من فقه الدعوة 2

الدرس في من فقه الدعوة 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

صفات الداعي الناجح: العلم والأخلاق وموافقة العمل للقول

يشترط في الداعي الناجح التحلي بالعلم ومكارم الأخلاق وموافقة العمل للقول، مستدلاً بآيات وأحاديث تحذر من الجهل ومفاسده. وتعد موافقة الفعل للقول ركناً أساسياً لنجاح الدعوة وسلامة الداعي.

أخلاق الداعية: موافقة العمل للإخلاص والرحمة

يؤكد المقطع ضرورة موافقة فعل الداعية لقوله وإخلاص الدعوة لوجه الله دون رياء أو عصبية. كما تبرز الرحمة بالمدعوين والرفق واللين كشرط لقبول الدعوة واتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

الرحمة والحلم والرفق في صفات الداعية

تعد الرحمة والحلم والأناة من أعظم صفات أهل السنة والدعاة، مستدلاً بأقوال العلماء وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل الطائف ويوم أحد. وهذه الأخلاق سبب لقبول الدعوة وتأليف القلوب ونجاح المسار الدعوي.

ختام المجلس ودعاء الختام

يختتم المتحدث المجلس معبراً عن أمله في عقد مجلس آخر لاستكمال المقامات المتبقية. ويختم بالدعاء بأن يجعلهم الله هداة مهتدين ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.

  • 22 جمادى الأولى 1432هـ - 25/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فقد تقدم معنا إخواني في الله في مجلس سابق ما يتعلق بأهمية القيام بواجب الدعوة إلى الله عز وجل، وأن وظيفة الدعوة إلى الله عز وجل لا يقوم بها إلا الكمل من الرجال والنساء، وخواص خلق الله عز وجل، وأنها وظيفة الأنبياء والمرسلين، وهكذا ورثة الأنبياء من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ألا وهم العلماء. وهذا يدل دلالة واضحة على أهمية هذا المقام، وهذا العمل، وهذه الوظيفة العظمى التي يختص بها، أو التي يوفق الله عز وجل لها من شاء من خلقه وعبيده. ومضى معنا أيضاً ما يتعلق بأنه ينبغي على الداعي إلى الله عز وجل أن يراعي صفات وأموراً وأسباباً تكون سبباً لنجاح دعوته، ولكي ينفع الله عز وجل بدعوته القريب والبعيد، والقليل والكثير، والذكور والإناث من الناس. وذكرنا من هذه الأمور المعينة على ذلك: تحلي الداعي إلى الله عز وجل بمكارم الأخلاق، وجميل الصفات، والآداب الحميدة التي دعا إليها ديننا الإسلامي الحنيف، وكان نبينا عليه الصلاة والسلام الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة في التحلي بمكارم الأخلاق. كيف لا وقد قال عليه الصلاة والسلام عن نفسه: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وفي رواية: «لأتمم صالح الأخلاق». وهكذا أيضاً ذكرنا من هذه الصفات والمقامات التي ينبغي أن يكون عليها الداعي إلى الله عز وجل ما يتعلق بأمر البصيرة فيما يدعو إليه، وهكذا أيضاً في حال المدعوين، وطريقة الدعوة إلى الله عز وجل، وذلك كله لا يكون إلا بالعلم، لا يكون إلا بالعلم. ولهذا العلم قبل القول والعمل، كما قال الإمام أبو عبد الله البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: «باب العلم قبل القول والعمل»، استدل على ذلك بقول الله عز وجل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾. والدعوة إلى الله عز وجل إذا كانت على بصيرة، والبصيرة هنا هي العلم، أثمرت ونفع الله عز وجل بها من شاء من خلقه وعبيده. وأما إذا كانت الدعوة إلى الله عز وجل على غير بصيرة، وعلى غير علم وهدى، فإن صاحبها يفسد أكثر مما يصلح، يفسد أكثر مما يصلح. ولهذا مضى معنا قول الخليفة الراشد، الخليفة العادل، والرجل الصالح عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، حيث قال: «من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح، كان ما يفسد أكثر مما يصلح». ولهذا ربنا سبحانه وتعالى أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يقول: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، أي أنه عليه الصلاة والسلام يدعو إلى الله عز وجل على بصيرة، وهكذا أتباعه ممن سلك مسلك الدعوة إلى الله عز وجل، كذلك أيضاً هم يدعون الناس على بصيرة، وعلى علم. ومضى معنا بيان بعض مفاسد الجهل، والعواقب الوخيمة التي يجر إليها الجهل بدين الله عز وجل. ومن أعظم ذلك أنه لربما كان سبباً في وقوع هذا الجاهل في أعظم الذنوب وأشدها وأخطرها، ألا وهو الشرك بالله عز وجل. ولهذا ذكر ربنا سبحانه عن قوم موسى في قوله سبحانه: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكِفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَىٰ اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَٰؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وهكذا في حديث أبي واقد الليثي رضي الله تعالى عنه في خروج الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وفيهم من كان حديث عهد بجاهلية، إلى حنين، وأنهم مروا وإذا للمشركين سدرة يعكفون عندها يقال لها ذات أنواط، قالوا: «اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط»، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، قال: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، لتتبعن سنن من كان قبلكم». وهكذا أيضاً من هذه المقامات وهذه الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها الداعي إلى الله عز وجل، ويعتبر من الأسباب المعينة في نجاح دعوته: موافقة أفعاله لأقواله. ومن الخطأ كل الخطأ أن يقول الشخص شيئاً ثم يعمل بخلافه، ثم يعمل بخلافه. ولهذا ذم الله عز وجل من كان هذا حاله، كما في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. وهكذا أيضاً جاء في الصحيحين من حديث أبي زيد أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ، فَيَدُورُ حَوْلَهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى، فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ، فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ، أَمَا كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ». انظر إلى خطورة هذا الأمر يوم أن يخالف فعل الشخص قوله. ولهذا إخواني في الله، الناس ينظرون إلى الداعي إلى الله عز وجل بمنظار دقيق، فيراقبون أفعاله وأقواله، ولربما أثر الشخص بأقواله، أو أثر الشخص بأفعاله وسلوكه وآدابه أكثر مما يؤثر بأقواله. ولهذا أحسن من قال: «يا واعظ الناس قد أصبحت متهماً إذا عبت على الناس أموراً أنت تأتيها» تقول للناس مثلاً: اتقوا الله عز وجل، وابتعدوا عن الغيبة، عن النميمة، عن الكذب، فيأتوا ويجدوا أنك من الولاجين في هذا الباب، وممن لا يتورع عن ذلك. وهكذا تعظ الناس وتذكرهم بأن يبتعدوا عن الربا، وعن أكل المال الحرام، فيجدوا أنك ممن يخالف في ذلك، فيتركوا قولك لسوء عملك، لسوء عملك. ولهذا كما تقدم إخواني في الله، من أعظم ما يعين على قبول دعوة هذا الداعي إلى الله عز وجل أن يحسن في عمله، وأن يصلح عمله. ولهذا أيضاً قيل: «مواعظ الواعظ لن تقبل حتى يعيها قلبه أولاً». مواعظ الواعظ لن تقبل حتى يعيها قلبه أولاً. «يا ناس، أو ماذا قال القائل: يا ناس، من أضل من واعظ خالف ما قد قاله في الملاء؟ أظهر بين الخلائق إحسانه، وخالف الرحمن لما خلى وخالف الرحمن لما خلى» وهكذا أيضاً إخواني في الله، من هذه المقامات والأمور التي ينبغي على الداعي إلى الله عز وجل أن يحققها في نفسه: أن يكون عنده إخلاص في دعوته، وصدق فيما يقول ويدعو إليه، وذلك يكون بأن يكون قصد الداعي إلى الله عز وجل وجه الله سبحانه وتعالى، والأجر والثواب عنده سبحانه. وهكذا أيضاً أن يدعو الداعي إلى دين الله عز وجل، يدعو إلى كتاب الله، وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا تكون الدعوة إلى نفسه وشخصه، ولا تكون الدعوة إلى قبيلته وعشيرته، ولا تكون الدعوة إلى مذهبه أو إلى جماعته، وإنما كما قال الله عز وجل: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾. فقوله سبحانه: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾، هذا فيه إرشاد إلى أن الدعوة إنما تكون إلى الله عز وجل، ولا تكون لغيره سبحانه وتعالى، من المذاهب المنحرفة أو الأقوال الباطلة، وإنما دعوة إلى كتاب الله عز وجل، وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وكذلك أيضاً من هذه المقامات التي ينبغي أن يراعيها الداعي إلى الله عز وجل: هو أن يكون متصفاً بالرحمة بالخلق. ينبغي على الداعي إلى الله عز وجل أن يكون رحيماً، رقيقاً، مراعياً لمن يدعو، وهكذا أيضاً رحيماً بمن يدعو. ولهذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام، الذي هو كما مضى معنا إمام الدعاة وقدوتهم، كان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، كما قال ذلك عنه ربنا سبحانه. وهكذا أيضاً جاء في الصحيحين من حديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه في وصف نبينا عليه الصلاة والسلام قال: «وكان رقيقاً رحيماً، وكان رقيقاً رحيماً». وهكذا أيضاً جاء في حديث أبي موسى عند مسلم قال: «سمى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه بأسماء، فقال: أنا محمد، وأحمد، والحاشر، والعاقب، ونبي التوبة، ونبي الرحمة، ونبي التوبة، ونبي الرحمة». وهكذا ربنا سبحانه وتعالى أدب نبيه عليه الصلاة والسلام بهذا الأدب العظيم وهذا الخلق الجم، ألا وهو الرحمة بالمدعوين والرحمة بالخلق، فقال سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. انظروا إخواني في الله كيف يأمر ربنا سبحانه وتعالى ويرشد نبيه عليه الصلاة والسلام إلى الرحمة بالمدعوين، مع أنه عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء والمرسلين، فيقول ربنا جل وعلا له عليه الصلاة والسلام: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، أي لم يستجيبوا لك، ولم يتبعوا هذا الهدى الذي تدعوهم إليه. فغير النبي صلى الله عليه وسلم من باب أولى أن يتحلى بهذا الخلق، وأن يتصف بهذه الصفة العظيمة، ألا وهي الرحمة بالخلق، ألا وهي الرحمة بالخلق. ونبينا عليه الصلاة والسلام في أحاديث متكاثرة يدعو ويأمر بالتراحم، وهكذا أيضاً التواد فيما بين أهل الإسلام بعضهم مع بعض. ولهذا يقول عليه الصلاة والسلام: «من لا يرحم لا يرحم، من لا يرحم لا يرحم». وهكذا أيضاً يقول عليه الصلاة والسلام كما في حديث عبد الله بن عمر: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، يرحمكم من في السماء». وهكذا أيضاً يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «لا تنزع الرحمة إلا من شقي، لا تنزع الرحمة إلا من شقي». وهكذا يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويعرف لعالمنا حقه، ويعرف لعالمنا حقه». فلا بد إخواني في الله من الرحمة، يرحم الكبير الصغير، وهكذا القوي الضعيف، وهكذا الغني الفقير. وكما قال عليه الصلاة والسلام: «والراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». والداعي إلى الله عز وجل هو من أحق الناس في أن يتصف بهذه الصفة، وأن يتحلى بهذا الخلق وهذا الأدب الجم، ألا وهو الرحمة بالخلق. والرحمة بالخلق تعتبر من أعظم صفات أهل السنة والجماعة، ومن أهم سماتهم، حيث أنهم رحمهم الله أعلم الناس بالحق، وأرحم الناس بالخلق، أعلم الناس بالحق، وأرحم الناس بالخلق، كما أشار إلى ذلك غير واحد من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وهكذا أيضاً إخواني في الله، رحمة الداعي إلى الله عز وجل للمدعوين يولد عنده خلقاً عظيماً، ألا وهو ما يتعلق بالحلم والأناة بهم، فلا يستعجل، ولا يشق عليهم، وهكذا أيضاً لا يشدد عليهم، وإنما يسلك في ذلك مسلك الأنبياء والمرسلين مع أممهم، في ماذا؟ في التعامل بالحلم، وهكذا أيضاً الرفق والرحمة والحلم مما يحبه الله عز وجل من العبد. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لأشج عبد القيس رضي الله تعالى عنه: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة، الحلم والأناة». وهكذا أيضاً إخواني في الله، الحلم إذا انضاف إلى العلم أثمر ذلك خيراً كثيراً، أثمر ذلك خيراً كثيراً. ولهذا قال إمام التابعين الشعبي، عامر بن شراحيل الشعبي رحمه الله تعالى: «زين العلم حلم أهله، زين العلم حلم أهله». وهكذا أيضاً قال رحمه الله تعالى: «إن هذا العلم لا يصلح إلا لمن فيه عقل ونسك»، أي عبادة، قال: «فاليوم يطلبه من لا عقل له ولا نسك، اليوم يطلبه من لا عقل له ولا نسك». وهذا في أيام التابعين، فقل لي بربك، فكيف بحال بعض الناس في هذه الأزمنة المتأخرة التي كثر فيها الشر، وقل فيها الخير، وقل فيها الخير إلا من رحم ربي، إلا من رحم ربي. وهكذا أيضاً جاء عن زيد بن أسلم رحمه الله تعالى أنه قال: «لم نرى شيئاً إلى شيء أزين من حلم إلى علم، لم نرى شيئاً إلى شيء أزين من حلم إلى علم». وهذا كما قلنا إخواني في الله يتطلب من الداعي إلى الله عز وجل أن يتحلى بهذه الصفات العظيمة من الرحمة بالخلق، وبالمدعوين، وهكذا أيضاً رفق بهم، ومراعاة لأحوالهم، وهكذا أيضاً أن يحلم عنهم، وأنه ينبغي أن لا يستعجل عليهم، وأن لا يشدد عليهم، وأن لا يشق عليهم، فيكون ذلك سبباً في نفرتهم، سبباً في نفرتهم. انظروا إخواني في الله إلى حالة نبينا عليه الصلاة والسلام وهو يصف أصعب المواقف التي مرت عليه، بل وأصعب من يوم أحد، لما لاقى من قومه شدة وإعراض، فخرج يعرض نفسه على الناس، ومنهم ابن عبد ياليل وغيرهم من المشركين، فلم يستجب أحد منهم، فخرج إلى الطائف داعياً إلى الله عز وجل. فبماذا استقبله أهل الطائف النبي صلى الله عليه وسلم؟ خرج إلى الطائف لكي يدعوهم إلى الله عز وجل، ولكي يكون سبباً في إخراجهم من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام، ومن جور الأديان إلى سماحة الإسلام، وهكذا أيضاً ينقذهم من نار تلظى، لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى. فما كان جواب هؤلاء إلا أنهم سلطوا عليه سفهاءهم وصبيانهم، يرمون هذا النبي الكريم بالحجارة حتى أدموا قدميه عليه الصلاة والسلام. قال عليه الصلاة والسلام: «فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فإذا بجبريل ومعه ملك الجبال، قال جبريل: يا محمد، إن هذا ملك الجبال، وإنه مرسل من ربك». فتكلم ملك الجبال فقال: «يا محمد، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين»، أي الجبلين الذين بين مكة، الذين تقع مكة بينهما، قال: «لفعلت». فما قال عليه الصلاة والسلام: «خلصنا من شرهم، هؤلاء لا خير فيهم، قد فعلوا وفعلوا وفعلوا، لا يا عباد الله». وإنما قال النبي عليه الصلاة والسلام كلمات عظيمات، تعتبر سلوى لكل داع إلى الله عز وجل أصيب في دعوته، وأوذي في دعوته، وتكلم عليه، وقيل فيه ما قيل من أصناف الأذى، تذكر الداعي هذه الكلمات. قال عليه الصلاة والسلام: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يقول: لا إله إلا الله، من يعبد الله عز وجل ولا يشرك به شيئاً». انظروا إلى هذه الرحمة، وإلى هذا الحلم من النبي صلى الله عليه وسلم. خرج من أصلاب أبي جهل عكرمة رضي الله تعالى عنه، خرج من الوليد بن المغيرة سيوف من سيوف الله عز وجل خالد وغيره، وهكذا كثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بل ومن خيارهم، كان آباؤهم من ألد أعداء هذا الدين، وأشدهم على نبينا عليه الصلاة والسلام. فهذا من الدروس العظيمة التي يتعلمها كل داع إلى الله عز وجل، كل داع إلى الله عز وجل. نبي عليه الصلاة والسلام كان في يوم أحد، وبعد أن شج رأسه، وكسرت رباعيته، وفعل به ما فعل، كان يمسح الدم عن وجهه وهو يقول: «كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم، شجوا رأس نبيهم»، وكان يقول: «وكأني بنبي من الأنبياء قد جرحه قومه، فهو يمسح الدم عن وجهه وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». فهذه أيها الإخوان بعض المقامات، وبعض الصفات، والأسباب التي ينبغي أن يتحلى وأن يتصف بها كل من سلك طريقة الدعوة إلى الله عز وجل، وصار عليه. أنه ينبغي عليه أن يوافق قوله فعله، وأن يكون سباقاً إلى الخيرات، وهكذا أيضاً أن يكون ذا بصيرة فيما يقول ويفعل، وفيما يدعو إليه، وهكذا أيضاً أن يكون رحيماً بالخلق، وكذلك أيضاً حليماً بهم، ورفيقاً بهم. فهذا بعض ما يذكر حول ما يتعلق بهذه المقامات، ولعل الله عز وجل أن ييسر مجلساً آخر فنتذاكر فيه بعض المقامات الأخرى. نسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وفضله وإحسانه أن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.