تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 97

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 97

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 97، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام الإنفاق من الطيبات والنهي عن الخبيث

يشرح السعدي وجوب الإنفاق من المال الحلال الطيب في الواجبات والمستحبات، وينهى عن إعطاء الرديء والخبيث مستدلاً بفعل النبي مع المتصدق بخشف التمر الرديء. ويؤكد أن الطيب من المال هو المقبول عند الله في النفقة.

وسوسة الشيطان بالبخل ووعد الله بالغنى

يبيّن المقطع كيف يوسوس الشيطان للإنسان بالبخل ويعده بالفقر عند الإنفاق، بينما الصدقة تبارك في المال ولا تنقصه. ومن جعل الآخرة همه أغناه الله قلباً ويداً، والحكمة هي العلم بالتصرف في المال وفق مراد الله.

فضل الحكمة وتعريفها عند الإمام السعدي

يعرّف الإمام السعدي الحكمة بأنها العلوم النافعة والعقول المسددة وإصابة الصواب في الأقوال والأفعال، وهي أفضل من المال وأجل العطايا. وتنقل صاحبها من ظلمة الجهل إلى نور الهدى وتمكنه من نفع الخلق في دينهم ودنياهم.

الإنفاق والحكمة في الحديث النبوي

يشير الحديث إلى مسألتين رئيسيتين هما الإنفاق والحكمة، حيث تُعرّف الحكمة بأنها العلم الذي ينتفع به الناس. وتؤكد الآية ذكر هاتين المسألتين والله أعلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: قال السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. قال رحمه الله: لما ذكر أحوال المنفقين للأموال، وأن الله أعطاهم ومن عليهم بالأموال التي يدركون بها النفقات في الطرق الخيرية -أعني في الآيات التي سبقت- ذكر ربنا جل وعلا أن على أهل الإيمان أن ينفقوا من طيبات ما كسبوا، أي مما كسبوه من الحلال، فإنهم ينبغي عليهم أن ينفقوا. والمراد -كما ذكرنا هنا- النفقات الواجبة والمستحبة. النفقات الواجبة على الزوجات والأولاد، وعلى الوالدين، وكذلك أيضًا على الأرحام، وعلى اختلاف أهل العلم فيه، ورجح كما قلنا شيخ الإسلام أنه يجب أيضًا على الأرحام إذا لم يكن معهم شيء. وذهب جمهور أهل العلم إلى أن النفقة الواجبة على الوالدين، وعلى الأولاد، وعلى الزوجة، ومن عنده من المماليك، ومن عنده أيضًا من الحيوانات، فهذه النفقة الواجبة. وأما على خلاف ذلك فيعتبر مستحبًا. وكذلك أيضًا قد يطلق على الزكاة نفقة، فهي أيضًا من النفقات الواجبة. وأما الصدقات فهي من النفقات المستحبة. فلما حث الله عز وجل أهل الإيمان على الإنفاق مما أحله الله عز وجل لهم، وما كسبوا من الحلال -لأن الله عز وجل طيب لا يقبل إلا طيبًا- وكذلك مما أخرجوا من الأرض من الحبوب والزروع والثمار وغيرها، فإنهم ينبغي أن ينفقوا. وأنهاهم الله عز وجل عن أمرين: أن يقصدوا الخبيث، وقال: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾، أي: لا تقصدوا ما هو من الثمر أو من غيره ما هو لا يصلح للناس، ولا يصلح أيضًا لكم، ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه فتأخذوه عن إغماض، فإن هذا أيضًا لا ينبغي. وقدرها الله عز وجل أيضًا قبل هذه الآيات عن المن في النفقة، وكذلك غيرها من الرياء في النفقة، وكل ذلك مما حرمه الله عز وجل في النفقة. وينبغي أن الإنسان خاصة في النفقة المستحبة يخلص لله جل وعلا، وكذلك أيضًا في النفقة الواجبة. وكذلك أيضًا إذا أنفق ينفق مما يصلح أن ينفق منه. فقال: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾، أي: لا تقصدوا الخبيثة منه تنفقون، ولستم بآخذيه. ولهذا لما تصدق رجل بخشف تمر، خشف -أي اليابس الذي لا يؤكل- فوضعه في المسجد، فرآه النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «إن رب هذا الخشف لو أراد لأتى بما هو خير من ذلك، وإنه ليأكله يوم القيامة خشفًا مثل ما أعطاه، الناس سيأكله كذلك». لأن الله عز وجل قال: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾، معناه: لما لا يستطيع أن يأكله، يقوم يعطيه الناس، فمثل هذا لا يؤكل أصلًا، فلينتبه الإنسان من هذا في النفقة. ثم ذكر أن الشيطان أيضًا يوسوس للإنسان في مثل هذه الأمور، وهو الأمر الثاني: أن الشيطان يبخل ابن آدم، ويوسوس له من ناحية النفقة، وأنه سينتهي ماله إذا أنفق، وأنه محتاج لهذا المال الذي معه. فلذلك قال الله عز وجل: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾، ليس معناه بفعل هذا توفر أموالكم، لا، بل يعدكم الفقر. لأن الإنسان إذا تصدق فإن المال يبارك الله عز وجل فيه، ولا تنقصه الصدقة كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. لكن الشيطان يأتي إلى ابن آدم حتى يبخله، ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم، بل هو شر لهم، شر في الدنيا والآخرة. فلذلك الشيطان بوسوسته لهذا الإنسان، وتبخيله لهذا الإنسان، فإنه يعده الفقر، لأن البخيل مهما كثر عنده المال فهو فقير. فلذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك الحديث الذي أخرجه الإمام ابن ماجه وغيره عن عبد الله بن عمر، وكذلك جاء من حديث زيد بن ثابت، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من كانت الآخرة همه جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كانت الدنيا همه فرق الله شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يؤته من الدنيا إلا ما كتب له». وجاء في حديث المعقل بن يسار أن الله عز وجل يقول: «يا ابن آدم، تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى، وأملأ يدك رزقًا، ولا تباعد عني فأملأ يدك شغلًا، ولا تباعد عني فأملأ قلبك فقرًا». أنا يشغل من حيث لا يدري. فالمهم أن مثل هذه الأمور: الشيطان يبخل الإنسان، يعده بأنك إذا أنفقت فإنك ستفتقر، وأن سيذهب المال الذي معك. فلذلك قال الله عز وجل: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. ثم ذكر الله عز وجل أنه يؤتي الحكمة من يشاء، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا. الحكمة في العلم: العلم الذي كيف يعمل بهذا العلم الذي تعلمه، وكيف أيضًا يعمل بالمال الذي أعطاه الله عز وجل إياه، كيف يعمل به في حياته وفي إنفاقه. ولهذا جاء في الحديث الذي في الصحيحين: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها، ورجل آتاه الله المال فهو ينفقه في حقه». وأيضًا جاء في حديث بكبشة الأنماري أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قال: «الدنيا لأربعة»، قال: «رجل آتاه الله العلم والمال»، آتاه علمًا ومالًا، فلهذا أنفق هذا المال بحسب ما علم. هذا العلم الذي أعطاه الله عز وجل إياه هو الذي يجعله كيف يتصرف في أمواله، كيف يتصرف في أعماله، كيف يتصرف مع الناس: تصرف مع الحاكم، مع المحكوم، تصرف مع الكبير، مع الصغير. فهذا العلم والحكمة هو الذي يجعله كيف يفعل ويعمل على ما أراده الله عز وجل. ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾. ولهذا فسرت الحكمة بالعلم. فلذلك قال الإمام السعدي رحمه الله: لما ذكر أحوال المنفقين للأموال، وأن الله أعطاهم ومن عليهم بالأموال التي يدركون بها النفقات في الطرق الخيرية، وينالون بها المقامات السنية، ذكر ما هو أفضل من ذلك، أفضل من هذه الأموال، وأفضل شيء هو الذي يجعله يستطيع أن يتصرف في هذه الأموال. قال: وهو أن يعطي الحكمة من يشاء من عباده، ومن أراد بهم خيرًا من خلقه. والحكمة هي: العلوم النافعة، والمعارف الصائبة، والعقول المسددة، والألباب الرزينة، وإصابة الصواب في الأقوال والأفعال. وهذا كلمات نافعة وشاملة في الحكمة، قد جمع بين أقوالها. لأن من الناس من أهل العلم من يقول: الحكمة هي العلم. ومن الناس من يقول: الحكمة هي السنة، لأنها جاءت في القرآن بمعنى السنة. ومن العلماء من قال: بأن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه. فلذلك فالحكمة هي: العلوم النافعة، والمعارف الصائبة، والعقول المسددة، والألباب الرزينة، وإصابة الصواب في الأقوال والأفعال. قالوا: هذا أفضل العطايا وأجل الهبات التي يعطيها العبد. قالوا: لهذا قالوا: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، لأنه خرج من ظلمة الجهالات إلى نور الهدى، ومن حمق الانحراف في الأقوال والأفعال إلى إصابة الصواب فيها وحصول السداد، ولأنه كمل نفسه بهذا الخير العظيم، واستعد لنفع الخلق أعظم، واستعد لنفع الخلق أعظم في دينهم ودنياهم: نفعهم في دينهم بالعلم، وفي دنياهم بما يرشدهم وينصحهم في أمور دنياهم. قالوا: جميع الأمور لا تصلح إلا بالحكمة التي هي وضع الأشياء مواضعها، وهذا هو تعريفها، وهي مقابلة العدل. فالعدل هو وضع الأشياء في مواضعها، وهي ضد الظلم الذي هو وضع الأشياء في غير مواضعها. هكذا عرف أهل السنة العدل، وهو الحكمة. وكذلك أيضًا عرف الظلم بأنه وضع الأشياء في غير مواضعها. قالوا: تنزيل الأمور منازلها، والإقدام في محل الإقدام، والإحجام في موضع الإحجام، أي: متى يقدم الإنسان على الشيء، ومتى يحجم. قالوا: ولكن ما يتذكر هذا الأمر العظيم، وما يعرف قدر هذا العطاء الجسيم إلا أولو الألباب، أي: وهم أهل العقول الراسخة والأحلام الكاملة، وهم الذين يعرفون النافع فيعملونه، والضار فيتركونه. وهذان الأمران: بدل النفقات المالية، وبدل الحكمة العلمية. أي: بدل النفقات المالية قد أهم الآيات التي سبقت، وبدل الحكمة العلمية أي من هذه الآية. قال: أفضل ما تقرب به المتقربون إلى الله، وأعلى ما وصلوا به إلى أجل الكرامات، وهما اللذان: أي المال كيف ينفق المال في الخيرات، وكذلك ينفق العلم في بابه وفي استفادة الناس منه، أي العلم النافع. قالوا: هما اللذان ذكرهم النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس». أن هذا الحديث ذكر هاتين المسألتين: الإنفاق، وكذلك الحكمة وهي العلم الذي ينتفع به الناس. فهذا ما يذكر في هذه الآية، والله تعالى أعلم.