الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع أن المهر فريضة واجبة للزوجة وحدها استدلالاً بقوله تعالى ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾، ولا يجوز للولي التصرف فيه بل يجب أن يعود نفعها عليها. كما يؤكد أن المرأة تملك المهر بالعقد وتستحقه بالدخول، مستدلاً بفعل النبي ﷺ مع علي وفاطمة رضي الله عنهما.
يفصل المقطع أحكام المهر عند الطلاق قبل الدخول حيث تستحق المرأة نصف المهر المسمى أو متعة، وبعد الدخول تستحق المهر كاملاً أو مهر المثل. كما يوضح أن المهر يخرج من التركة عند وفاة الزوج، وأن مهر الصغيرة يدفع لوليها.
يؤكد المقطع أن المهر ملك خالص للمرأة يحق لها التنازل عن بعضه أو هبته لزوجها طواعية بلا إكراه، ولا ولاية لوليها ولا للزوج في إجبارها على ردّه. كما يستدل بالآية الكريمة على تحريم نكاح المشركات والفاجرات وغيرهن من الخبيثات.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي عند تفسير قول الله جل وعلا: ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾، قال: ولما كان كثير من الناس يظلمون النساء ويهضن حقوقهن، خصوصاً الصداق الذي يكون شيئاً كثيراً ودفعة واحدة يشق دفعه للزوجة، بين ربنا جل وعلا أن هذا الصداق يكون للزوجة، ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾ فهو للزوجة، ليس لوليها وليس لأحد، وإنما لها فهي التي تتصرف فيه، فلا يجوز لأحد أن يتصرف فيه حتى لو كان وليها وهو أبوها. وهذا يدل على أن العبد لا يتصرف في مال ابنه الخاص الذي يكون لابنه إلا بإذنه، فلهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾ أي فريضة، أن تعطى المرأة، وآتوا أي أعطوا، أعطوا النساء مهورهن فريضة، ونحلة معناه كما قلنا فريضة. وهذا يدل على أن المهر فرض في الزواج، وليس أنه واجب فقط، وهذا قول المالكية. وأما عند الشافعية والحنابلة والحنفية فالمهر ليس بفرض، وإنما يصح الزواج إذا كان بدون مهر، والمالكية يقولون إنه شرط أو فرض، وهذا هو الصحيح لأن الله عز وجل سماه نحلة أي فريضة، ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾ أي فريضة. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لذاك الرجل: «التمس، ولو خاتماً من حديد»، التمس ولو خاتماً من حديد، لا بد من المهر ولو شيئاً يسيراً، بل أيضاً ولو شيئاً معنوياً لكن يكون فيه نفع للزوجة. ومن الخطأ أن يكون مثلاً مهراً بدون نفع للزوجة، ولو كان بالقرآن مثلاً، بعضهم يقول: أزوجك بسورة كذا، بمعنى أنه يقرأها، هذا ليس صحيحاً أن يكون هذا مهراً، المهر لا بد أن تنتفع به المرأة. وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «زوجتك بها» إنما المراد بها أن تعلمها هذه السور، تعلم هذه المرأة هذه السور فهي تنتفع بالتعليم، أو يعلمها مثلاً أي علم من علوم الكتاب والسنة فتنتفع به، فهذا يكون مهراً تنتفع به المرأة سواء كان حسياً أو معنوياً، سواء كان هذا الانتفاع حسياً أو معنوياً، وهذا قول الإمام أحمد، أو في رواية عن الإمام أحمد بترجيح شيخ الإسلام، والشافعية عندهم لا بد أن يكون حسياً. والمهم أن السنة دلت على أنه ولو معنوي لكن يكون نفعه عائداً للزوجة، لا بد أن يكون نفعه عائداً للزوجة، وهو كما قلنا فرض. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لم يزوج فاطمة ابنته بدون شيء، لما قال علي: ما معي شيء، قال له: أين درعك؟ فأتى بدرعه فزوجه عليها بدرعه، فيدل على أن المهر لا بد منه في النكاح. ولما كان كثير من الناس يظلمون النساء ويهضن حقوقهن، فتجد مثلاً الزوج يتزوج المرأة ويقول لها مثلاً: يعطيك المهر مؤخراً، أو يعطيها شيئاً معجلاً ثم يقول لها مثلاً: الباقي سأعطيك إياه في خلال سنة مثلاً أو كذا، ثم يحاول معها أن تعفو عنه، يحاول معها أن تعفو عنه في مهرها، وهذا من الخطأ. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾ فريضة نحلة، والمراد أنه لا بد أن يعطيها هذا المهر. قال: ﴿ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا ﴾، فإن كان عن طيب نفس منهن فلا بأس بذلك، أما أنه يأتي ويطلب منها أنها تتنازل عن مهرها فهذا خطأ ولا ينبغي، المرأة أن تتنازل عن مهرها، لا بد أن يعطيها مهرها، فإن كان مقدماً أعطاها، وإن كان مؤخراً يكون في ذمته حتى يعطيها ذلك المهر. قال: خصوصاً الصداق الذي يكون شيئاً كثيراً ودفعة واحدة يشق دفعه للزوجة، أمرهم وحثهم على إيتاء النساء صدقاتهن أي مهورهن، قال: نحلة أي عن طيب نفس وحال طمأنينة، فلا تمطلوهن أو تبخس منه شيئاً. وفيها أن المهر يدفع إلى المرأة إذا كانت مكلفة، وأنها تملكه بالعقد، أنها تملك المهر بالعقد، لكن متى تستحقه؟ تستحقه بالدخول. أنه لو عقد عليها ثم طلقها، فالله عز وجل ذكر أنها تتحصل على نصف المهر إذا كان المهر مسمى، فالله عز وجل يقول: ﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ﴾، فنصف ما فرضتم. وإذا كان لم يفرض لها فريضة، فقال الله عز وجل: ﴿ فَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِرِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ﴾. أنه إذا كان قد سمى لها مهراً فيعطيها نصفه، يعطيها نصف المهر، هذا إذا لم يدخل عليها. وأما إذا دخل عليها فتستحق المهر كله. وإن كان لم يسمِ لها مهراً، فإن كان دخل عليها فيكون المهر بمهر مثيلاتها، يعني على العرف السائد، كم تعطى المرأة مثلاً البكر أو المطلقة، فتعطى مثله، فتعطى مثله، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال في سبيعة بنت الحارث: «ولها المهر»، قال: «ولها مهر مثلها»، قال: «ولها مهر مثلها من غير شطط ولا وكس»، قال عليه الصلاة والسلام: «ولها مهر مثلها من غير شطط ولا وكس»، معنى لا زيادة ولا نقصان، تعطى مهر مثلها لأنه إذا دخل عليها. وهكذا إذا مات، وهكذا إذا مات، وهذه سبيعة بنت الحارث مات زوجها، وقال: «عليها العدة ولها المهر»، ولها مهر مثلها، يعني تعطى المهر إذا مات الزوج ولم يعطيها مهراً، فإن المهر يخرج من تركته. وأما إن أعطاها، فإن سمى لها مهراً فتعطى ذلك المهر الذي سمى لها، وإن لم يسمِ لها مهراً وعقد عليها فإنها تعطى مثل ذلك، يعني على العرف السائد مثل النساء. وأما إذا كان يطلقها ولم يدخل بها، فإن كان قد سمى لها مهراً فإنه يعطيها نصفه، وإن لم يسمِ فيمتعها بشيء، إذا كان ما سمى لها مهراً، يعني سيتفقون على المهر فيما بعد، لكن طلقها قبل أن يدخل بها فهنا يقدر لها شيء يمتعها به. وإن كان مثلاً كما قلنا قد سمى لها مهراً ولم يدخل عليها فيعطيها نصفه. وإذا كان لم يسمِ ودخل عليها فإنها تستحق المهر كاملاً مثل نسائها، يعني مثل على عرف النساء أو على عرف الناس في المهر. قالوا فيه: أن المهر يدفع إلى المرأة إذا كانت مكلفة، هذا إذا كانت مكلفة، ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾، ما قال العلماء: المراد بالنساء المرأة التي قد بلغت، المرأة التي قد بلغت، أما الصغيرة فتعطى أو يعطى مهرها إلى وليها. وقال: أنها تملك، وأنها تملكه بالعقد، إذا عقد عليها ملكت المهر لأنه أضافه إليها، لكن كما قلنا تستحقه متى؟ إذا دخل عليها. قالوا: الإضافة اقتضت التمليك، ﴿ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا ﴾، الإضافة معنى قوله: صدقاتهن، أضاف الهاء هنا ضمير عائد للنساء، فلهذا هذه الإضافة قال: تقتضي التمليك، أن هذا ملكها. فإن طبن لكم عن شيء منه أي من الصداق نفساً، معنى إذا طابت نفسها أنها تعطي زوجها منها أو تتنازل عن بعضه فلا بأس بذلك. قال: بأن سمحتم لكم عن رضا واختيار بإسقاط شيء منه أو تأخيره أو المعاوضة عنه، معنى المعاوضة عنه توافق أنه يعطيها بدلاً شيئاً آخر. قال: ﴿ فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾، أي لا حرج عليكم في ذلك ولا تبعة. وفيه دليل على أن المرأة تتصرف في مالها ولو بالتبرع إذا كانت رشيدة، إذا كانت امرأة رشيدة بالغة فلها تتبرع في مهرها، تتنازل مثلاً عن بعض مهرها للزوج أو تعطيه من مهرها، يعني إذا أعطاها مهرها مثلاً وبقي منه شيء جاءت وأعطته مثلاً من هذا المهر، هذا عن طيب نفسها، لا يطلب منها ولا أيضاً يحثها على ذلك أو يكرهها، وإنما يكون عن طيب نفس تعطيه من مهرها، فذلك جائز، فإذا أعطته فهو جائز له، كما قال الله عز وجل: ﴿ فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾. قالوا: فيه دليل على أن المرأة تتصرف في مالها ولو بالتبرع إذا كانت رشيدة، معنى لا يجوز للولي أن يمنعها، أنا لعب مثلاً أن يمنعها، يقول: لا لا تعطيه شيئاً، ومثلاً يرغمها على ذلك على أنها لا تعطيه ولا تتنازل عن مهرها، فهذا ليس له حق في ذلك، وإنما الحق لها هنا. قال: فليس لوليتها حكم، وأنه ليس لوليها من الصداق شيء غير ما طابت به أيضاً، حتى الولي ليس له شيء من الصداق من المهر. الآن تجد بعض الآباء أو في بعض المناطق يجعل له شيئاً من مهر المرأة، يجعل الأب يخرج مثلاً مبلغاً يقول: هذا للولي للأب، وأحياناً الزوج يعطيه لكن تجده يجعلونه من المهر، وهذا خطأ. فإن كان هدية من عند الزوج ما في شيء، لكن الآن تجد أنه شرط يعتبر شرطاً، وإن كان ليس لفظاً لكنه عرفاً، والمشروط عرفاً كالمشروط لفظاً، معناه أنه في العرف يعطي وليها مثلاً ثلاثمائة ألف أو خمسمائة ألف أو كذا، هذا لولي المرأة لأبيها مثلاً، فهذا لا يستحق وليس له شيء من ذلك. لكن لو أعطاه، لو أعطاه الزوج من طيبة نفسه هدية ما في شيء، أما أنه إلزام فهو ليس له، لأنه ليس هو الذي صاحب المهر، لأن الله عز وجل علق المهر في المرأة نفسها. وكذلك أيضاً لا يجوز للولي أن يأخذ من مهر المرأة ويتملكه لنفسه، يعني يفعل به شيئاً أو يشتري به أشياء لنفسه، وإنما هذا خاص بالمرأة، إن أعطته شيئاً لبيت، قالت له: هذا اجعله في البيت، اجعله في كذا، ما في شيء. قالوا في قوله: ﴿ وَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾، دليل على أن نكاح الخبيث غير مأمور به بل منهي عنه، كالمشركة وكالفاجرة، خبيثة يعني المرأة التي لا يعرف منها الخير، أو أنها تمشي في طريق غير صحيحة، أو أن سمعتها في سيرتها مع الرجال وكذا. فكل هذا يدل هنا كما قال المؤلف: ﴿ وَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾، هذا في الآية التي قبلها، أنه دليل على أن نكاح الخبيث غير مأمور به بل منهي عنه، كالمشركة وكالفاجرة، كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ﴾، وقال: ﴿ الزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ﴾. وخلاصة هذه الآية هي الحرص، أو أن الله عز وجل يوجب المهر للمرأة، وأنه لا تعلق للمهر بولي ولا بغير، بل هو حق المرأة، وأيضاً لا يجوز للزوج أن يرغم المرأة أن تعطيه من مهرها أو تتنازل عن ما سماه لها، وكل هذا مما لا يجوز، بل إن أعطته شيئاً طيبة من نفسها فلا بأس أن يأخذه ويتصرف فيه. طيب، طيب، نكتفي