الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع مفهوم السفه في المال بأنه عدم حسن التصرف فيه، ويستدل بالآية على نهي الأولياء عن تمكين السفهاء من أموالهم. كما يبين أن الفقه الإسلامي شرع باب الحجر على من يسيء التصرف في ماله حماية له.
يبيّن المقطع أن القاضي يحجر على المدين المعسر لمنعه من التصرف في ماله حتى يسدد ديونه. ويوضح واجب الولي في إنفاق مال السفيه أو اليتيم على ضرورياتهم مع الرفق وحفظ المال.
يعرض المقطع خلاف الفقهاء في وجوب النفقة على القريب المحتاج، حيث يرى مالك وابن تيمية الوجوب بينما يقصر الجمهور على الأصول والفروع والزوجة. كما يوضح أن الولي أمين على مال اليتيم ويجوز للولي الفقير الأكل منه بالمعروف.
يختم الدرس بآية من سورة النساء تأمر بالإشهاد عند دفع أموال اليتامى إليهم. ويشير المقدم إلى اكتفائه بهذا القدر من الشرح مع شكر المشاهدين على المتابعة.
بسم الله الرحمن الرحيم وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا. قال: السفهاء جمع سفيه، وهو من لا يحسن التصرف في المال، إما لعدم عقله كالمجنون والمعتوه ونحوهما، وإما لعدم رشده كالصغير وغير الرشيد. فنهى الله الأولياء أن يؤتوا هؤلاء أموالهم. والله عز وجل قال: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ﴾ [النساء: ٥]، سماها أموالكم لأنهم هم أولياء بهذه الأموال، فجعلها كأنها لهم. فالسفه المراد به عدم الرشد، وهو من لا يحسن التصرف في المال. والسفيه أصلاً هو الذي لا يحسن التصرف، وهنا المراد بالسفه في الأموال: الذي لا يحسن التصرف في المال. كما قال الله عز وجل في السفه: ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ [البقرة: ١٣٠]، فهو سفيه في هذا الباب. لكن السفيه في الأموال هو الذي لا يحسن التصرف في المال، إما لعدم عقله كالمجنون والمعتوه. المعتوه هذا ليس هو مجنوناً، لكنه ما نسميه بمتخلف، متخلف العقل، يعني عقله صغير. وإما يكون أيضاً لعدم رشده كالصغير وغير الرشيد. فنهى الله عز وجل الأولياء أن يؤتوا هؤلاء أموالهم خشية إفسادها وإتلافها، لأن الله جعل الأموال قياماً لعباده بمصالح دينهم ودنياهم. ولهذا إذا كبر الإنسان وبلغ ورُئي منه أيضاً عدم التصرف الحسن في المال، فإنه أيضاً كذلك يُحجر عليه. وهناك باب من أبواب الفقه يسمى باب الحجر، وهو الحجر على إما على الصغير لأجل ماله، وإما على السفيه الذي يبذر بالمال، فيحجر عليه حتى لا يبذر بماله. والذي يحجر عليه القاضي يحجر ماله، فلا يجعله يتصرف. وكذلك أيضاً المدين المغرم بالديون، المعسر الذي عليه ديون قد حل أجلها وهو لا يسدد، فإن القاضي أيضاً يحجر عليه في ماله حتى يسدد ديون الناس. قال: وهؤلاء لا يحسنون القيام عليها وحفظها، فأمر الله الولي أن لا يؤتيهم إياها، بل يرزقهم منها ويكسوهم، ويبذل منها ما يتعلق بضروراتهم وحاجاتهم الدينية والدنيوية. أنا إذا كان زكاة، وإذا كان يحتاج إلى شيء من أمور الدنيا يشتريه لهم. وقالوا: أن يقولوا لهم قولا معروفا، أن لا ينفروهم ولا يغلظوا عليهم في الكلام، وإنما يأتونهم بالرحمة والشفقة. قال: بأن يعدوهم إذا طلبوها أنهم سيدفعونها لهم، أيضاً هذا من القول المعروف، أنهم إذا طلبوا أموالهم يعدونهم أنهم سيدفعونها لهم، لكن إذا رأوا أنهم يستطيعون التصرف فيها بعد رشدهم ونحو ذلك، ويلطفوا لهم في الأقوال جبراً لخواطرهم. قالوا: في إضافة تعالى الأموال للأولياء إشارة إلى أنه يجب على من يعمل في أموال السفهاء ما يفعلونه في أموالهم من الحفظ والتصرف، وعدم التعريض للأخطار. معناه: إذا تصرف في مال هذا السفيه أو هذا الصغير اليتيم مثلاً، إذا تصرف في ماله أي وليه على غير ما يتصرف في ماله، فمعنى ذلك أنه مفرط. أو أنه إذا وضع هذا المال في شيء خطر فهو معتدٍ، معناه يضع أموالاً لأجل تجارة موهومة أو تجارة غير ناجحة وفي شك منها، فهو معتدٍ. فلهذا يعمل الولي في مال اليتيم ومال السفيه كفعله في ماله. قالوا: في الآية دليل على أن نفقة المجنون والصغير والسفيه في مالهم إذا كان لهم مال، بقوله تعالى: ﴿ وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ ﴾ [النساء: ٥]. أنه إذا كان لهم مال ينفق عليهم من مالهم، وإذا لم يكن لهم مال ينفق عليهم وليهم، ومن يجب عليه أن ينفق: إن كان أباً أو ابناً أو أخاً أو أحداً من الأقارب. على قول مالك والشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يجب. وقول الجمهور أنه لا يجب على القريب أن ينفق على قريبه ولو كان محتاجاً، وإنما هو من باب الاستحباب. لكن إن كان أباً أو ابناً أو زوجة فيجب عليه أن ينفق عليهم. قال: فيه دليل على أن قول الولي مقبول فيما يدعيه من النفقة الممكنة والكسوة، لأن الله جعله مؤتمناً على ماله، فلزم قبول قول الأمين. معناه: الولي يعتبر أميناً، يعتبر مؤتمناً، وماله وهو أمين، يد أمينة. فإذا حصل شيء من أخذ المال بغير تعدٍ ولا تفريط، فلا يلزمه الضمان، لأنه كما قال الله عز وجل: ﴿ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ﴾ [التوبة: ٩١]. وإذا أيضاً ذهبت شيء من الأموال هذه في شيء من التجارة أو في شيء من الكسوة، لا يقال له مثلاً: أنت سرقت هذا المال، أو أنت أخذت هذا المال، بل قوله مقبول. قوله مقبول إلا إذا كان الأخذ ببينة، وشهد عليه الشهود أنه أخذ، إما بإقراره يشهدون على إقراره، وإما بمعرفة هذا الأمر فيشهدون على أنه يأخذ من مال اليتيم ما ليس له به حق. وإن كان فقيراً فقال الله عز وجل: ﴿ فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [النساء: ٦]، ﴿ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [النساء: ٦]. ﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً ﴾ [النساء: ٦]. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا. والله تعالى، شكراً للمشاهدة، شكراً للمشاهدة.