الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 169، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يظهر الحديث حياء عثمان بن عفان واهتمام النبي صلى الله عليه وسلم به، حيث تصرف النبي بشكل مختلف عند دخول عثمان مقارنة بأبي بكر وعمر. هذا يدل على فضيلة عثمان وحرص النبي على راحته.
يشرح المقطع أهمية الحياء كخلق إسلامي محمود يمنع من فعل القبائح، ويستدل على ذلك بشروح النووي لأحاديث نبوية. الحياء يعتبر من الإيمان ويزين الأمور.
يفسر المقطع روايات كشف النبي لفخذيه بأنها عورة مخففة، ويشير إلى أن كشفها قد يكون في حالات معينة ولا يعني أنها ليست بعورة. يشدد على فهم الحديث بشكل صحيح.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد في باب الحياء: حدثنا عبد العزيز عن عبد الله قال: حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب قال: أخبرني يحيى بن سعيد عن العاص أن سعيد بن العاص أخبره أن عثمان وعائشة حدثاه أن أبا بكر استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متجعا على فراش عائشة لابسا مرط عائشة، والمرط قيل هو كساء من صوف أو كتان أو غيره، وقال بعضهم: هو الإزار، والإزار ما يلبس في الأسفل ما تحت السرة إلى الساقين. قال: فأذن لأبي بكر وهو كذلك، فقضى إليه حاجته ثم انصرف. ثم استأذن عمر رضي الله عنه، فأذن له وهو كذلك، فقضى إليه حاجته ثم انصرف. قال عثمان: ثم استأذنت عليه، فجلس وقال لعائشة: اجمعي إليك ثيابك، قال: فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت. قال: فقالت عائشة: يا رسول الله، لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما فزعت لعثمان. ومعنى فزعت: أي اهتممت لهما واحتفوت بدخولهما. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت إن أذنت له وأنا على تلك الحال ألا يبلغ إليه في حاجته». والحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام مسلم. وفي هذا الحديث فضيلة ظاهرة لعثمان رضي الله تعالى عنه، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام حين دخل عليه أبو بكر وعمر لم يحتفل بدخولهما، يعني لم يهتم بذلك. ولما دخل عثمان جلس عليه الصلاة والسلام وجمَع ثيابه، وأمر عائشة أن تجمع ثيابها، واحتفى بدخول عثمان. فلما سألته عائشة عن ذلك، قال: «إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت إن أذنت له وأنا على ذلك الحال ألا يبلغ إليه في حاجته». يعني أن يستحي فيرجع ولا يطلب من النبي عليه الصلاة والسلام حاجته. فذكر النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان حييا رضي الله تعالى عنه، وهذه فضيلة من فضائل عثمان رضي الله تعالى عنه. قال النووي رحمه الله: فيه جواز تدلل العالم والفاضل بحضرة من يدل عليه من فضلاء أصحابه، واستحباب ترك ذلك إذا حضر غريب أو صاحب يستحي منه. يعني: جلوس العالم والفاضل مع خاصة أصحابه ربما يجلس معهم على هيئة، ويجلس كذلك على صفة لا يجلسها مع غيرهم؛ لما بينه وبينهم من صحبة وعلاقة، فلا يهتم بدخولهم وجلوسهم معه، بخلاف ما لو دخل عليه غريب، فإنه لا يجلس معه على تلك الجلسة، ولا يكون على تلك الهيئة، بل ربما يجلس ويعتدل، وهكذا يغير من هيئته. قال رحمه الله: حدثنا إبراهيم بن موسى قال: حدثنا عبد الرزاق، وهو من همام الصنعاني صاحب المصنف، عن معمر عن راشد نزيل اليمن عن ثابة البناني عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما كان الحياء في شيء إلا زانه، ولا كان الفحش في شيء إلا شانه». والحديث صحيح. وفي هذا الحديث بيان فضيلة الحياء، وأن الحياء لا يكون في أمر من الأمور إلا كان سببا في زينته، يعني أن يجعل هذا الشيء طيبا ويجعله كذلك مباركا. بخلاف الفحش، فإنه لا يوجد في شيء إلا كان سببا في شينه، يعني في حصول الشر في هذا الشيء وعدم الخير. قال رحمه الله: وحدثنا إسماعيل قال: حدثني مالك عن أنس، إمام دار الهجرة، عن ابن شهاب، ومحمد بن مسلم الزهري عن سالم وهو ابن عبد الله بن عمر عن أبيه وعبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل يعظ أخاه في الحياء، فقال: «دعه، فإن الحياء من الإيمان». وهذا الحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام البخاري، وكذلك أيضا في مسلم، وهو في الصحيحين. وفي هذا الحديث أن الحياء من الإيمان، تخلق الإنسان بهذا الخلق، وهو أن يكون حييا، أن يكون عنده الحياء، وهو ما يمنعه من فعل القبائح وفعل الشرور، فهذا من الإيمان. النبي عليه الصلاة والسلام مر على رجل يعظ أخاه في الحياء، يعني يقول له: لماذا تستحي؟ وربما كذلك يترك ما قد يفعله غيره بسبب الحياء. فكان يعظه في الحياء، ويقول له: لماذا أنت على هذا الخلق كثير الحياء؟ فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «دعه، فإن الحياء من الإيمان». أي: هذا الخلق من الإيمان، والتحلي به من التحلي بخصال الإيمان التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم. قال: وحدثنا أبو الربيع قال: حدثنا إسماعيل قال: حدثني محمد بن أبي حرملة عن عطاء وسليمان بن يسار وأبي سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم متجعا في بيتي كاشفا عن فخذه أو ساقيه -وهذا الشك في رواية الإمام مسلم رحمه الله بصحيحة كما أشار لذلك الشيخ الألباني رحمه الله- قال: فاستأذن أبو بكر رضي الله عنه، فأذن له كذلك، فتحدث. ثم استأذن عمر رضي الله عنه، فأذن له كذلك، ثم تحدث. ثم استأذن عثمان رضي الله عنه، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم وسوى ثيابه. قال محمد: ولا أقول في يوم واحد. فدخل فتحدث. فلما خرج، قلت: يا رسول الله، دخل أبو بكر فلم تهش ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهش ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك. قال: «ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة». والحديث صحيح، وأصله في مسلم. وفي الحديث كما مر الكلام عليه من بيان فضيلة لعثمان رضي الله تعالى عنه باحتفال النبي عليه الصلاة والسلام بدخوله، وإخباره بأن عثمان رضي الله عنه رجل حيي. وفي هذه الرواية قال: «ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة». فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن عثمان تستحيي منه الملائكة، وهذه فضيلة ظاهرة وعظيمة لعثمان رضي الله تعالى عنه أن الملائكة تستحيي منه. واستدل بعض أهل العلم بهذه الرواية ودخول أبي بكر وعمر على النبي عليه الصلاة والسلام وهو على هذه الحالة، قالوا: يدل على أن الفخذين ليست بعورة. وهذا الاستدلال ليس بصحيح؛ أولا أن الرواية فيها شك: كاشفا عن فخذيه أو ساقيه. والمهم أن الصحيح أن الفخذين عورة، لكنها عورة مخففة. والسبيلان -والسبيلان القبل والدبر- عورة مغلظة؛ لما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام في إخباره بأن الفخذين عورة. ومن ذلك ما جاء في السنن أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يا معمر، غط فخذيك، فإن الفخذين عورة». فهي عورة مخففة. وما روي أو ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كشف عن شيء من فخذيه، فهذا يحمل على أن كشفها لكونها عورة مخففة، فليست عورة مغلظة. فروا ما يحتاج الإنسان أن يكشف عن فخذيه لطلوع مثلا على دابة أو نحو ذلك، فلا يدل ذلك على أنها ليست بعورة. والله تعالى أعلم.