا بأن الصحابي له أثر في هذا الحديث، لقبلناه، لأن الصحابة كلهم عدول، ما يشك في أحد منهم. لكن ما الذي وقع؟ الواقع كما نبه على ذلك الحافظ بن حجر في النزهة، وفي غيره من كتبه، على أن الساقط من بعد التابعي قد يكون صحابي، أو يكون غير صحابي. فعندنا احتمال، احتمال الساقط. يقول: عكرمة وقع كذا وكذا، فنزلت آية كذا. طبعا نحن نجزم أن عكرمة ما حضر هذا العهد، عهد النبوة، ما حضر عهد التنزيل. إذن هناك واسطة ساقطة، ما الذي سقط؟ احتمال يكون صحابي، واحتمال يكون غير صحابي. فلما وجدت عندي مظنة الاحتمالية هنا، من باب الحيطة لجناب السنة، رددنا أحاديث المراسيل. لكن يستشهد بها، ولا يحتج بها. فرق بين الاستشهاد وبين الاحتجاج. ومن هنا لما عبر البيقوني رحمه الله تعالى في منظومته، قال: ومرسل منه الصحابي سقط، وقل غريب مار واراو فقط. انتقد هذا عليه، لأن لو جعلت أن الساقط صحابي، هذا أحد الأقوال، لا غبار عليه. ومن هنا قام بعضهم، وعدل هذا البيت بقوله: ومرسل من فوق تابع سقط، هكذا عدل. وهذا هو الأحسن: ومرسل من فوق تابع سقط، وقل غريب مار واراو فقط. قال رحمه الله تعالى: أو تابعي فمرسل. إذا قد يقول لك: من مضان الأحاديث، أو أسباب النزول، ما يأتي من قبل التابعين، وهي المراسيل. فبعضهم يقبلها، وبعضهم يردها. لكن هذا ينبني أخواني في الله على أمر، وهو مهم. ينبني للعلماء في هذا المقام خاصة، ما يتعلق بالصيغ التي تأتينا في أسباب النزول. هناك صيغ تأتي في ذكر أسباب النزول، وهي تتفاوت من حيث القوة والظهور والوضوح. فبعضها أظهر من بعض. من هذه الصيغ الموجودة في أسباب النزول، تجد أن يقول الراوي: سبب نزول الآية كذا وكذا. يصرح بهذا اللفظ: سبب نزول آية كذا وكذا. هذه اللفظة، إذا وجدناها، هذه الصيغة، يعتبرها العلماء واضحة، جلية، لا غبار عليها، أن هذا من باب أسباب النزول. تأخذ العبارة وتجعلها في مصنفات أسباب النزول. إذا رأيت الراوي يعبر بهذا التعبير: سبب نزول الآية، يتكلم عن الآية المعينة، كان كذا وكذا، هذا لا غبار عليه. هذه الصيغة الأولى، ولا نطيل النفس فيها، لأنها لا إشكال فيها. الصيغة الثانية: يأتي الراوي يقول: كان كذا وكذا، فنزلت آية كذا. هذا أيضا من الصيغة الموجودة. وهذا على ماذا؟ تحمل هذه كما يقول العلماء: بأنها ظاهرة، لكنها ليست قطعية. لماذا؟ ليست قطعية، لأن هذا الأسجيل كان يأتي الراوي يقول: حصل كذا وكذا، فنزلت آية كذا. هنا الفاء ماذا؟ تحمل؟ بعضهم قد يحملها للتعقيب، من باب العطف. مثالها: تقول: أنت مثلا، قال الله: إنا كنت في البيت، فلما نزلت من البيت، فإذا بسيارة صدمت. فتأتي بفاء، هل معنى أن نزولك سبب للتصادم؟ لا تريد أنك سبب في التصادم، وإنما تريد أن هذا الحادث وقع بعد نزولي. وقع الحادثة: كنت أمشي، فنزل المطر. ما معنى: أمشي فنزل؟ هل أنت سبب في نزول المطر؟ هل هنا سببية؟ لا. فهنا عطف، من باب التعقيب، إنما تحكي شيء صلى مع نزولي، حصل هذا. فيقول بعض العلماء: أحيانا تأتي هذه الصيغة: كان كذا وكذا، فنزلت آية كذا، يحتمل أن يراد منها التعقيب والعطف، ويحتمل أن يراد منها سببية، أنها سبب. وهذا الأظهر، وهذا هو الأظهر: أن هذه الصيغة، إذا قال الراوي: كان كذا وكذا، فنزلت آية كذا، الأولى والأحرى أنها تحمل على أن الفاء سببية، فاء سببية، وليست للتعقيب. أن الفاء سببية، وليست بالتعقيب، فيجعل من أسباب النزول. هذه الصيغة الثانية، يحكي واقعا، ثم يأتي بالفاء: فنزلت. هذه قطعية، لا توجد الاحتمال، لكنها ظاهرة. وعلى هذا درجة العلماء، يجعلون في أسباب النزول. الصيغة الثالثة: قول الراوي: سبب نزول، أو يقول: سبب نزول الآية، يقول بعض من يعبر عنها: نزلت هذه الآية في كذا، نزلت هذه الآية في كذا. هذه المسألة، وهذه الصيغة الثالثة، هي موجودة كذلك في الكتب: نزلت الآية في كذا. هل هذه قطعية؟ هذه مختلف فيها. هذه صيغة مختلف فيها. إذا رأيت الراوي يقول: نزلت هذه الآية في كذا، هذه ليست جزم، ليست جزم. بل حتى أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى صرح بهذا، كان تذكرون معنا في مقدمة أصوله في التفسير، نبه على هذا، فقال رحمه الله تعالى: قولهم: نزلت هذه الآية في كذا، يراد بها تارة، يراد بها تارة سبب نزول، ويراد بها تارة: أن ذلك داخل في الآية. إذا عندنا احتمالين: إما أن قول الراوي: نزلت الآية في كذا، إما يحتمل أن هذا سبب نزول، وهذا ينفعنا في الذي نحن بصدده. وأحيانا لا يتعلق هذا بسبب نزول أصلا، وإنما هذا يريد أن يفسر المعنى، يدخل من باب التفسير المعنى. مثاله: مثاله: ما جاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله﴾، قالت: نزلت في المؤذنين. ما الذي يستفاد؟ يعني هل تريد عائشة رضي الله تعالى في قولها: أنها نزلت في المؤذنين، أن الله أنزل هذا بسبب المؤذنين؟ لا، ما أرادت هذا، ما أرادت هذه رضي الله تعالى عنهم. وإنما أرادت أن المؤذن يدخل في معنى الآية، يدخل في معنى الآية. يعني كما نفعل: أن تأتي بآية عامة، ثم يندرج تحتها ما يندرج. إن أعطيناك الكوثر، أو في قولي تعالى: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾، ويدخل في هذا اليهود، ويدخل في هذا النصارى، ويدخل في هذا فلان، تعين الشخص كافر، انقطع أمره. ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾، ويدخل في فلان، الفلان من الزنادقة، هذا يدخل فيها، لأن انقطع خبره. يسعفك هذا، لأنك أردت أن الآية يدخل فيها فلان، ما أردت أنها سبب النزول، وإنما أردت أن هذا يشمله المعنى. هذا كقولي عائشة: نزلت هذه الآية: ﴿ومن أحسن قولا﴾، نزلت في المؤذنين. وأيضا آية أخرى، ذكرها أبو أمامة رضي الله تعالى عنه، أنا ما استحضر الآن آية جلية، مثال الآن. لكن ما الذي قاله أشاهد؟ قال أبو أمامة رضي الله تعالى عنه في بعض آي القرآن، قال: نزلت في الخوارج. السؤال هنا: هل يمكن أن يكون هذا في سبب نزول؟ هذا ما يمكن، ما يمكن. لماذا؟ متى ظهر الخوارج؟ هم ظهر كجماعة؟ ظهر في زمن الصديق رضي الله؟ كجماعة؟ ظهر في زمن الصديق؟ لا، في زمن عمر؟ لا، في زمن عثمان؟ لا. إنما ظهر كفرقة في منتصف خلافة علي، الحرورية في منتصف خلافة علي. فأخرج طيب قول أبي أمامة رضي الله تعالى عن هذه الآية: أنها نزلت في الخوارج، ما معنى: في الخوارج؟ ما كان أصدروا؟ ما وجدوا في عهد النبوة؟ يعني كجماعة، ما الذي أراد أبو أمامة؟ أن هذه الآية يدخل في معناها هؤلاء، يدخل في معناها هؤلاء. وهذا الذي عناه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أن قولهم: نزلت الآية في كذا، أحيانا يراد منه سبب نزول، وأحيانا منه ماذا؟ يراد أن هذا الحكم يدخل في معنى الآية. من هنا تمهل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى من هذه الصيغة. هذه الصيغة ليست كسابقتها، بل تحتمل هذا، ويحتمل هذا. فعندئذ هذه الصيغة الثلاثة: الصيغة الأولى: تقول: سبب، تسمع الراوي، أو يقول الراوي: سبب نزول الآية الفلانية كذا، هذا واضح وظاهر، لا إشكال فيه. الصيغة الثانية: كان كذا وكذا، فنزلت آية كذا، هذا احتمال، لكنه ضعيف مرجوح، والأصل يحمل على أن هذا من سبب النزول. الصيغة الثالثة: نزلت الآية الفلانية في كذا، هذا كما قال العلماء: تحتمل أن يراد منه سبب نزول، ويحتمل أن يراد منه ماذا؟ توضيح المعنى، وأن هذا الأمر داخل في الآية، ليس سبب نزول الآية، بل داخل في الآية. ومن أحسن قولا، نزلت في المؤذنين. الآية الثانية: نزلت في الخوارج، ويقول: نزلت في المنافقين، نزلت في أعداء الدين. تقول: نزلت هذه، تريد ماذا؟ نزلت هنا ماذا؟ أن الحكم يشملها، وما أردت أنها سبب للنزول. قال رحمه الله تعالى: وصحتي أشياء كما لإفكهم من قصتي. وصحتي هنا، هذا شروع من المؤلف رحمه الله تعالى بذكر بعض النماذج، بعض الأمثلة التي صحت وثبتت على أنها تعتبر سبب من أسباب النزول. فقال: وصحتي أشياء، أشياء هي أصل: أشياء، لكن حذفت الهمزة للوزن، حذفت للوزن. وصحتي أشياء كما لإفكهم من قصتي. إفكهم أصلها من الإفك، مشتق من أفك، الأفك والإفك بمعنى الكذب، بمعنى كذب. أفك كذب، إفك الكذب. إفكهم كذبهم. وهذا إشارة لماذا؟ قال: كما لإفكهم من قصتي، أي قصتي أصحاب الإفك، وما قام به ماذا؟ أهل النفاق في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام، عندما تنابزوا بالطعن في عرض أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها. فكانت هذه الحادثة سبب لنزول آيات، كما في سورة النور، نزلت آيات على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام، بماذا كان نزولها؟ بسبب هذه الحادثة، حادثة الإفك، عندما تكلم من تكلم من أهل النفاق، طعنا وغمزا في عرض عائشة رضي الله تعالى عنها. وهذا قد ثبت في الصحيحين. فهذا قوله: أو تابعي فمرسل، وصحتي أشياء كما لإفكهم من قصتي. هذا مثال أول من أمثلة على أسباب النزول، ما وقع في حادثة الإفك، فأنزل ربنا عز وجل آيات تتلى. قال: والسعي والحجاب من آياتي خلف المقام الأوم بالصلاة. والسعي كذلك قد مر معنا، تذكرون ما ستسعون بين الصفا والمروة، ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾، فهذه الآيات أنزلها ربنا لما كما ذكر العلماء: أنها لما كان من إشكال عند بعض الصحابة، أنهم أمسكوا عن السعي بين الصفا والمروة، بحجة أنها من أمر الجاهلية. فأنزل ربنا عز وجل هذه الآيات، وبيّن أن سعي ماذا؟ من شعائر الله. قال: والسعي والحجاب من آياتي. والحجاب من آياتي، نون المؤلف رحمه الله تعالى أخذ بالتقديم والتأخير، وهو آيات الحجاب، أراد آيات الحجاب، لكن قدم وأخر مراعاة للوزن. قال: والسعي والحجاب من آياتي، أي آيات الحجاب، أي كذلك من الأشياء التي صحت وتعتبر وتعد من أسباب النزول، ما كان الآيات النازلة في حق الحجاب، وذلك يعني في قوله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب﴾، من وراء حجاب. هذه كان لها سبب النزول، كما جاء في الصحيح من بخاري وغيره، من حديث أنس، عندما بنى نبينا على بعض أزواجه رضي الله تعالى عنهن. فحضر من حضر من الصحابة في المجلس، فكانوا يتكلمون ويتحدثون، وكأن المقام قارب بهم، وكان بينا كما قال أنس: يدخل ويخرج، يدخل ويخرج. يعني أراد من في المجلس أن يستشعر هذا، أنه قد قارب المقام، لكنهم استمروا في التحدث، رضي الله تعالى ما تبه. لما أراده نبينا، فأنزل ربنا آيات الحجاب، حتى قال أنس في بداية الحجاب: قال: أنا من أعلم الناس بهذه الآية، آيات الحجاب. في بخاري قال أنس: قال: أنا من أعلم الناس بهذه الآية، ثم تل القصة. أي أن هذه الآيات إنما أنزلها ربنا لتلك الواقعة، إذا كان ذلك للسبب نزول، كان ذلك للسبب نزول، وقع فأنزل ربنا آيات الحجاب. قال: والسعي والحجاب من آياته خلف المقام الأوم بالصلاة. وكذلك الصلاة خلف المقام، أي خلف المقام إبراهيم، إنما كان ذلك من أسباب النزول، وذلك عندما قال عمر لرسول الله: قال: يا رسول الله، ألا نتخذ من مقام إبراهيم مصلى، ألا نتخذ من مقام إبراهيم مصلى؟ فأنزل ربنا عز وجل قوله سبحانه وتعالى: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾. وقد مر معنا من قبل: أن أسباب النزول من الأسباب، إما أن تكون حادثة وقعت، تحتاج إلى بيان، أو سؤال يسأل به نبينا، فيأتي الجواب. فهذا أخوانا في الله خلاصة، أو بعض ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من الأمثلة الدالة على أسباب النزول، مما صحت عن رسول الله، وهي في الصحاح. مسألة حادثة الإفك، نزلت على إثرها آيات. مسألة السعي، وما كان من الصحابة من إمساكهم عن السعي، نزلت من أجلها آيات. آيات الحجاب نزلت على رسول الله لأسباب. وهكذا الصلاة خلف المقام، كان لأسباب. هذا أخوانا في الله خلاصة هذا المبحث الذي أعده المؤلف رحمه الله تعالى حول أسباب النزول إلى هنا. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.