مقتطفات من جامع بيان العلم وفضله 26

الدرس في مقتطفات من جامع بيان العلم وفضله 26، ألقاها

تحذير العلماء من حب الدنيا

ينقل الكلام عن الحسن البصري رحمه الله تحذيره من طلب الدنيا بعمل الآخرة، ويعتبر ذلك دليلا على موت قلب العالم. كما يوصي طالب العلم بالورع وهجران النوم والشبع.

خطورة عدم تطبيق العلم ومخالفة القول للفعل

يتناول خطورة عدم تطبيق العلماء لما يعلمونه، ويحذر من مخالفة القول للفعل، ويستشهد بأقوال السلف الصالح وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام لبيان عظم هذا الذنب وعقابه.

أهمية توافق القول مع الفعل في الدعوة

يتناول خطورة مخالفة القول للفعل، ويشير إلى أهمية أن يكون الداعي قدوة لما يدعو إليه، ويورد العديد من الأقوال التي تؤكد على أهمية توافق القول مع الفعل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال إمام عبد الله رحمه الله: كان في صيحة جامع بها للمفضلة، قال: قال الحسن: عقوبة العالم موت قلبه. قيل: وما موت القلب؟ قال: طلب الدنيا بعمل الآخرة. عقوبة العالم موت قلبه، قيل له: وما موت القلب؟ قال: طلب الدنيا بعمل الآخرة. هذا يقوله الحسن البصري رحمه الله: إن من عقوبة العالم موت قلبه، ويموت قلبه إذا طلب الدنيا بعمل الآخرة، يعني أنه يتخذ العلم من أجل أعراض الدنيا، من أجل شيء من غرض هذه الحياة، فهذا دليل على موت قلبه. قال: وأنشدني محمد بن إبراهيم بن مصعب لأحمد بن بشير بن أغلب في شعر له قال: أحسن شيء قيل في عالم: ما أحسن المرأة وما أورعَه، وشر ما عيب فيه: أن يرى عبدا من الدنيا لما أطمعت. هذا دليل على عدم صلاحك إذا روي في العالم جره خلف الدنيا ولهته خلف المال، فتعلم أن هذا قد مات قلبه، أنه قد مات قلبه، لأن العلم يورث الزهد الواعي في قلب صاحبه، وإذا لم يؤثر فيه هذا التأثير دل على أنه لم يتأثر بالعلم، دل على أنه لم يتأثر بهذا العلم الذي معه. قال بعض الصالحين: اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع، يعني ما يجعل الطمع صادا عن قول الحق وعن إظهار الحق، فيكون ذلك سببا في ظهور الفساد في الأرض. وهذا حال كثير من الناس، تجده يعلم الحق، وأن فلانا من الناس الحق معه والآخر ظالم، فيجعل الحق باطلا والباطل حقا من أجل طمع الدنيا، من أجل مال أو رشوة أو نحو ذلك. قال: وأنشدني المبارك: يا طالب العلم، بادر الورع وهاجر النوم وهجر الشبع. يا أيها الناس، أنتم عشق يحصده الموت، كلما طلع لا يحصد المرء عند فاقته إلا الذي في حياته زرع. يوصي المبارك رحمه الله طالب العلم بالتحلي بالورع، التحلي بالورع بترك المحرمات وكذلك ترك المشتبهات، ويهجر النوم، أي لا يكثر من النوم لأن هذا سبب الكسل والقعود عن استغلال الأوقات، وطالب العلم أحوج إلى استغلال وقته. وكذلك يهجر الشبع، يعني لا يكثر من الأكل والطعام وإدامة الشبع، لأن هذا أيضا يولد الكسل والقعود عن استغلال الأوقات، ورضا النفس وضعف الحفظ والذاكرة. ثم أوصى أن يستغل الإنسان عمره بطاعة الله جل وعلا، من ذلك العلم، والذي يستغل الإنسان في هذه الحياة ويقبل عليه من الطاعات ونحوها هو الذي يجد حصاده يوم القيامة، يجد ثمرة هذا العمل وثمرة ما كان يعمل يجده عند الله جل وعلا. قال الحسن: من أفرط في حب الدنيا ذهب خوف الآخرة من قلبه، ومن ازداد علما ثم ازداد على الدنيا حرصا لم يزدد من الله إلا بعدا، ولم يزدد من الدنيا إلا بعدا. قال: من أفرط في حب الدنيا ذهب خوف الآخرة من قلبه، يعني أنه زاد وأفرط في حب الدنيا، لم يجعل هذه الدنيا مجرد سبيل ودار ممر يأخذ منها ما يستعين به على طاعة الله جل وعلا، لا بل زاد على ذلك وجعل الدنيا هي همه، فلن يبالي في طاعة الله، ربما ترك بعض الطاعات أو ارتكب بعض المحرمات، فهذا دليل على ذهب خوف الآخرة من قلبه. لأن من كانت الآخرة في قلبه فذلك يقوده إلى الزهد في هذه الدنيا، يقوده إلى الزهد في هذه الدنيا وأن لا ينغمس فيها، وإذا انغمس فيها دل ذلك على ذهب خوف الآخرة من قلبه. قال: ومن ازداد علما ثم ازداد على الدنيا حرصا لم يزدد من الله إلا بعدا، يعني أنه من تفتح بالعلم، ومن تفتح بالعلم وإذا كان الأمر كذلك فإن العلم حجة عليه، كما قال عليه الصلاة والسلام: القرآن حجة لك أو عليك، حجة لك إذا عملت به، وحجة عليك إذا لم تعمل به. وهكذا العلم، ومن أعظم العلم القرآن، من أعظم العلم القرآن، فإذا ازددت علما وازددت في الدنيا حرصا فإن ذلك يزيدك من الله جل وعلا بعدا وبغضا. قال: قال جعفر بن محمد: إذا رأيتم العالم محبا للدنيا فاتهموه على دينكم، فإن كل محب لشيء يحوط ما أحب. انظروا إلى كلام السلف رحمهم الله وهو في غاية من الدقة، يقول: إذا رأيتم العالم محبا للدنيا فاتهموه على دينكم، يعني لا تأمنوا له في دينكم، تجد هذا العالم محبا للدنيا، يجري خلفه، يجري خلف الأموال ويتقرب إلى أصحاب الأموال، وتعلم منه لهذا الخلق الدنيء، فإذا كان كذلك فلا تأمنه على دينك، لا تأمنه على دينك. لماذا؟ لأن من أحب شيئا فإنه يحوطه، أن يحاول أن يأخذه من أي جانب، فلا يبالي ولو أضاع الدين من أجل المال، لا يبالي ولو أضاع الدين من أجل المال، وهذا واقع، ولا تجد كثيرا ممن فتن بالمال وربما ادعى أنه من أهل العلم، إذا رأيت أفعاله وواقعه ترى أنه مضيع لدينه من أجل المال، فهو يتنازل عن كثير من الأحكام الشرعية من أوامر أو نواهي من أجل أن يكسب هذا المال، من أجل كذلك أن يكسب الناس، فلا يبالي بدين الله، فتجد همه هو كيف يجمع المال وكيف يكثر من هذا المال، فمثل هذا لا تأمنه على دينك، لا تأمنه على دينك. قالوا عن الشعبي: قال: يطلع قوم من أهل الجنة إلى قوم من أهل النار فيقولون: ما أدخلكم النار؟ وإنما أدخلنا الجنة بفضل تأديبكم وتعليمكم، قالوا: إنا كنا نأمركم بالخير ولا نفعله. وهذا لفظ رجل المبارك في الزهد وأحمد وهو صحيح، ومعنى أن هؤلاء الذين دخلوا النار كانوا في الدنيا من الناصحين ومن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ولكنهم لم يكونوا يفعلون بما يأمرون، لم يكونوا يعملون بعلمهم، فانتفع أناس بما نصحوا فدخلوا الجنة، ودخل الناصحون النار، السبب أنهم خالفوا ما كانوا يقولون، كانوا يأمرون بالمعروف ولا يأتونه، وينهون عن المنكر ويأتونه، فكان عقابهم أنهم من أهل النار. وهذا بيان أن عدم العمل بالعلم خطورة على صاحبه، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث يسامة في الصحيحين: يؤتى بالرجل من أهل النار فتندلق أقتاب بطنه، يعني أمعاؤه حتى يدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيستمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: نعم، كنت أمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه. انظروا كيف كان عقابه أشد من غيره بسبب مخالفة الفعل للقول، فكان ذلك سببا في عقابه، فتبين من ذلك أن العلم أمره عظيم، وأن العلم أمره عظيم، وينبغي لطالب العلم أن يخلص في طلبه، لا يجعل طلبه من أجل دنيا أو رئاسة أو من أجل ظهور أو ترأس للمجالس ونحو ذلك، يعلم أن الأمر أعظم من ذلك، الأمر فيه جنة ونار، إن لم يفعل بما يعلم وإلا فله العقاب العظيم. قال أبو عمار: قد ذم الله عز وجل في كتابه أقواما كانوا يأمرون الناس بأعمال البر ولا يعملون بها، ذما ووبخهم الله به توبيخا يدل في طول الدهر إلى يوم القيامة، فقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أليس هذا الفعل من فعل العقلاء؟ أنك تأمر بالبر وتنسى نفسك، تأمر بالبر ولا تأتمر به، وتنهى عن المنكر ثم تأتيه، فهذا وبال على صاحبه. قال أبو العتاهية: وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى، وريح الخطايا من ثيابك تصعص، تصف التقوى كأنك من أهلها وأنت مليء بالذنوب والمعاصي، أي بمخالفة ما تأمر من التقوى. وقال سلم بن عمر المعروف بالجاسر: ما أقبح التزهيد من واعظ يزهد الناس ولا يزهد، لو كان في تزهيده صادقا أضحى وأمسى بيته المسجد، إن يرفض الدنيا فما باله يستكثر الناس ويسترزق الرزق مقسوم على من ترى، يسعى به الأبيض والأسود، يعني أنه يوبخ الذي يعظ الناس وهو من أزهد الناس فيما يعظ، هو من أزهد الناس فيما يعظ. قال أبو العتاهية في أبيات له: يا واعظ الناس قد أصبحت متهما، إذ عبت منهم أمورا أنت تأتيها، كملبس الثوب من عري وعورته للناس بادية، ماء يواريها. وأعظم الذنب بعد الشرك نعلمه، في كل نفس عماها عن مساويها، عرّى هرفانها بعيوب الناس تبصرها منهم، ولا تبصر العيب الذي فيها. يقول هذا من العيب العظيم، أنك تعيب على الناس ما هم فيه وأنت واقع فيما هو أعظم، أنت واقع فيما هو أعظم مما وقع فيه الناس، كالذي يلبس الثوب وهو عريان، يلبسه ويستر وهو عريان، يسطر عورة غيره وعورته بادية، وهكذا الذي ينصح غيره وهو محتاج إلى النصح، وهو محتاج إلى النصح. قال: وقد ذكرنا الأبيات في باب قول العلماء بعضهم في بعض من هذا الديوان، قال: وأنشد عبد الله بن عروة بن الزبير قال: أشكو إلى الله عيبي ما لا أترك، ونعتي ما لا آتي، وقال: إنما يبكون بالدين للدنيا. قال: أشكو إلى الله عيبي ما لا أترك، ونعتي ما لا آتي، يعني وصفي لما أصفه ولا آتيه، وكذلك ما أنا واقع فيه من الذنوب، هذا هو حال المؤمن، أنه يطالع مما هو واقع فيه من الذنوب والخطايا، فهو ينصح ويجتهد أن يكون أول العاملين بهذا النصح، ويرشد وهو كذلك يجتهد أن يكون أول العاملين بهذا الرشد. قال: وقد قال عبد الله بن عرغان شعرا يشبه هذا الحديث، فقال: يبكون بالدين للدنيا وبهجتها، أرباب دين عليها كلهم صاد، لا يعملون لشيء من معادهم، تعجلوا حظهم في العاجل البادي، لا يهتدون ولا يهدون تابعهم، ضل القائد وضل المقود. يقول: يبكون بالدين للدنيا، يعني يجعلون الدين من أجل الدنيا، يجعلون الدين من أجل الدنيا، لا يعملون لشيء للآخرة، لا يعملون لشيء للآخرة، وإنما يعملون لأجل الدنيا، فتعجلوا الدنيا وقدموا الدنيا على الآخرة، قدموا الدنيا على الآخرة، فظلوا وأضلوا، لم يهتدوا ولا كذلك أيضا هدوا غيرهم. وقال: يا أيها الرجل المعلم غيره، هلا لنفسك كان ذا التعليم، وأراك تلقح بالرشاد عقولنا نصحا، وأنت من الرشاد عديم، ولأب العدي بهذا المعنى: يا ذا الذي يقرأ في كتبه ما أمر الله ولا يعمله، قد بين الرحمن مقت الذي يأمر بالحق ولا يفعله، من كان لا تشبه أفعاله أقواله، فصمته أجمل من نطق الناس، فنفسي بما قد فارقت من ذنبها أعزله. إن الذي ينهى ويأتي الذي عنه نهى، في الحكم لا يعدل وراكب الذنب على جهله أعذر ممن كان لا يجهل، لتخلطن ما يقبل الله من فعل، بقول منك لا يقبله. وكل هذا في ذنب مخالفة القول للفعل، وأنه ينبغي على القائل أن يوافق قوله فعله، أن يوافق قوله فعله، فليس مرتكب الذنب جهلا كمن يتكبه عالما، فالذي يتكبه مع العلم أعظم إثما من الذي يتكبه مع الجهل، أعظم من الذي يتكبه مع الجهل. قال: وكان جندل بن عبد الله البجلي يقول: إن مثل الذي يعظ الناس وينسى نفسه كمثل المصباح يحرق نفسه ويضيء لغيره. وقال أبو عمر: قذى بعض الحكماء فقال: وبخت غيرك بالعمى فأبدته بصراً وأنت محسن لعماك، كفتيلة المصباح تحرق نفسها وتنير موقدها، وأنت كذاك، يعني جعلت نفسك كالمصباح والشمعة، الشمعة تضيء وتحرق نفسها، وهذا حال الذي يرشد الناس ولا يعمل بما يقول، فهو يضيء لغيره ويحرق نفسه لأنه يقيم الحجة على نفسه. قال: وقد قيل في غير هذا المعنى عباس بن لحسن فقال: صبرت كأني ذبالة وقدت، تضيء للناس وهي تحترق. قال: ولقد أحسن أبو الأسود الدؤلي في قوله: يا أيها الرجل المعلم غيره، هلا لنفسك كان ذا التعليم، أنراك تلقح بالرشاد عقولنا صفة، وأنت من الرشاد عديم، لا تنهى عن خلق وتأتي مثله، عار عليك إذا فعلت عظيم، وابدأ بنفسك فانهها عن غيها، فإنها إذا انتهت عنه فأنت حكيم، فهناك تقبل إن وعظت ويقتدى بالقول منك وينفع التعليم. يعني يقول: اجعل قولك موافقا لفعلك، فإذا كان كذلك فينتفع الناس بنصحك وإرشادك، أما أن تقول: يا أيها الناس عليكم بالمحافظة على الصلاة، ثم يراك الناس وأنت تتخلف، يا أيها الناس احذروا من المحرمات، ثم يراك الناس وأنت من أول الواقعين في المحرمات، فمثل هذا ما ينتفع الناس بنصحك وإرشادك. قال: وقال أبو العتاهية: الحمد لله دائما أبدا، قد يصف القول غير مقتصدي، وله أيضا: إذا عبت أمرا فلا تأتيه، وذلّك بمجتنب ما يعيبه، أي صاحب العقل يجتنب الذي يعيب والذي يذمه. وقال محمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله: لا تلم المرأة على فعلها وأنت منسوب إلى مثله، من ذم شيئا وأتى مثله، فإنما يذري على عقله. قال: وقال مصعب الفقيه: إن قوما يأمرون بالدين لا يفعلون لمجانين، وإنهم لم يكونوا يصرعون، يقول: الذين يأمروننا بالتمسك بالدين وهم لا يفعلون، هؤلاء مجانين، هؤلاء مجانين. وقال غيره: إذا أنت لم تعرف لذي السن قضله عليك، فلا تنكر عقوق الأصاغر، فحاصل هذه، الأبيات كلها كما ذكرنا، أنها تحذير من مخالفة الأقوال للأفعال، وأنه ينبغي أن يكون الواعظ من أولى الناس بانتفاعه بوعظه، حتى ينتفع الناس بذلك.

شاركنا على