الدرس في من فقه الدعوة 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع مكانة الدعوة كوظيفة الأنبياء وضرورة تحلي الداعي بالصبر والحكمة، معرفاً الحكمة بوضع الشيء في موضعه. يستدل المحاضر بآيات قرآنية وحديث معاذ بن جبل لتوضيح مراعاة أحوال المدعوين والتدرج في الدعوة.
يبين المقطع منهج الداعية بالبدء بالتوحيد ثم الصلاة فالزكاة مراعياً التدرج من الأهم للأهم. يوضح الفرق في الأسلوب بين من يحتاج بيان الدليل ومن يحتاج الموعظة الحسنة مستشهداً بموسى مع فرعون والنبي ﷺ مع أصحابه.
يستعرض المقطع أساليب الدعوة المناسبة لكل حال: الرفق مع الجاهلين، والجدال بالتي هي أحسن مع أصحاب الشبهات، والشدة مع المعاندين. يسرد مواقف النبي ﷺ مع الأعرابي في المسجد، ومن أراد قتله، وعفوه يوم الفتح التزاماً بالآية الكريمة.
يختتم المتحدث الدروس بالدعاء إلى الله أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه. يختم الجلسة بالحمد لله رب العالمين خاتمةً للمجلس العلمي.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فقد تقدم معنا ما يتعلق بدعوة إلى الله عز وجل، والمكانة العالية والمنزلة الرفيعة التي جعلها ربنا سبحانه وتعالى لمن سلك طريق الدعوة إلى الله عز وجل، وأنها تعتبر من أعظم الأعمال والوظائف؛ لأنها وظيفة الأنبياء والمرسلين. وهكذا أيضاً هي وظيفة عباد الله الصالحين. وتقدم معنا أيضاً أن طريق الدعوة إلى الله عز وجل ليس مفروشاً بالورود، وإنما يعتري الداعي... وهكذا أيضاً يبتلى الدعاة بأنواع من الفتن والمصائب والأذى والشرور، وكان واجباً عليهم أن يتحلوا بآية الصبر، كما صبر الأنبياء والرسل. وهكذا أيضاً المصلحون من الدعاة إلى الله عز وجل، فالصبر يعتبر من المقامات الرفيعة والصفات العظيمة التي ينبغي أن يتحلى بها الدعاة إلى الله عز وجل. وفي هذا المقام نحب أن نتذاكر مبحثاً عظيماً من مباحث الدعوة إلى الله عز وجل، ألا وهو ما يتعلق بالحِكمة في الدعوة إلى الله عز وجل. ربنا سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]. فهذا أمر من الله عز وجل لنبيه ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو كذلك أيضاً أمر لأمته من بعده. وهذا هو الأصل في الأوامر التي يأمر بها ربنا سبحانه وتعالى النبي عليه الصلاة والسلام، ما لم يأت دليل على أن ذلك مما اختص به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا أيضاً مما ينبغي أن يعلم أن من المهام العظيمة التي أمر ربنا سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بها هو القيام بتعليم الأمة الحِكمة، الحِكمة كما في قوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة: 2]. وهكذا قوله سبحانه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران: 164]. ووردت الحِكمة في كتاب ربنا عز وجل وأريد بها معانٍ، منها: السنة. وهكذا أيضاً تأتي الحِكمة في القرآن ويراد بها العلم. وهكذا أيضاً تأتي السنة في القرآن ويراد بها الحق. وهذه معانٍ متقاربة تدور حول العلم بالحق والعمل به، وتعليمه لمن لا يعلمه، وتعليمه لمن لا يعلمه بما يحببه إليه، وهكذا يحمله على قبوله والعمل به، والعمل بهذا الحق الذي يدعى إليه. وأصل الحِكمة كما قال أهل العلم: أنها وضع الشيء في موضعه المناسب. وهكذا أيضاً من الحِكمة: توفية الأمر حقه دون زيادة أو نقصان، أن يوفى الأمر حقه من غير زيادة ولا نقصان. والواجب على الدعاة إلى الله عز وجل أن يتحروا الحِكمة في دعوتهم. فربنا سبحانه وتعالى قد قال في كتابه الكريم: ﴿مَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 269]. ومن يؤتى الحِكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، وما يتذكر إلا أولو الألباب. والحِكمة في الدعوة إلى الله عز وجل تتعلق بها أمور، ومن أهم هذه الأمور: أنه ينبغي على الداعي إلى الله عز وجل أن يتعرف على المجتمع الذي سيدعو فيه، وهكذا أيضاً يتعرف على أحوال المدعوين، يتعرف على أحوال المدعوين. وقد استدل أهل العلم على هذا بما ورد في الصحيحين من حديث ابن عباس، وجاء أيضاً من حديث معاذ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، وإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». فالنبي عليه الصلاة والسلام بين لمعاذ حال القوم الذين سيفد عليهم وسيقوم بدعوتهم وتعليمهم والقضاء فيما بينهم، بين له أنهم قوم أهل كتاب، قوم أهل كتاب، وما دام أن القوم من أهل الكتاب فإنه سيكون عندهم شيء من العلم، وهكذا أيضاً لربما كان عندهم شيء من الشبه وغيرها من الأمور التي تحتاج إلى استعداد، فأرشد النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى أوائل الأمور التي يبدأ بها في دعوتهم: الدعوة إلى التوحيد أولاً وقبل كل شيء، ثم بعد ذلك الدعوة إلى إقام الصلاة، وهكذا الدعوة إلى إيتاء الزكاة، ثم بعد ذلك يتدرج الداعي إلى الله عز وجل في دعوة هؤلاء المدعوين بما يراه صالحاً لهم، فيبدأ بالمهم فالأهم. وهكذا أيضاً من هذه الأمور التي تتعلق بها، أو تتعلق بنعم الحِكمة في الدعوة إلى الله عز وجل: أنه ينبغي على الداعي إلى الله عز وجل أن يوضح الحق بحججه وبراهينه، بالحجج من كتاب الله عز وجل، وهكذا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهكذا أيضاً البراهين الدامغة البينة، سواء كانت براهين شرعية أو كانت براهين عقلية. أحياناً يحتاج الداعي إلى الله عز وجل أن يستعين في بيان الحق بالأدلة والبراهين العقلية، بالبراهين العقلية، حتى يذعن المدعو إلى أن يقبل الحق ويذعن به ويتقبله، وكذلك أيضاً يعمل به. ولهذا ذكر ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم عن أنبيائه ورسله، قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: 4]. وفي الصحيحين قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وإن من البيان لسحراً، وإن من البيان لسحراً». فالداعي إلى الله عز وجل يوضح ما يدعو إليه بالحجج، حتى يكون ذلك أدعى إلى أن يقبله المدعو، إلى أن يقبله المدعوون، إلى أن يقبله المدعوون. فآيات وأحاديث، وهكذا أيضاً من كلام أهل العلم وغير ذلك مما يعين على أن يتقبل هؤلاء الناس ما يدعو إليه هذا الداعي، وليس مجرد نعم حكايات وقصص، وهكذا أيضاً لربما كلام خاوٍ عن الأدلة والبراهين. فوجود الدليل يعتبر ماذا؟ سبباً عظيماً لقبول هذا الحق الذي يدعو إليه الداعي. وهكذا أيضاً من هذه الأمور التي تتعلق بالحِكمة في الدعوة إلى الله عز وجل: أنه ينبغي على الداعي إلى الله عز وجل أن يكون لين الخطاب في دعوته للناس، وهكذا أيضاً استخدم الأساليب التي تكون مناسبة لأحوالهم، لأحوالهم. فربنا سبحانه وتعالى لما أرسل موسى وهارون إلى فرعون، أمر ربنا سبحانه وتعالى هذين الرسولين الكريمين بقوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44]. مع أنه فرعون الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24]، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38]، إلى آخر تلكم المقالات الشنيعة والعبارات الكفرية الصريحة. ومع هذا، انظر أخي في الله كيف أن الله عز وجل وجه هذين النبيين إلى أن يسلك في دعوة هذا الرجل وهذا الطاغية إلى ماذا؟ إلى أن يسلك معه أولاً مسلك الرفق وهكذا اللين. ولهذا قال له موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: 18-19]، ثم أراه من الآيات والبينات ما أرجى أن يكون سبباً في هدايته، وكذلك أيضاً متابعته. لكن أصر على الطغيان وعلى الكفر ومعاداة ومحاربة أنبياء الله ورسله. وهكذا أيضاً نبينا عليه الصلاة والسلام، فمن الآداب العظيمة التي أدب بها ربنا عز وجل النبي عليه الصلاة والسلام ما جاء في قوله عز وجل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 159]. فإذا عزمت فتوكل على الله. وهذا هو الأصل والغالب في حال الداعي إلى الله عز وجل، أنه يسلك مسلك الرفق في دعوته، وهكذا أيضاً في مخاطبة هؤلاء المدعوين، في مخاطبة هؤلاء المدعوين. وهكذا يقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: 46]. إلا بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا منهم، إلا الذين ظلموا منهم. ولهذا ذكر أهل العلم أن أحوال المدعوين مختلفة: فمن المدعوين من يحتاج إلى أن يبين له الحق بدليله، إلى أن يبين له الحق بدليله، وهذا في من كان مريداً للحق، وهكذا إذا بين له الحق اتبعه. فهذا قالوا: يكفي في دعوته بيان الحق بدليله. ومن المدعوين من قد يكون عارفاً للحق لكن عنده شيء من التوقف أو شيء من الجفاء لهوى في نفسه أو شهوة أو مجاملة غلبت عليه أو غير ذلك من الأسباب، فمثل هذا يحتاج إلى الموعظة الحسنة، يحتاج إلى الموعظة الحسنة، فإذا وعظ وذكر بالله عز وجل فإنه غالباً يرجع ويقبل هذا الحق الذي دعي إليه. ومن الناس من قد يكون عنده شبهات أو تأويلات تكون سبباً في صرفه عن الحق، أو تكون سبباً في إصراره على الباطل، شبه... وهكذا لربما تأويلات فاسدة كانت حاجزاً ومانعاً من قبوله للحق، أو قد تكون ماذا؟ سبباً لكي يصر على الباطل أو على البدعة أو على الانحراف الذي هو عليه. فمثل هذا قد يحتاج إلى شيء من الجدال بالأدلة والبراهين، بالأدلة والبراهين. ومن الناس من قد يغلب عليه العناد والتكبر والتجبر وغير ذلك، فيحتاج إلى أن يشد عليه، يحتاج إلى أن يشد عليه. ولهذا موسى عليه الصلاة والسلام لما صدر من فرعون ما صدر من عناد وتكبر وتجبر، نعم لم يستمر الرفق واللين، وإنما انتقل عليه الصلاة والسلام إلى مرحلة أخرى في مخاطبة فرعون. ولهذا ذكر ربنا سبحانه وتعالى في ختام سورة الإسراء عن موسى مع فرعون أنه قال له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا * وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنَ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: 102]. أي هالكاً، أي هالكاً. فلهذا إخواني في الله، ينبغي على الداعي إلى الله عز وجل أن يسلك في طريق الدعوة إلى الله عز وجل الأسلوب، الأسلوب الأكمل والأحسن، الذي يكون ماذا؟ سبباً في هداية هؤلاء المدعوين وإيصال الحق لهم. ولا ينبغي على الداعي إلى الله عز وجل، ولا سيما من كان في بداية الدعوة إلى الله، أن يقوم بين الناس فيشنع عليهم: أنتم عندكم كذا وفعلتم كذا، وعندكم إعراض، وعندكم تكبر، إلى غير ذلك. فهذا قد يكون سبباً لعدم قبول هذا الحق، وكذلك أيضاً قد يكون سبباً في نعم عدم متابعته فيما يدعو إليه من الخير، وهكذا أيضاً فيما يبذله من النصح، فيما يبذله من النصح. ولهذا تقدم بعض الكلام حول دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أممهم وأقوامهم، ومنهم نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي كان يدعو بالحِكمة والموعظة الحسنة، وكم المواقف... وهكذا أيضاً النماذج والأمثلة من سيرته عليه الصلاة والسلام في دعوته للمشركين، وهكذا أيضاً للأعراب الجفاة الذين يجهلون أحكام هذا الدين، وما موقفه عليه الصلاة والسلام مع أسارى بدر، وهكذا في يوم فتح مكة لما فتح الله عليه مكة، وهكذا أذل الله عز وجل راية الكفر، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عفى، وهكذا أيضاً عفى وصفح عن هؤلاء المشركين وأطلقهم، وكان ذلك سبباً في إسلام كثير منهم، في إسلام كثير منهم. وهكذا مواقفه عليه الصلاة والسلام مع الأعراب، ذاك الأعرابي الذي دخل فبال في طائفة وناحية من نواحي المسجد، وهمّ الصحابة أن يقعوا به، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «دعوه، لا تزرموه»، ثم أمر بذَنوب أو سجل من ماء فأهريق عليه، أي على البول، ثم علم النبي عليه الصلاة والسلام ذلكم الداعي، ذلكم الأعرابي، إلى أن هذه المساجد لم تبنَ لهذا الأمر، ولا تصلح لمثل هذا الأمر، وإنما هي للصلاة وذكر الله والتسبيح، إلى غير ذلكم مما بين النبي عليه الصلاة والسلام لهذا الأعرابي. وهكذا أيضاً ذلكم الأعرابي الآخر الذي ورد قصته في حديث جابر في الصحيحين، لما رجع النبي عليه الصلاة والسلام من غزوة ذي الرقاع، فنام تحت الشجرة وعلق سيفه عليها، فنام الصحابة تحت الأشجار، فجاء هذا الأعرابي واخترط السيف، فإذا هو بيده صلتاً، فاستيقظ الصحابة على ذلك الموقف، فقال ذلكم الأعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم: «من يمنعك مني؟» أو قال له: «أتخافني؟» قال: «لا»، قال: «من يمنعك مني؟» قال: «الله»، قال: فسقط السيف من يده، فأخذه النبي عليه الصلاة والسلام، فقال للأعرابي: «من يمنعك مني؟» قال: «كن خير آخذ»، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟» قال: «لا، ولكن أعاهدك ألا أقاتلك، وألا أكون مع قوم يقاتلونك، وألا أكون مع قوم يقاتلونك»، فخلّى النبي عليه الصلاة والسلام سبيله، فذهب الرجل إلى قومه وهو يقول: «جئتكم من عند خير الناس، جئتكم من عند خير الناس». وهكذا إخواني في الله، المواقف والأمثلة كثيرة لا يسعها مثل هذا المقام. وأشهد من هذا أنه ينبغي على الداعي إلى الله عز وجل أن يمتثل أمر الله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، ولا يمنع ذلك أنه إن احتاج الأمر إلى شيء من الشدة أن يسلك الداعي لله عز وجل الأصلح والأكمل في ذلك. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين.