تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 94

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 94

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 94، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آيات إبطال الصدقات بالمن والأذى

يشرح العلامة السعدي آيات سورة البقرة التي تبطل الصدقات إذا صاحبها المن أو الأذى، مستعرضاً ثلاثة نماذج للإنفاق: المنفق الخالص، المنفق المتبوع بالمن، والمرائي الذي تحبط أعماله. كما يذكر تفسير عمر بن الخطاب لمثل الجنة التي أحرقها الإعصار، وضرب الله مثلاً للمرائي بالصفوان الذي يزيل المطر ترابه فيبقى صلداً.

بطلان أعمال المرائين وعديمي الإيمان

توضح الآيات أن الأعمال المؤداة رياءً دون إيمان حقيقي تشبه البذر على صخرة صلبة لا تثمر وتذهب هباءً. ضرب الله في سورة البقرة وسورة الرعد أمثلة بالنار التي يضيء نورها ثم يُذهب الله نورها، وبالصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق، مبيناً بطلان أعمال المنافقين لفقدان شرط الإيمان.

أثر الإخلاص والموانع في قبول الأعمال ومضاعفة أجر الصدقة

يضرب الله الأمثال لعمل المنافق الذي لا ينتفع به كالمطر الذي تذهب منفعته بالزبد، بينما عمل المؤمن يمكث في الأرض كنفع الماء. الأعمال المقبولة المضاعفة تشترط الإيمان والإخلاص والثبات وانتفاء الموانع كالمَن والأذى والرياء، والصدقة الخالصة لوجه الله تتضاعف حتى تصير كالجبل.

خطر الرياء وإبطاله للعمل

يوضح الحديث القدسي أن الله أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه غير الله تركه الله وشريكه. الرياء يبطل العمل كله كما فصل في الدروس السابقة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. أما بعد: قال العلامة سعد رحمه الله: إن تفسيري قول الله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ﴾ إلى قوله جل وعلا: ﴿ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ إلى قوله: ﴿ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾، فذكر المؤلف رحمه الله تلخيصاً لهذه الآيات: أن الله عز وجل ضرب بها أمثلة للذي ينفق ولم يمن، أو ينفق ويتبع ولا يتبع نفقته بالمن والأذى، وكذلك ينفق ويتبعها بالمن والأذى، وكذلك الثالث: المرائي الذي تذهب أعماله بسبب الرياء الذي يهلك الأعمال، أو بسبب آخر. كما فسرها -كما قلنا- أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ ﴾. هذه الذرية لم تستطع أن تقوم معه بشيء، فلذلك خسر هذه المزرعة كلها والبستان، وأيضاً لا يستطيع أن يقيم هذا البستان لأنه قد ضعف عن الأعمال التي كان يعملها. كان عنده قوة إيمان هي التي تجعله يفعل هذه الأعمال، لكن هذا الإيمان قد ذهب، فمن الذي يعينه إن لم يتدارك نفسه بتوبة من الله؟ فإذا تاب إلى الله جل وعلا تاب الله عز وجل عليه. ولكن هنا مثال ضربه الله عز وجل لمن يهلك أعماله، يهلك أعماله بالرياء. قال رحمه الله: المثل الثالث: الذي يرائي الناس وليس معه إيمان بالله ولا احتساب لثوابه، حيث شبه قلبه بالصفوان، وهو الحجر الأملس. ﴿ صَفْوَانٌ عَلَيْهِ تُرَابٌ ﴾، صفوان: حجر الأملس الذي يكون عليه التراب. قال: يظن الرائي أنه إذا أصابه المطر أنبت كما تنبت الأراضي الطيبة، ولكنه كالحجر الذي أصابه الوابل الشديد فأذهب ما عليه من التراب، تركه صلداً. إذا جاء المطر وحط في هذا الحجر، قد كان فيه طين، سيترك هذا الحجر أملس بدون طين، سيخرج هذا الطين منه، سيكون... قال: وهذا مثل مطابر للقلب المرائي الذي ليس فيه إيمان، بل هو قاس لا يلين ولا يخشى، فهذا أعماله ونفقاته لا أصل لها. إنه يظن أن هذا التراب سينفعه مثل ما ينفع هذا التراب في الأرض الخصبة، فإنه يزرع ويخرج هذا الزرع، لكن هذا إذا كان في صَلْدٍ، في حجر صفوان، سيفرش شيئاً، سيذهب هذا، فقط التراب الذي عليه الذي كان يظن أن هذا التراب سينفعه، ولم ينفعه في شيء. هذه الأعمال التي عملها كلها تذهب عليه. ﴿ وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾. قال: الذي ليس فيه إيمان، بل هو قاس لا يلين ولا يخشى، فهذا أعماله ونفقاته لا أصل لها تؤسس عليه، ولا غاية تنتهي إليه، بل ما عمله فهو باطل لعدم شرطه. ولهذا ذكر ربنا جل وعلا في بداية سورة البقرة، وكذلك في سورة الرعد، مثلين لهذا المنافق الذي تذهب أعماله، والذي يذهب ما عنده من الخير الذي قدمه بسبب نفاقه. ذكر ربنا جل وعلا مثل الماء ونار في بداية سورة البقرة، وكذلك أيضاً بسورة الرعد. فقال الله عز وجل: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ﴾. فهذا الأول: ضرب الله عز وجل المثل الناري، مثل الرجل أوقد ناراً وأشعلها، وهذا النار هو الأعمال الصالحة التي أعملها، لكن سرعان ما تنطفئ هذه النار. ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾، لماذا؟ لأنه لم تنفع هذه الأعمال لأنه يرائي ويعملها بدون إيمان. كذلك أيضاً الذي قال: ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ﴾، فهذا... هذه الظلمات، أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق، ﴿ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ﴾. فهذا أيضاً: هذا المطر لم ينتفعوا به، أن المطر الغيث ينتفع به الناس، لكن هذا المنافق لم ينتفع بهذا العمل الصالح الذي عمله لأنه يذهب كله، في معنى منفعته تذهب، يأتي الرعد ويأتي الصواعق وتأتي كذا، فلا ينتفعون بها، لا ينتفعون بها، لا ينتفعون بها الناس. وهكذا المنافق لا ينتفع بعمله. وهكذا ضرب الله عز وجل المثال الآخر في سورة الرعد: ﴿ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ﴾. فهذا الزبد هو عمل المنافق، لا يذهب، لا ينفعه، وأما ما ينفع الناس من الماء وغيره فهذا هو عمل المؤمن. قال رحمه الله: والذي قبله: بطل بعد وجود الشرط لوجود المانع، والأول مقبول مضاعف لوجود شرطه الذي هو الإيمان والإخلاص والثبات، وانتفاء الموانع المفسدة. عن الأول الذي أنفق ماله ولم ينفع هذا المال بمن ولا أذى، لم يتبع هذا المال بمن ولا أذى، فهذا مقبول مضاعف لوجود شرطه وهو الإيمان والإخلاص والثبات، وانتفاء الموانع المفسدة من المن والأذى والرياء. وهذه الأمثال الثلاثة قال: تنطبق على جميع العاملين، فليزن العبد نفسه وغيره بهذه الموازين العادلة والأمثال المطابقة. فإنه إن أنفق ماله لأجل الله عز وجل، ابتغاء وجه الله، لا يريد جزاء ولا شكور، ولا يمن، ولا أيضاً يؤذي السائل ولا غيره، فهذا يتحصل على هذا الأجر مضاعفاً، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يربي صدقة أحدكم كما يربي أحدكم فلوة حتى تصير كالجبل»، أن هذه الصدقة اليسيرة تصير كالجبل. بل قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فاتقوا النار ولو بشق تمرة»، فهذه الصدقة تتضاعف وتضاعف أجرها مع الإيمان والإخلاص وانتفاء الموانع. وإذا كان الإنسان أدخل شيئاً من هذه الأمور فإنها تنقص بحسب إدخاله شيئاً من هذه الأمور، إما بالمن وإما بالأذى. بل إذا كان رياءً أذهبها كلها، أذهبها كلها. في حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «قال الله عز وجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه». فإذا كان رياءً بطل هذا العمل. ورياء له التفاصيل قد ذكرناها في درس مضى. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، والحمد لله رب العالمين.