الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 185، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع الأول حديثا عن الدعاء بذكر اسم النبي، ويتطرق إلى قصة الأعرابي الذي بال في المسجد وكيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الموقف. كما يوضح أهمية الدعاء وآدابه.
ناقش المقطع الثاني قصة رجل دعا الله أن يغفر له وللنبي محمد صلى الله عليه وسلم فقط، فأنكر عليه النبي ذلك، مشيراً إلى أن رحمة الله واسعة وتشمل جميع المخلوقات. وأوضح أن الله أنزل رحمة واحدة في الدنيا يتراحم بها العباد.
المقطع الثالث يبين فضل الدعاء للغير وأحكام طلب الدعاء من الآخرين، بينما المقطع الرابع يوضح هدي السلف في الدعاء وعدم جعله ديدنًا عند زيارة شخص ما. يجتمعان في توضيح كيفية التعامل مع الدعاء بشكل صحيح.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأذب المفرد: حدثنا موسى بن إسماعيل، وشهاب. موسى بن إسماعيل هو أبو سلمة التبوذكي المنقري، وشهاب هو ابن المعمر أبو الأزهر البلخي، وثقه ابن حبان، وهو هنا مقرون بموسى بن إسماعيل، وهو ثقة. قال: حدثنا حماد، وهو ابن سلمة، عن عطاء بن السائب، وهو عطاء بن السائب بن مالك، وهو ثقة، إلا أنه اختلط في آخره، فضعفه بسبب ذلك، إلا من روى عنه قبل الاختلاط، كسفيان الثوري، وشعبة، وزهير، وزائدة، وحماد بن زيد، وأيوب، فهؤلاء رأوا عنه قبل الاختلاط، فروايتهم عنه صحيحة. واختلف في حماد بن سلمة، فإنه كما أشار الحافظ رحمه الله في التهذيب، قد روى عنه مرتين، مرة قبل الاختلاط، ومرة بعده. قال: عن أبيه، وهو السائب بن مالك، وهو ثقة، وثقه ابن معين، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رجل: اللهم اغفر لي، ولي محمد، وحدنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد حجبتها عن ناس كثير». وهذا الحديث صحيح، وأصله في البخاري. أصل الحديث في الصحيحين، وهذه القطعة منه أيضا في صحيح الإمام البخاري من حديث أبي هريرة. وأصل هذا الحديث هو قصة الأعرابي الذي دخله فبال في طائفة المسجد، فتجره الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوه حتى يكمل بوله»، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فأهريق عليه، ثم علم هذا الرجل أن هذه المساجد لم تبن لهذا، وإنما بنيت لذكر الله وإقامة الصلاة وقراءة القرآن. فجاء أنه صلى، ثم قال: اللهم اغفر لي ولمحمد، أو لمحمد، ولا تغفر لأحد، أو اغفر لي ولمحمد وحدنا. في رواية: اللهم ارحمني ومحمدا، ولا ترحم معنا أحدا. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «لقد حجبتها عن ناس كثير». وفي رواية البخاري: «لقد حجرت واسعا». وقول النبي عليه الصلاة والسلام لهذا الرجل: «لقد حجبتها عن ناس كثير»، يعني حجبت رحمة الله سبحانه وتعالى، لأن رحمة الله عز وجل واسعة. رحمة الله عز وجل واسعة، والله عز وجل يقول: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾. وسعت كل شيء، فرحمة الله عز وجل واسعة، وسعت الإنس والجن والبهائم والحيوانات. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن لله عز وجل مئة رحمة، أنزل منها في الأرض رحمة واحدة، فبها يتراحم العباد، يرحم بعضهم بعضا، وبها ترحم الوحش ولدها. فإذا كان يوم القيامة، وجعل تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة». هذا تراحم الذي يحصل بين العباد في هذه الدنيا هو برحمة واحدة خلقها الله عز وجل وأنزلها بين العباد، وجعل تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة. والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وجاء في مسلم من حديث سلمان. وهذا يدل على عظم رحمة الله سبحانه وتعالى. فلذلك أنكر النبي عليه الصلاة والسلام على هذا الرجل حين خص نفسه والنبي عليه الصلاة والسلام بالرحمة والمغفرة: «اللهم اغفر لي ولمحمد وحدنا». فأنكر عليه عليه الصلاة والسلام، وقال: «لقد حجبتها عن ناس كثير»، يعني حجبت رحمة الله سبحانه وتعالى عن ناس كثير. والذي ينبغي أنك لا تحجر واسعا، أي لا تضيق رحمة الله عز وجل لأنها واسعة. فادع لنفسك بالرحمة، والأكمل والأفضل أن تدعو لنفسك ولغيرك، أن تدعو لنفسك ولغيرك: «اللهم ارحمنا برحمتك»، وهكذا نحو ذلك من الدعاء العام الذي فيه دعاء لنفسك ولغيرك. وهذا وجه الشاهد من ذكر هذا الحديث في هذا الباب: أن دعاء الإنسان لنفسه بالرحمة والمغفرة ونحو ذلك من الدعاء الحسن، الأكمل والأفضل أنه يدعو لنفسه ولغيره، أنه يدعو لنفسه ولغيره من أهل الإيمان. كما مر معنا في الدرس السابق، ولهذا أثنى الله سبحانه وتعالى على الذين جاءوا من بعد الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وسألوا من الله عز وجل المغفرة والرحمة لهم ولمن سبقهم. والذين جاءوا من بعدهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. هذا ثناء من الله عز وجل على هؤلاء الذين دعوا لمن سبقهم بالمغفرة والرحمة. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم، لا يحجر واسعا، بل الأكمل والأفضل أنه إن دعا يدعو لنفسه ولغيره، يدعو لنفسه ولغيره من المسلمين. هل يجوز للرجل أن يقول لأخيه: لا تنسانا من صالح دعائك؟ كما مر بالأمس، قلنا الأصل أنه ليس من هدي السلف أنهم يسألون الدعاء من أهل الصلاح دائما، لكن لو فعل ذلك أحيانا، وقصد بذلك نفع الداعي مع حصول النفع له، فهذا لا بأس به. تقول له: لا تنسانا من صالح دعائك، إذا كان مثلا سيذهب إلى الحج مثلا أو العمرة، وتريد بذلك أن تنتفع بهذه الدعوة، وينتفع كذلك هو، فإن شاء الله ليس في ذلك شيء. أما أن يكون ديدن الإنسان دائما إذا جاء عند شخص أو رجل من أهل الخير: ادع الله لي، واجعل ذلك ديدنا له، فهذا لم يكن من هدي السلف رحمهم الله. والله تعالى أعلم.