الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 100، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
توجد نوعان من الهداية: هداية الدلالة التي يقوم بها الأنبياء، وهداية التوفيق التي تختص بالله وحده. مهمة الرسول تقتصر على البلاغ والدعوة، وقبول الإيمان أو رفضه يعود إلى مشيئة الله، وقد عزّاه الله ألا يحزن على من لا يهتدي.
ينبغي للنبي ألا يحزن على من لم يؤمن لأن الهداية بيد الله وحده. الإنفاق في سبيل الله بنية خالصة يورث الأجر المضاعف ويبقى للإنسان، بينما المال الدنيوي يفنى والله لا يضيع أجر المحسنين.
النفقة وإن كانت ثقيلة على النفس جعل الله لها أجراً عظيماً، والمؤمنون ينفقون ابتغاء مرضاة الله. الصدقة ولو بشق تمرة تقي النار وتدخل الجنة، كما في قصة المرأة التي شقت تمرة لبنتيها فأوجب الله لها الجنة.
أفضل الصدقة هي التي يقدمها الإنسان وهو صحيح الجسم، شحيح النفس، يأمل الغنى ويخشى الفقر، فيبذل ماله رغم حاجته إليه مستقبلاً. هذا النوع من الصدقة يعد من أعظم القربات عند الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: إن قول الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾. قال رحمه الله: إنما عليك أيها الرسول البلاغ، وحث الناس على الخير، وزجرهم عن الشر، وأما الهداية فبيد الله جل وعلا. الهداية هنا -كما تقدم أكثر من مرة، وذكره المفسرون- هدايتان: هداية إرشاد ودلالة، وهداية توفيق. وهذه الهداية هنا هداية التوفيق التي هي بيد الله جل وعلا: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. فجمع العلماء بين هذه الآيات: المراد بالهداية التي تنسب إلى الخلق، المراد بها هداية الدلالة والإرشاد، تنسب إلى الأنبياء. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾، فهم أيضًا قال الله عز وجل: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، أو قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. فهذه الهداية هداية الدلالة والإرشاد، يدلون ويرشدون إلى الحق، يدلون الناس طريق الحق وطريق الله. لكن هل يهتدي الشخص بذلك؟ لا، الهداية من الله، التوفيق للهداية من الله سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. وتجد أن ربنا جل وعلا قد ذكر مثل هذه الآيات كثيرة، إذ يخبر أو يؤنس نبيه عليه الصلاة والسلام أنه لا ينبغي له أن يتأسف على هؤلاء إذا لم يهتدوا. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، إذ تتحسر في نفسك، وأيضًا تجد في نفسك وتتحمل هذا الأمر أنهم لا يؤمنون. فهذا ليس عليك، إنما عليك البلاغ. ولهذا قال الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام -وهذا لشفقته ورحمته عليه الصلاة والسلام بقومه-: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾. ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، لا تحسر نفسك وتتعب نفسك على هؤلاء أنهم لم يؤمنوا. وربنا جل وعلا لو شاء لآمن من في الأرض كلهم جميعًا، أفأنت... قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾. إذ ليس لك هذا، وإنما لك أن تبلغهم وأن ترشدهم. ولهذا فربنا جل وعلا من علم منه الخير والهداية هداه الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾. فمن اتبع الأسباب هداه الله، ومن أعرض عن هذه الأسباب وأراد الشر، وعلم الله عز وجل منه الشر، فقدر الله عز وجل... فيقدر الله عز وجل له ما علمه من هذا العبد. قالوا: ﴿مَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾. هذه النفقة كما تقدم معنا في الكلام على النفقة، هذه النفقة في الخير هي لكم أجر لكم، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. فمهما أنفقتم من نفقة إلا أن الله عز وجل يخلفها لكم بالأجر العظيم وبمضاعفة الأجور. فلهذا فالصدقة هي التي تبقى للإنسان، والنفقة هي التي تبقى للإنسان، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث عبد الله بن الشخير: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي، مَالِي، وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ». وما تصدقت به فأمضيته، ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾، أي نفع لكم. ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾، هذا الذي يكون صحيحًا، أنه يكون لله عز وجل مخلصًا له، أي ينفق العبد إخلاصًا لله. أما إذا كان رياء فلا يقبله الله عز وجل. ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾. إذ لا يضيع شيء عند الله عز وجل. وهذا كرّره ربنا جل وعلا، كرّر معنى الجزاء وفاقًا لأجل تذكير العباد. وأنما أنفقتموه من هذه الأموال التي يبخلون بها، والتي أيضًا يمسكونها ويشحون عنها، فإنه من أنفق منها فإنه يتحصل على الأجر العظيم. ولأن هذا الإنفاق يكون شحيحًا على النفس، وكذلك أيضًا ثقيلًا على النفس، ولأن طبع العبد وطبع بني آدم على حب المال، يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنتان: حب المال. فلهذا فإن الله عز وجل جعل للنفقة أجرها العظيم، الصدقة أجرها العظيم عنده سبحانه وتعالى. ثم قال رحمه الله: ويخبر عن المؤمنين حقًا أنهم لا ينفقون إلا لطلب مرضات ربهم واحتساب ثوابه، لأن إيمانهم يدعوهم إلى ذلك. فهذا خير وتزكية للمؤمنين، أي أن أعمالهم خالصة لوجه الله، ويتضمن التذكير لهم بالإخلاص. وكرّر علمه تعالى بنفقاتهم لإعلامهم أنه لا يضيع عندهم مثقال ذرة، ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. فكرّر الله عز وجل أجر الصدقة حتى يعلم العباد، كما ذكر المؤلف رحمه الله، أن أجرهم لا يضيع عند الله عز وجل ولو كان شيئًا يسيرًا. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»، نصف تمرة تتصدق بها تتقي بها نار جهنم، والعياذ بالله. أن تخلص لله عز وجل في صدقة في نصف تمرة، ما عندك إلا هذه تمرة. فلهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما قالت له عائشة رضي الله عنها: لما جاءت عندها امرأة ومعها بنتان، فأرادت صدقة من عندها عائشة، فما وجدت إلا ثلاث تمرات، فأعطتها إياها، فأعطت بنتيها كل واحدة منهن تمرة، فأكلنها. فأرادت أن تأكل التمرة، فرأت بنتيها تنظران إليها، فشقت هذه التمرة، فأعطت هذه نصفًا وهذه نصفًا. فلما أخبرت عائشة رضي الله عنها النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الْجَنَّةَ» أو «رَحِمَهَا اللَّهُ بِذَلِكَ وَأَدْخَلَهَا الْجَنَّةَ». إذ شيء يسير، أو وضعها الله عز وجل بجنات عظيمة. فلهذا لا يستهين الإنسان بالنفقة ولو كان شيئًا يسيرًا، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، وأجر كذلك من تصدق. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَأْمُلُ الْغِنَى وَتَخْشَى الْفَقْرَ»، تَأْمُلُ الْغِنَى وَتَخْشَى الْفَقْرَ، تُعِينُ عَلَى نَفْسِكَ، وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَشَحُّ بِهَذَا الْمَالِ وَتَرْغَبُ، تَظُنُّ أَنَّ هَذَا الْمَالَ تَحْتَاجُهُ فِي الْأَيَّامِ الْمُقْبِلَةِ، فَتَقُومُ فَتَصَدَّقُ بِهِ، فَهَذَا مِنْ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر