تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 96

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 96

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 96، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

غنى الله وحمده في آية الإنفاق

يفسر العلامة السعدي قوله تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ مبيناً أن الله غني عن خلقه لا يحتاج إلى نفقاتهم، وإنما شرع الإنفاق والزكاة رحمة بالعباد ونفعاً لهم في دينهم ودنياهم. ويؤكد أن صفة الحميد تلازم أفعاله وأحكامه سبحانه فكلها كمال وحكمة بالغة.

داعيا الرحمن والشيطان: المواجهة والاختيار

تعرض الآيات مقابلة بين داعي الرحمن الذي يحث على الإنفاق من الطيبات ويبشر بالمغفرة والفضل العظيم والإخلاف، وداعي الشيطان الذي يرهب بالفقر ويأمر بالفحشاء ويوعد بالنار. وتوضح عاقبة الاستجابة لكل داعية، فمن أطاع الرحمن نال الخير والسعة، ومن أطاع الشيطان كان من أهل السعير، مختومة باسمي الله الواسع العليم دلالة على سعة العطاء وعلم المستحقين.

اسم الله الواسع العليم: السعة والعطاء

يستعرض المقطع دلالة اسمي الله "الواسع العليم" في سياق الإنفاق، مبيناً أن الله واسع الفضل والعطاء يضاعف أجور المنفقين ويمنح كل ذي حق حقه بسعة لا تنفد. ويشير إلى أن من سلك سبيل الله وامتثل أمره بالإنفاق أدركته سعة الرزق والهداية والتوفيق من لدن واسع عليم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم. أما بعد، فإِن شاء الله تعالى نكمل تفسير هذه الآية، وغدًا إِن شاء الله سنبدأ في تفسير جزء عمّ. قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾، أي: بعدما ذكر ربنا جل وعلا النفقة بالكسب الطيب، أن الإنسان يحرص على أن ينفق مما كسبه من الطيبات، ولا ينبغي له أن يقصد الخبيث والرديء من الطعام فينفقه، لأنه لم ينتفع به وما يريده، بل أنه من عرف الناس مثلاً أنهم ما يأكلون مثل هذا فينفقه ويعطيه الفقراء، قال: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾. ثم قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾، قال: فهو غني عن جميع المخلوقين، وهو الغني عن نفقات المنفقين، وعن طاعات الطائعين، وإنما أمرهم بها وحثهم عليها لنفعهم، ومحض فضله وكرمه عليهم. فربنا جل وعلا لما يأمر بالنفقة فهو غني سبحانه وتعالى، ولا يريد من العباد شيئًا، وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾. فربنا جل وعلا إنما أراد أن ينتفع الناس بعضهم ببعض، خاصة أهل الإسلام، ينفع بعضهم بعضًا، فأوجب الزكاة على الأغنياء فيعطون الفقراء من هذه الزكاة، وهذه النفقة أيضًا الواجبة على الأهل، وعلى الأولاد، وعلى الوالدين وغيرهم، فهذه إنما أمرهم الله عز وجل بها وحثهم عليها لنفعهم، ومحض فضله وكرمه عليهم جل وعز. قالوا: مع كمال غناهم وسعة عطاياه فهو الحميد فيما يشرعه لعباده من الأحكام الموصلة لهم إلى دار السلام، وحميد في أفعاله التي لا تخرج عن الفضل والعدل والحكمة، بل كلها فضل وعدل وحكمة سبحانه وتعالى. قال: وحميد الأوصاف، لأن أوصافه كلها محاسن وكمالات لا يبلغ العباد كنهها ولا يدركون وصفها، فأوصافه أوصاف عظيمة جل وعلا، وأوصاف عليا، وكلها كمال. قال: فلما حثهم على الإنفاق النافع، نهاهم عن الإمساك الضار، وبين لهم أنهم بين داعيين: داعي الرحمن يدعوهم إلى الخير ويعدهم عليه الخير، أنه يدعوهم إلى الخير ويعيدهم بالخير وهو الله سبحانه وتعالى، ويعيدهم عليه الخير والفضل والثواب العاجل والآجل، وإخلاف ما أنفقوه، ﴿إِنَّمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، أي: فربنا جل وعلا يخلفه لهم في الدنيا والآخرة، فالأخرة في العجر، وفي الدنيا أن يبارك الله عز وجل لهم في أموالهم، ﴿مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِّن مَّالٍ﴾، أو قال: ﴿مَا نَقَصَ مَالٌ مِّن صَدَقَةٍ﴾، فما أنفق العبد مما أعطاه الله عز وجل، فالله عز وجل ينفق عليه، ﴿يَا بْنَ آدَمَ أَنفِقْ أُنفِقْ عَلَيْكَ﴾، حديث صحيح، معناها: إذا أنفقت أنفق الله عز وجل عليك، وبارك الله عز وجل لك في مالك، وأعطاك الله عز وجل من هذا الخير من حيث لا تحتسب، يسر الله عز وجل لك أمرك، وهذا يجده الإنسان مشاهدًا في واقعه، كلما أنفق كلما زاد الله عز وجل وأبسط الله عز وجل في رزقه. قال: وداعي الشيطان الذي يحثهم على الإمساك ويخوفهم أن أنفقوا أن يفتقروا. أنا في هاتين الآيتين ذكر ربنا جل وعلا داعي الرحمن يدعوهم إلى الخير ويعيدهم عليه الخير والفضل والثواب، وهناك داعي أيضًا يعيدهم الفقر، ويأمرهم بالفحشاء، والله عز وجل يعدهم مغفرة منه وفضلًا، والله واسع عليم. قال: فمن كان مجيبًا لداعي الرحمن وأنفق مما رزقه الله فليبشر بمغفرة الذنوب وحصول كل مطلوب، والله يعدكم مغفرة منه وفضلًا، فهنا نكر الفضل، وهذا التنكير يدل على أن الفضل عظيم لأنه من كريم سبحانه وتعالى. قال: فمن كان مجيبًا لداعي الرحمن وأنفق مما رزقه الله فليبشر بمغفرة الذنوب وحصول كل مطلوب، ومن كان مجيبًا لداعي الشيطان فإنه إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، فليختر العبد أي الأمرين أليق به، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كل الناس يغدو فبايع نفسه فمعتقها أو موبقها»، من أراد الخير فهو في رضا الرحمن وفي طريق التي بيّنها نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن أراد الشر وأراد النار فهي في طريق الشيطان. قال: وختم الآية بأنه واسع عليم، أي: واسع الصفات، كثير الهبات، عليم بمن يستحق المضاعفة من العاملين، أنا واسع في عطائه سبحانه وتعالى، وواسع في هباته، وواسع كذلك في مضاعفته لأجور عباده، فكل خير فهو منه سبحانه وتعالى، وكل عطاء منه جل وعلا. قال: وعليم، من هو أهل فيوفق لفعل الخيرات وترك المنكرات، أنا واسع على بعلم وبخبرة كذلك بإعطاء كل ذي حق حقه، وكذلك أيضًا مضاعفة له في أجره، وكذلك في هبته سبحانه وتعالى، يهب هذا العبد ويوسع عليه، وأيضًا هذا الذي يستحقه، أنا الذي يستحق مثل هذا العطاء وهو المنفق والباذل، وأيضًا الذي يسير في طريق، في الطريق التي توصله إلى الله سبحانه وتعالى، فيجد الخير ويجد السعة في إعطاء الله عز وجل، فلذا قال: واسع عليم سبحانه وتعالى. فهذا ما ذكر، والله تعالى أعلم.