من فقه الدعوة 3

الدرس في من فقه الدعوة 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

ضرورة العلم الشرعي أساساً للدعوة إلى الله

يؤكد المقطع أن الدعوة إلى الله لا تصح ولا تنفع إلا بالعلم الشرعي الراسخ، مستدلاً بآيات القرآن وأقوال ابن القيم وابن تيمية بأن الدعوة بغير علم تضر أكثر مما تنفع. ويضرب المثل بطلب العلم الدؤوب عند ابن عباس والزهري رحمهما الله، مبيناً أن البصيرة في الدعوة هي العلم بما يدعو إليه وكيفية الدعوة وأحوال المدعوين.

وصية بطلب العلم والعمل به واجتهاد الداعية

يشدد المقطع على ضرورة اجتهاد طالب العلم والداعية في طلب العلم والعمل به، مستشهداً بوصية ابن مسعود رضي الله عنه. ويبين أن الابتلاء سنة الله في الأنبياء والصالحين، مستعرضاً نماذج من صبر نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم على الأذى في سبيل الدعوة.

الصبر على الأذى في الدعوة اقتداء بأولي العزم

يتعرض الداعية للأذى من المنافقين كما تعرض النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أبرز ذلك إفكهم في عرض عائشة رضي الله عنها، وبرأها الله. وعلى الداعية أن يتسلح بالصبر الجميل اقتداء بأولي العزم من الرسل، فقد جعل الله الإمامة في الدين ثمرة للصبر واليقين، وعرّف شيخ الإسلام الصبر الجميل بأنه بلا شكوى، والصفح الجميل بلا عتاب، والهجر الجميل بلا أذية.

الختام بالدعاء بالتوفيق والصلاة على النبي

يختتم المتحدث المجلس بالدعاء بالتوفيق لمرضاة الله سبحانه وتعالى، ويصلي ويسلم على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ويختم بالحمد لله رب العالمين خاتمةً للمجلس العلمي والدعوي.

  • 22 جمادى الأولى 1432هـ - 25/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فقد مضى معنا -إخواني في الله- الكلام حول ما يتعلق بالدعوة إلى الله عز وجل، وأهمية القيام بهذا الواجب العظيم الذي أوجبه ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، فقال عز وجل: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وهكذا يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وتقدم معنا أيضاً ما أمر به ربنا جل وعلا نبيه عليه الصلاة والسلام، وهو كذلك أمر للدعاة من بعده، وذلك في قوله سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وما أجمل وما أبدع ما ذكره الإمام شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى عند كلامه حول هذه الآية: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، فقال رحمه الله تعالى: «فالدعوة إلى الله تعالى هي وظيفة المرسلين وأتباعهم، وهم خلفاء الرسل في أممهم، والناس تبع لهم، والله سبحانه قد أمر رسوله أن يبلغ ما أنزل إليه من ربه، وضمن له حفظه وعصمته إياهم بحسب قيامهم بدينه وتبليغهم له، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ عنه ولو آية، ودعا لمن بلغ عنه ولو حديثاً. قال: وتبليغ سنته إلى الأمة أفضل من تبليغ السهام إلى نحور العدو، لأن تبليغ السهام يفعله كثير من الناس، وأما تبليغ السنن فلا يقوم به إلا ورثة الأنبياء، فلا يقوم به إلا ورثة الأنبياء وخلفاؤهم في أممهم، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه». انتهى كلامه رحمه الله كما في التفسير القيم. وهكذا أيضاً تقدم معنا أن من أهم الركائز والأمور التي يقوم عليها أمر الدعوة إلى الله عز وجل: العلم الشرعي النافع، فدعوة بلا علم تضر أكثر مما تنفع. ومضى معنا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن الخليفة والإمام العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، إذ يقول: «من عبد الله بغير علم كان ما يضر أكثر مما ينفع، كان ما يفسد أكثر مما ينفع». وهذه كلمات عظيمات ينبغي على كل من سلك طريقة دعوة إلى الله عز وجل أن يتأمل فيها، فالدعوة لا تكون إلا على بصيرة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ومضى معنا أن أهل العلم فسروا البصيرة هنا بالعلم: علماً بما يدعو إليه، وهكذا أيضاً علم بكيفية الدعوة إلى الله عز وجل، وهكذا أحوال المدعوين. ولهذا ذكر أيضاً الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى مبيناً أهمية البصيرة في الدعوة إلى الله عز وجل، وأن يكون الداعي إلى الله عز وجل على علم بذلك، فقال رحمه الله تعالى: «فإذا كانت الدعوة إلى الله أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها، فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه، بل لا بد في كمال الدعوة من البلوغ في العلم إلى حد أقصى يصل إليه السعي، ويكفي هذا في شرف العلم أن صاحبه يحوز به هذا المقام، والله يؤتي فضله من يشاء، والله يؤتي فضله من يشاء». وقد قال الصحابي الجليل... انتهى كلام ابن القيم رحمه الله. وقال الصحابي الجليل أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: «تعلموا العلم، فإن أحدكم لا يدري متى يحتاج إليه». قد ينظر الناظر ويرى تواجد العلماء والدعاة إلى الله عز وجل وطلبة العلم، فيقول: ماذا عسى أن يحتاج الناس إليه؟ فلا ينبغي أن يكون ذلك حال المسلم، فضلاً عن طالب علم، وإنما يتعلم العبد فإنه لا يدري متى يحتاج إليه. وكلنا يعلم قصة ابن عباس رضي الله تعالى عنه، حبر هذه الأمة وبحرها وترجمان القرآن، مع ذلكم الأنصاري الذي كان يطلبان العلم معاً، فقال الأنصاري لابن عباس: ماذا عسى أن يحتاج الناس إليه وهؤلاء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم متوافرون؟ فلم يبالي ابن عباس، وجعل يأخذ العلم ويطلب العلم من كبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ويقف الأوقات أمام بيوتهم حتى يخرج ذلك الصحابي فيأخذ عنه العلم، فيقول الصحابي: يا ابن عم رسول الله، لو أخبرتنا لأتيناك. لكن ابن عباس كان نموذجاً ومثالاً للطالب المجتهد المثابر والصابر في طلب العلم، والمخلص لله عز وجل في طلبه للعلم. فمر ذلكم الأنصاري، وإذا الناس قد اجتمعوا على ابن عباس، وجعلوا يأخذون عنه العلم، فقال ذلكم الأنصاري: لقد كان هذا الفتى القرشي أفطن مني، أفطن مني. وهكذا قصة صالح بن كيسان مع الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري رحمة الله عليهما، كان يطلبان العلم معاً وترافقا في طلب العلم، فقال الزهري: نكتب ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه سنة، فكتبا عن نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى أكملا. ثم قال الزهري: نكتب ما جاء عن أصحابه فإنه سنة. قال صالح بن كيسان: فقلت: لا نكتب، فإنه ليس بسنة. قال: فكتب ولم أكتب، فأنجح وضيعت، فأنجح وضيعت. فينبغي على طالب العلم أن يجد وأن يجتهد وأن يواصل السير في طلب العلم، فإنه لا يدري متى يحتاج إليه، فإنه لا يدري متى يحتاج إليه. وقد قال أيضاً الصحابي الجليل ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: «قال رضي الله تعالى عنه: تعلموا العلم، فمن علم فليعمل». تعلموا العلم، فمن علم فليعمل. وهكذا أيضاً جاء عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: «إني لأحسب أن الرجل ينسى العلم، إني لأحسب أن الرجل ينسى العلم بالخطيئة يعملها، بالخطيئة يعملها». وكذلك أيضاً -إخواني في الله- من سلك طريق الدعوة إلى الله عز وجل، التي هي وظيفة الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين، هي وظيفة أئمة الهدى ومصابيح الدجا، الذين نعم هدى الله بهم خلقاً كثيراً من عباده، وهكذا أيضاً أخرج الله بهم كثيراً من عباده من الظلمات إلى النور، وهكذا أيضاً من ظلمات الشرك والبدع إلى نور الإسلام والسنة والهداية. فينبغي على من سلك في هذا الطريق أن لا يظن أن طريق الدعوة إلى الله عز وجل مفروشاً بالورود، وأنه لا يعتري الداعي إلى الله عز وجل أنواع الابتلاء والمصائب والفتن، فهذه سنة الله عز وجل في أنه يبتلي عباده، ويبتلي من شاء من خلقه. ولهذا قال ربنا عز وجل: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. لقد ابتلي -أيها الإخوة في الله- أنبياء ورسل، وهكذا أيضاً أئمة وصحابة وتابعون، ابتلوا في سبيل الدعوة إلى الله عز وجل. نوح عليه الصلاة والسلام: كم أوذي في قومه، وكم جلس يدعو قومه، ومع هذا كما ذكر ربنا عز وجل عنه أنه قال: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ الآيات. ظل في قومه داعياً ألف سنة إلا خمسين عاماً، ومع هذا ما آمن معه إلا نفر يسير من قومه. وهكذا أيضاً نبي الله إبراهيم وخليل الرحمن عليه الصلاة والسلام، دعا أباه ودعا قومه إلى الله عز وجل، فقوبل بالأذية، وهكذا أيضاً التكذيب والإعراض، بل تجرأ عليه قومه حتى ألقوا به في النار، قال الله عز وجل: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. وهكذا موسى عليه الصلاة والسلام: كم أوذي من فرعون وقومه، ونجاه الله عز وجل من فرعون وأهلك فرعون، ثم بعد ذلك كم لاقى من قومه بني إسرائيل أشد الأذى، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾، وكان عند الله وجيهاً. وهكذا نبينا عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: قسم النبي عليه الصلاة والسلام قسماً، فقال رجل -وجاء في بعض الروايات أنه من الأنصار-: «إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله». قال ابن مسعود: فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، قال: فغضب النبي عليه الصلاة والسلام حتى رأيت ذلك في وجهه، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يرحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر، يرحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر». وهكذا أيضاً -إخواني في الله- عيسى عليه الصلاة والسلام: كم لاقى من أذى، وكم لاقى من محاربة، حتى تآمر عليه القوم وأرادوا قتله، فرفعه الله إليه، فرفعه الله إليه. وهكذا نبينا عليه الصلاة والسلام: كم لاقى من أذية، وكم لاقى من محاربة، وكم لاقى من صد وعدوان من قبل قريش، رمي بأبشع أنواع التهم، قيل فيه: ساحر، فبرأه الله عز وجل مما قالوا، وقالوا فيه: شاعر، فبرأه الله عز وجل من ذلك، وقالوا فيه: مجنون، وقالوا فيه كذلك أيضاً: كاهن، وإلى غير ذلك من أنواع التهم التي برأه ربنا سبحانه وتعالى منها. وهكذا أيضاً كان كفار قريش جرأة على النبي صلى الله عليه وسلم، كما يقول عمر بن عبسة السلمي رضي الله تعالى عنه، يخبر أنه أتى إلى مكة، فمما أخبر به قال: «فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وقومه جرآه عليه، فقلت له: ما أنت؟ قال: نبي. قلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله. قلت: وبما أرسلك؟ قال: أرسلني بكسر الأصنام، وصلة الأرحام، وأن يعبد الله ولا يشرك به شيئاً. فقلت: من معك على هذا الأمر؟ قال: حر وعبد، حر وعبد»، أي: أبو بكر الصديق وبلال بن رباح رضي الله تعالى عنهما. فالشاهد من هذا أنهم كانوا جرأة عليه قومه، ومن ذلك ما كان يصنعه عدو الله أبو جهل عليه من الله ما يستحق، من ماذا؟ من أذى لنبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا ما كان يصنعه عقبة بن أبي معيط وأضرابهم من أئمة الكفر في ذلكم الزمان. وهكذا لما خرج إلى الطائف، واستقبله أهل الطائف بأن سلطوا عليه السفهاء والصبيان، فأصبحوا يرمونه بأنواع الحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين عليه الصلاة والسلام، ومع هذا صبر عليه الصلاة والسلام، صبر عليه الصلاة والسلام. وهكذا في يوم أحد: لما شج رأسه، وكسرت رباعيته، وهكذا دخلت حلقة المغفر في رأسه، وجرح عليه الصلاة والسلام في ركبته، وشاع وذاع بين الناس أن محمداً قد قتل، ومع هذا صبر عليه الصلاة والسلام. كان يؤذى أيضاً من قبل المنافقين، عبد الله بن أبي بن سلول، وهكذا أمثاله من المنافقين كانوا يؤذون النبي عليه الصلاة والسلام. ومن ذلكم ما ذكره ربنا عز وجل: ﴿يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا﴾، وهكذا قولهم كما قال الله عز وجل: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزَّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾، قال الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. العزيز هو النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين، وأما أولئك الحفنة من المنافقين فإنما هم في حقيقة الأمر أذله، وكذلك أيضاً يعلوهم الصغار. وهكذا أيضاً لا يخفى على الجميع ما نال المنافقون من نبينا صلى الله عليه وسلم حين أرموه في عرضه، وطعنوا في زوجته في الدنيا والآخرة، والصديقة بنت الصديق أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، فرموها بالزنا، ورموها بالإفك، فبرأها الله عز وجل من ذلك، قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، يعني: عبد الله بن أبي، والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم، له عذاب عظيم. إلى غير ذلك من أنواع الأذية التي كان يتعرض لها الأنبياء والرسل، وهكذا أيضاً صفوة خلق الله عز وجل، وهكذا من بعدهم من ورثة الأنبياء من الصحابة والتابعين، ومن سار على هذا الطريق. فقل لي بربك يا عبد الله: إذا كان هؤلاء ابتلوا بما ابتلوا به، فكيف بي وبك؟ كيف بي وبك؟ ونعم، بكل من سلك طريق الدعوة إلى الله عز وجل، فهل سيسلم من هذا الابتلاء؟ فعلى المسلم والداعي إلى الله عز وجل وطالب العلم أن يتسلى بما أصاب من قبله من الأنبياء، وأصاب من قبله من المرسلين من الأذية، وكذلك أيضاً أنواع الضرب أو القتل أو الطعن أو غير ذلك مما هو يعتبر من سنن الله عز وجل في خلقه وعبيده، في خلقه وعبيده. فنعم، نعلم بهذا أهمية الصبر، ولا سيما في سبيل الدعوة إلى الله عز وجل. ولهذا قال ربنا سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. وهكذا أيضاً يقول ربنا سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾، وهجرهم هجراً جميلاً. وهكذا أيضاً يقول ربنا سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل. وقال ربنا سبحانه في أيوب عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. وقال في إسماعيل عليه الصلاة والسلام في قصته مع أبيه إبراهيم حين أراه في المنام أنه يذبحه، قال ربنا سبحانه وتعالى عن إسماعيل: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾. وهكذا أيضاً قال الله عز وجل عن نبيه يعقوب عليه الصلاة والسلام: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾. وهكذا أيضاً قال ربنا سبحانه عن نبيه يوسف عليه الصلاة والسلام: ﴿قَالَ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾، أجر المحسنين. إذن لا بد أن يتسلح الداعي إلى الله عز وجل بالصبر أمام ما يعارضه من إعراض المدعوين، ومن أذية من هؤلاء المدعوين، ولا يسأم ولا يمل، ولا نعم، يستبطئ الطريق، ولا شيء من هذا، وإنما ينبغي أن تكون الهمة عالية، والمعنويات مرتفعة، والإمامة تكون بعد الصبر. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين». وهكذا أيضاً كان يقول أمير المؤمنين أبو حفص الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه: «وجدنا خير عيشنا في الصبر، وجدنا خير عيشنا في الصبر». وقال ابن مسعود أيضاً رضي الله تعالى عنه: «الصبر نصف الإيمان، الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله، واليقين الإيمان كله». وهكذا أيضاً ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ذكر أن الله عز وجل ذكر في كتابه: الصبر الجميل، والصفح الجميل، والهجر الجميل. قال: «أما الصبر الجميل فهو الذي لا شكوى معه، صبر بلا شكوى». قال: «فهو الذي لا شكوى معه». وقال: «والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه، لا عتاب معه، تعفو وتصفح عن أخيك، ثم بعد ذلك تأتي وماذا؟ وتعاتبه: لماذا فعلت كذا وأنت قد صلحت بكذا؟ هذا ليس من الصفح الجميل». وهكذا أيضاً ما يتعلق بالهجر الجميل، قال: «وهو الذي لا أذية معه، وهو الذي لا أذية معه». فينبغي علينا -أيها الإخوة في الله- أن نتحلى بهذا الخلق العظيم، وهذه الصفة الرفيعة التي ينبغي أن تتوفر، وأن تكون في قلب كل مؤمن وكل داع إلى الله عز وجل، فالطريق طويل، وهكذا مملوء بالفتن والمصائب، وهكذا العراقيل، ولربما الأذى الشديد. فاجعل من الأنبياء والرسل، وهكذا أئمة الهدى ومصابيح الدجا، ممن سلك في هذا الطريق، مثالاً ونبراساً وقدوة تقتدي به وتتأسى به. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.