كتاب التفسير من صحيح البخاري 104

كتاب التفسير من صحيح البخاري 104

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 104، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آيات الربا والزكاة ونعيم المؤمنين في سورة الروم

يوضح المقطع أن الربا الذي يُقصد به الزيادة لا يثمر أجراً، بينما الزكاة المبتغاة لوجه الله تُضاعف الأجر. كما يفسر نعيم المؤمنين في روضة يُحبرون وأحكام الميراث للملوك اليمين والعبيد.

الرزق بيد الله وحده وتفسير آيات الصدوع في سورة الروم

يؤكد المقطع أن الرزق مكتوب من الله لكل مخلوق فلا خوف من مشاركة الأبناء أو المماليك، مستدلاً بآية الرزق. ويفسر قوله تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ بالتفريق يوم القيامة وأمر ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرَ﴾ بإظهار الحق.

تفسير آية ﴿فَاصْدَعْ﴾ ومراحل خلق الإنسان من ضعف إلى قوة ثم ضعف

يشرح المقطع أن أمر ﴿فَاصْدَعْ﴾ يعني التفريق بين الحق والباطل بالدعوة، مستشهداً بآية اليهود. ثم يستعرض مراحل خلق الإنسان: ضعفاً ثم قوة ثم ضعفاً وشيبة، مع اختلاف القراءات وتفسير مجاهد.

تفسير قوله تعالى ﴿السُّوأَىٰ﴾ وعاقبة الذين أساءوا

يبين المقطع أن كلمة السوء تشير إلى الذين أساءوا وعاقبتهم تكذيب آيات الله وجحود الجزاء يوم القيامة. ويشير إلى أن المؤلف سيذكر لاحقاً حديث عبد الله بن مسعود في الدخان.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: سورة الروم. قال رحمه الله: ﴿فَلَا يَرْبُو﴾، أي: من أعطى يبتغي أفضل، فلا أجر له فيها. ﴿مَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ﴾. والربا هو الذي يعطي يريد الزيادة، وربا الفضل، فيقول الله عز وجل: ﴿مَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ﴾، أي: لا يتضاعف ولا يؤجر عليه الإنسان، إن كان قصده فقط أن يربي ماله ويطلب من الناس زيادة على ماله. وأما من يريد صدقة فهذا أجره: ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾، أي: الذين يضاعف لهم الأجر. قال مجاهد: ﴿يُحْبَرُونَ﴾، أي: ينعمون، أي: في الجنة ينعمون. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾، أي: في النعيم. جاء عن ابن عباس: ﴿يُحْبَرُونَ﴾، أي: يكرمون، كله بمعنى واحد: ينعمون ويكرمون بمعنى واحد، يعطون من النعيم العظيم. قال: ﴿يُمَهِّدُونَ﴾، أي: يسوون المضاجع. قال: ﴿يُمَهِّدُونَ﴾، يقول: يسوون لأنفسهم، ﴿يُمَهِّدُونَ﴾ أي: يسوون المضاجع. وقال ابن عباس: ﴿هَلْ لَكُم مِّمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ﴾، أي: فيها. ﴿فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾، أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضاً. معنى: ﴿هَلْ لَكُم مِّمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ﴾، والمراد أنهم يشاركونكم في الأرض، وليس كذلك معنى ملك اليمين؛ لا يرث سيده أبداً لأنه هو مثل المال، ومثل المال كذلك أيضاً المولى لا يرث السيد عند أكثر أهل العلم، لكن السيد يرث المولى، والمولى هذا العبد الذي يعتق. وأما العبد فهو يعتبر مثل المال، له يعتبر مثل المال، يورث كماله. إذا مات السيد سيد هذا العبد فالعبد يرجع للورث. وإنما يذكر الله عز وجل أن الإنسان برزقه لا يخاف، مثلاً أن يكون عنده مماليك، يخاف أن يكون عنده أبناء، يقول: أن رزقه سيقل. بعض الناس مثلاً يقول: إذا أعطاني الله عز وجل كذا وكذا من الأبناء، قد ما أستطيع أن أوفر لهم ما يكون رزقاً لهم ومعنى مطعمهم ومشربهم وملبسهم، فهذا الكلام ليس الصحيح؛ لأن الرازق هو الله سبحانه وتعالى، ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾، فلا يخاف الإنسان أن غيره يشاركه في رزقه، وأن غيره يأخذ من رزقه. لا، كل إنسان مكتوب رزقه الذي كتبه الله عز وجل له. فربنا جل وعلا يقول لهؤلاء: ﴿هَلْ لَكُم مِّمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾، فهم عندكم تعطونهم مما تطعمون، وأيضاً تكسونهم مما تكسون، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، لكن ليس معنى ذلك أنكم تخافون أنهم يريثونكم، فهم لا يريثونكم، وإنما الواجب عليكم أن تحسنوا إليهم. طيب. قال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾، أي: يتفرقون. ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرَ﴾. وقال غير: معنى ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾: لا يصدعون عنها، والمراد ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾: أي لا يتفرقون. كما ذكر أبو عبيد القاسم بن سلام: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أي: يتفرقون. وقوله أيضاً: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرَ﴾، أي: اعمل بما تؤمر، والمراد: أي: افرقه وانضه. وإن كان هذا الصدع بالحق، فاصدع بما تؤمر، واعرض عن المشركين، عن الجاهلين. وإن كان هذا الصدع بالحق يفرق أناساً عن أهل الباطل، فالصدع بالحق وقول الحق لا شك أنه يفرق، لكن هذا التفريق ليس من تفريق الباطل، بل من التفريق بين الحق والباطل، مثل ما قال الله عز وجل عن اليهود: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾، فلما جاءهم الحق حصل بينهم الخلاف، لماذا؟ لأنهم أهل باطل، فمن وقع هذا الحق في قلبه رجع إلى الله ورجع إلى هذا الحق، وأما من أراد الباطل فاستمر فيما هو عليه. لهذا فقوله: ﴿فَاصْدَعْ﴾، أي: فرق بين الحق والباطل بدعائك إلى الله عز وجل، وافصل بينهما. ثم قال: ذكر هنا أيضاً قوله جل وعلا: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ﴾. وفي لغة أو في قراءة: ﴿ضُعْفٍ﴾ بضم الضاد، وهو قراءة الجمهور. وقراءة الجمهور، وأما قراءة عاصم التي يقرأها أكثر الناس وهي القراءة عندنا، فقرأ بالفتح: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ﴾ بفتح الضاد. ومن ألفاظ الثلاث هذه الكلمة في كلها كما هو في القراءة. وأما الآخرون: قراءة أهل المدينة، قراءة أهل مكة، وكذلك قراءة أهل الشام، قراءة اليحصبي وغيرهم، أنهم يقرؤون بالضم: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضُعْفٍ﴾، ويقرؤونها في كل الكلمات. والمراد أن الله عز وجل خلق الإنسان من ضعف، من أول ما خلقه ضعيفاً، صغيراً لا يقوى على شيء، ثم جعله شاباً قوياً، ثم بعد ذلك ضعفاً مرة أخرى. وهكذا: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾، أنه جعل هذا الضعف الذي قد كان في الإنسان يجعله بعد ذلك في آخره. ثم قال: وقال مجاهد: السوء: الإساءة، جزاء المسيئين. ﴿السُّوأَىٰ﴾ جزاء المسيئين. معنى: الذين أساءوا، ﴿السُّوأَىٰ﴾، ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوء أن كذبوا بآيات الله، أي: كفروا بما يكون من الجزاء والعذاب يوم القيامة. ثم ذكر المؤلف رحمه الله حديث عبد الله بن مسعود في الدخان، مساءً إن شاء الله، أو نذكره إن شاء الله في درس لاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.