الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 98، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة السعدي معنى آية ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ﴾ مبيناً أن الله يعلم النفقات والنذور ليجازي عليها. ثم يفصل أقسام النذر إلى نذر طاعة ونذر معصية ونذر المباح مع أحكام كل نوع.
يذكر المقطع أنواع النذر كالمباح ونذر اللجاج والغضب، مبيناً أن كفارة نذر اللجاج وغيره من النذور غير الموفاة هي كفارة يمين. كما يوضح خلاف العلماء في حكم النذر حيث ذهب الجمهور إلى كراهيته مع وجوب الوفاء به إذا وقع.
ذهب جمهور العلماء إلى كراهة النذر بينما خص شيخ الإسلام النهي بنذر المقابلة والتلجّج لاعتباره سوء أدب مع الله. يجب الوفاء بالنذر إن وقع ولا يجوز النذر لغير الله كالأولياء والقبور لأنه شرك.
يؤكد المتحدث أن عقوبة الله لا يستطيع أحد منعها وأن العقوبات لا بد أن تقع. ويشير إلى آية الصدقات مؤجلاً شرحها للدرس القادم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله: قول الله جل وعلا: ﴿ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾. قال رحمه الله: يخبر تعالى أنه مهما أنفق المنفقون أو تصدق المتصدقون أو نذر الناذرون فإن الله يعلم ذلك، ومضمون الإخبار بعلمه يدل على الجزاء، وأن الله لا يضيع عنده مثقال ذرة، ويعلم ما صدرت عنه من نيات صالحة أو سيئة. آية: ﴿ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ﴾، ومفهوم الآية أنه يعلمه ليجازي من أنفق نفقته، ومن نذر فأوفى بنذره. فالإنفاق: أخذناه النفقة وأقسامها. وأما النذر فالمراد بالنذر هو العهد أو النحب، معنى: نذر لله يعاهد الله، معنى: قطع عهداً على نفسه. والنذر هو إلزام النفس شيئاً لم يلزمه الله عز وجل ولا رسوله، أنا التزم بشيء لم ألزم به فهذا النذر. وهو أقسام، جاء في الحديث أو الآيات أقسام منه: نذر الطاعة، نذر الطاعة الذي يسميه الفقهاء نذر التبرر، نذر التبرر ونذر الطاعة. إذا نذر طاعة فهو على قسمين: قسم مطلق، وقسم مقيد. عن النذر المطلق: مثلاً يقول: نذرت لله أن أصوم ثلاثة أيام من هذا الشهر، أو نذرت لله أن أتصدق بكذا وكذا من المال، أو أن أتصدق على الفقراء، فهذا نذر تبرر مطلق. وهناك القسم الثاني: نذر تبرر أو نذر طاعة مقيد، وهو أن يعلقه، فيقول: إن شف الله مريضي صمت ثلاثة أيام، أو تصدقت بكذا وكذا. هذا يسمى النذر المعلق، أو النذر المقابلة، نذر الجزاء. والقسم الثاني من النذر أو من أقسام النذر: نذر المعصية، أن ينذر في معصية. وقد جاء في حديث عائشة رضي الله عنها في البخاري: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه». من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه. فعلى هذا: إذا كان نذر المعصية لا يجوز له أن ينفذ هذا النذر. قول الله عز وجل: ﴿ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ ﴾ يحمل على نذر الطاعة، يحمل على نذر الطاعة. أما إذا كان نذر معصية فلا يجوز أن يوفي به، لا يجوز أن يوفي به، وعلى الصحيح أنه يكفر كفارة يمين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عقبة بن عامر قال: «كفارة النذر كفارة يمين». وكذلك أيضاً من الأقسام: النذر المباح، أن ينذر على شيء مباح إما بالفعل أو بالترك. مثلاً يقول: نذر علي أن لا آكل في بيت فلان، أو أن لا أشرب هذا المشروب، مشروب معناه جائز حلال، مثلاً شيء من العصائر، فشربه مثلاً فوجد منه شيء من النغص أو شيء من الحرقة، أو المهم أنه قد يكون فعل مثلاً شيء في جسمه، فقال: لله علي أن لا أطعم هذا، أو أن لا أشرب هذا الشراب. هذا نذر مباح، نذر في مباح. كذلك نذر: هناك من أقسام النذر نذر اللجاج، نذر اللجاج الذي يكون غالباً في غضب، الذي فيه تهديد، فهذا يسمونه نذر اللجاج. يقول مثلاً: لله علي أن لا أزور فلان، أو لله علي أن لا أذهب، أن لا أصل عمتي، أو أن لا أصل أختي، أو كذا، أو أنه ينذر بالطاعة لكن على سبيل اللجاج، على سبيل اللجاج. فهذا يسمونه نذر اللجاج. معنى نذر الغضب: يكون فيه تهديد، مثل التهديد أو التحدي، فيسمى نذر اللجاج. وهذه الأقسام من النذور: على الصحيح أن كفارتها كفارة يمين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث عقبة بن عامر قال: «كفارة النذر كفارة يمين». كفارة النذر كفارة يمين. فإذا حلف على شيء، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في نذر اللجاج: «من لج بيمينه»... من لج بيمينه... أنا في اليمين قال: «من لج بيمينه فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه». وكذلك نذر اللجاج مثل يمين اللجاج، فإنها أيضاً فيها كفارة يمين. العفضل أنه يترك ما حلف عليه أو ما نذر لله عز وجل عليه، ويأتي الذي هو خير، ويأتي الذي هو خير: «من لج في يمينه فرأى غيرها خيراً منه فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه». وهذه النذور كما قلنا: سواء كان نذر الطاعة لم يوف به، سواء كان نذر طاعة مطلق أو مقيد، إذا لم يوف به فإنه يكفر كذلك كفارة يمين على المذهب الصحيح. طيب، أحكام النذر: النذر اختلف العلماء في حكمه. فالجمهور على أنه مكروه، على أن النذر مكروه، لكن من نذر فإنه يجب عليه الوفاء به. لهذا الله عز وجل يقول: ﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْطِيراً ﴾. فالطاعة هو الوفاء بالنذر، وليس النذر. لكن يشكل عليه هذه الآية: أن الله عز وجل قال هنا: ﴿ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ ﴾، فجعل النذر في مقام النفقة، فجعل النذر في مقام النفقة. لهذا قالوا: هنا يدل على أنه طاعة. لكن الأحاديث التي جاءت فيها النهي عن النذر: جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة: «أن النذر لا يأتي بشيء، لم يكن قدر على العبد»، أن النذر لا يأتي بشيء، قد قدر على العبد. وجاء في حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين كذلك: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر، وقال: «إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج من البخيل». أنا سماه النبي صلى الله عليه وسلم بخيل، هذا الذي ينذر لا يفعل الطاعة إلا إذا نذر، سماه النبي عليه الصلاة والسلام بخيل. وهذا كما قلنا: جمهور العلماء حملوها على الكراهة، نهي كراهة. وذهب شيخ الإسلام إلى أن هذا النهي إنما يوجه على نذر المقابلة، نذر المقابلة، ونذر اللجاج. إذا كان على سبيل المجازات والمقابلة، فإنه كل نذر مقابلة، نذر المقابلة وجزاء، يقول شيخ الإسلام: أن فيه سوء أدب مع الله، لأنه يقول: كأن الله عز وجل يحتاج إلى طاعة هذا الطائع، فيقول: إن شف الله مريضي سأفعل كذا وكذا، كأن الله عز وجل محتاج إلى أن يتصدق هذا العبد، أو أن يصوم، أو كذا. لهذا حمله شيخ الإسلام على نذر المقابلة. لكن لا حديث عامة، لهذا فالحمل على أنه مكروه أفضل، ويحمل هذا الحديث: ﴿ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ ﴾ أي على الوفاء به. وهناك قول آخر: قول مالك رحمه الله على أنه مستحب، مستحب النذر، لهذه الآية. لهذا من نذر نذراً فإنه يجب الوفاء به، يجب أن يفي به، وإلا كفارة، كفارة. سواء قلنا هو مستحب أو مكروه، لكن يبتعد غالباً عن نذر المقابلة، نذر المقابلة لا شك أن فيه سوء أدب مع الله، لهذا يبتعد منه. لا يقول مثلاً: إن نجحت في هذا الاختبار سأصوم ثلاثة أيام، وهذا مثل هذا، كأنه يطيع الله عز وجل بمقابل، معنى: إن فعلت يا رب كذا، أوفقتني في كذا، سأفعل. فالواجب على المسلم أنه يطيع الله عز وجل، ولا ينبغي له أنه يلزم نفسه بالنذر. فإن ألزم نفسه، لأن أحياناً النفس تفلت إذا لم تلزم، فيلزمها بالنذر أو اليمين، فيلزمها بالنذر أو باليمين. فإن فعل ذلك فإنه يجب عليه الوفاء. وهذا النذر عبادة من العبادات، لا يجوز أن تكون إلا لله عز وجل، ولا يجوز أن ينذر لقبر. لا يقال مثلاً: لفلان علي أن أذبح كذا، معناه: يذكر ولي من الأولياء وكذا، هذا شرك بالله جل وعلا. لهذا أيضاً لا يجوز أن ينذر في الذبح مثلاً عند القبور، أو عند ما يعبد من دون الله. وما جاء في حديث ثابت بن الضحاك: أنه قال رجل للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، إني نذرت أن أذبح إبلاً ببوانة. قال: «فهل فيها صنم من أصنام المشركين؟» قال: أو فيها وثن؟ أو قال له: هل فيها وثن من أوثان المشركين؟ قال: لا. قال: «فهل فيها عيد من أعيادهم؟» قال: لا. قال: «فأوف بنذرك، فإنه لا وفاء في معصية الله، لا وفاء في معصية الله». فهذا ما يقال فيه النذر. وقول الله عز وجل: ﴿ وَنَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ﴾، أن يجازي من نذر هذه النذور في طاعة الله جل وعلا. وقوله جل وعلا: ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ﴾، أي: الذين ظلموا أنفسهم، فإنهم لا نصير لهم عند الله جل وعلا، لا نصير لهم، بل لا بد أن تقع بهم العقوبات. لهذا قال هنا المؤلف رحمه الله: وإن الظالمين الذين يمنعون ما أوجب الله عليهم، أو يقتحمون ما حرم عليهم... قال: أو يقتحمون ما حرم عليهم، ليس لهم من دونه أنصار ينصرونهم ويمنعونهم. لا يستطيع أحد أن يمنع عقوبة ينزلها الله عز وجل على عبد من العباد، فإنه لا مانع له جل وعلا. قال: وأنه لا بد أن تقع بهم العقوبات. وقوله: ﴿ إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ﴾، وأن الصدقة إن أبداها المتصدق فهي خير. وهذا في الآية الثانية، إن شاء الله نتركها في درس لاحق. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. شكراً.