الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 248، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع معنى «صغت» في الآية بأنها ميل القلب عن طريق الحق، ويبين أن الله لطّف بأزواج النبي ﷺ في أمر التوبة. كما يستدل بكثرة استغفار النبي ﷺ وتوبته في اليوم الواحد رغم عصمته، ليكون قدوة للأمة في الإكثار من الاستغفار والتوبة.
يؤكد المقطع أن العبد مطالب بالتوبة في كل وقت لاحتمال الخطأ والنسيان، مستشهداً بقصة عائشة وحفصة رضي الله عنهما حيث حملتهما الغيرة على الخطأ. ويشرح آيات سورة التحريم الدالة على نصر الله لنبيه، ووجوب وقاية النفس والأهل من النار بالتقوى والأدب، مختتماً بذكر مكانة الشيخ الحميدي في إسناد البخاري.
يتحدث المقطع عن الحميدي شيخ البخاري ومؤلف المسند، وانتقاده لأحمد بن حنبل لتركه حلقة سفيان بن عيينة والجلوس عند الشافعي، ثم إعجابه بالشافعي وملازمته له. كما يروي حديث ابن عباس عن سؤاله عمر بن الخطاب عن المرأتين اللتين تظاهرتا على النبي صلى الله عليه وسلم، فأجابه بأنهما عائشة وحفصة.
يتحدث المقطع عن الرواية المطولة لعمر بن الخطاب حول سبب نزول الآيات، مبيناً أن السبب إما شرب النبي صلى الله عليه وسلم العسل عند زينب أو تحريمه أمته مارية القبطية. ويشير إلى أن الحديث قد فُسر سابقاً.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: إن تتوب إلى الله فقد صغت قلوبكما». قال: «صغوت وأصغيت: ملت، لتصغى: لتميل، فقد صغت: معنا فقد مالت، مالت عن طريق الصحيح». «إن تتوب إلى الله فقد صغت قلوبكما»، فهذه الآية كما ذكرنا قبل: ربنا جل وعلا يأمر أزواج النبي عليه الصلاة والسلام بالتوبة مما فعلن، ولكن ربنا سبحانه وتعالى تلطف في القول: «إن تتوب إلى الله فقد صغت قلوبكما»، وهذا من لطف الله عز وجل وكرمه بأزواج النبي عليه الصلاة والسلام. و«صغت» كما قلنا: مالت، وهذا يدل على أن كل ما مال القلب إلى غير الطريق الصحيح، أو إلى ما لا يرضي الله عز وجل، فإنه يطالب بالتوبة، أي أن العبد يتوب. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام، وهو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما جاء في حديث الأغر أبي مسلم في صحيح مسلم، أنه قال: «إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من مئة مرة»، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإغانة قلب النبي عليه الصلاة والسلام ليست إلى غفلة ولا إلى ميلان عن غير الحق، وإنما فقط عدم ذكر الله عز وجل في كلامه أو في كذا، كما قال العلماء: إن لعل يحمل على هذا، أو يحمل على التواضع، ألا أنه قاله تواضعًا عليه الصلاة والسلام: «إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله وأتوب إليه»، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغيره أحق بذلك. أي أقصد أن غيره مطالب بالتوبة، لأن الله عز وجل قد غفر الله -أغفر- لنبيه صلى الله عليه وسلم، فغيره مطالب بالتوبة فوق هذا. إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام ما يجلس مجلسًا إلا ويستغفر الله ويتوب إليه، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر قال: «ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم جلس مجلسًا إلا وهو يقول: اللهم اغفر لي، أو كان يقول: اللهم اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم»، في رواية: «إنك أنت التواب الغفور». ففي المجلس الواحد قال عبد الله بن عمر: يعد له أكثر من سبعين مرة يقول هذا الذكر، وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو القدوة، صلوات الله وسلامه عليه. فلهذا فالعبد مطالب بالتوبة في كل وقت، في كل حين، فالتوبة ليس لها وقت معين، ولا أيضًا لا بد أن يعرف الشخص أنه أخطأ، قد يكون أخطأ بدون أن يشعر، والعبد معرض للخطأ في أي وقت، وقلبه كذلك قد يضعف في بعض الأحيان، وقد يميل في بعض الأحيان، فينسى بعض الأشياء. فهذه عائشة رضي الله عنها وحفصة، من الصالحات ومن الصديقات، لكن سبب الغيرة -عن معنى صغت قلوبهما- لأجل الغيرة، فقد يكون هناك الشخص عنده شيء قد يكون مباحًا، لكن يحمله على بعض الأشياء التي قد يكون فيها إثم، قد يكون فيها خطأ. والإنسان صحيح أن الله عز وجل لا يؤاخذ من أخطأ بغير عمد، لكن ينبغي عليه أن يرجع إلى الله ويتوب إليه، فالعبد مطالب بالتوبة في كل وقت. قالوا: قال الله عز وجل: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ﴾. قال عون: «تظاهر: تعاون». «وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه، وجبريل، وصالح المؤمنين، والملائكة بعد ذلك ظهير»، أي عوان. كل أولئك مع النبي عليه الصلاة والسلام، وكفى بالله حسيبًا جل وعلا وشهيدًا، وكفى. وكما قال الله عز وجل: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾، وهو كافيهم سبحانه وتعالى. لكن زيادة على الظهور والعون، فذكر ربنا جل وعلا جبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرًا. قال: قال مجاهد: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾، أي: أوصوا أنفسكم وأهليكم بتقوى الله وأدبوهم. هذا إما أن المراد من ذكر هذه الآية لأنها في سورة التحريم فذكرها، وإما أنه أراد أن العبد ينبغي عليه أن يحافظ على أهله، يحافظ على أولاده، يقيهم كما يقي نفسه من النار، لا يصلح نفسه ويترك أهله وأولاده ويهملهم، ولا أيضًا كذلك العكس: يهتم بأولاده ويهتم بأهله ويترك نفسه ويضيعها، فهذا خطأ. لا بد أن المؤمن يقي نفسه ويقي أهله وأولاده، يقيهم من عذاب الله جل وعلا. ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، أوصوا أنفسكم وأهليكم بتقوى الله وأدبوهم. وذكر طبر عن علي أنه قال: «علموهم وأدبوهم»، وهذا بنفس المعنى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾، ﴿أَوْصُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَأَدِّبُوهُمْ﴾. أي: قال: أوصوا أنفسكم وأهليكم بتقوى الله وأدبوهم. قال: حدثنا الحميدي، وقال: حدثنا سفيان. الحميدي هو أبو بكر الحميدي، عبد الله بن الزبير، شيخ الحرم، ومن مشايخ البخاري، وهو قرشي. قد ذكره البخاري أول رجل في صحيحه، أول رجل ذكره في صحيحه هو الحميدي. وقال العلماء: إن البخاري ذكر الحميدي في أول رجل في الإسناد لأنه قرشي، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «قدموا قريشًا»، معنى: كأنه عمل بهذا الحديث: «قدموا قريشًا قريشًا»، فقدم البخاري شيخه الحميدي. والحميدي هذا غير الحميدي الذي ألف «جذوة المقتبس في تاريخ الأندلس»، وكذلك صاحب «الجمع بين الصحيحين». الحميدي صاحب «الجمع بين الصحيحين» آخر، ذاك من الأندلس ومن تلاميذ ابن حزم. وأما هذا الحميدي فهو شيخ البخاري، لأن بعضهم يخلط: هذا الحميدي شيخ البخاري، وله مسند يسمى «مسند الحميدي»، أكثره حديث سفيان بن عيينة. قال: حدثنا سفيان. والحميدي أيضًا طلب العلم عند الشافعي رحمه الله، وذهب معه إلى مصر، وقد كان ينكر على أحمد جلوسه عند الشافعي وتركه حلقة سفيان. أن الشافعي كان بمكة، جلس فترة بمكة في بداية شبابه، ثم تحول إلى بغداد، فلما رآه أحمد في مكة جاء إليه وجلس في حلقته، فرآه الحميدي فأنكر على أحمد بن حنبل جلوسه عند الشافعي، فقال له: «تعال واسمع». قال له: «تعال واسمع». وأنكر عليه أيضًا إسحاق بن راهويه، أنكر على أحمد جلوسه عند الشافعي وترك سفيان، فقال له: «إن فاتني حديث سفيان بعلو أدركته بنزول، أنا أصحاب سفيان كلهم متوافرون، لكن قال: إن فاتني عقل هذا الفتى لا أستطيع أن... لعلي لا أستطيع أن أدرك مثله»، وكما قال رحمه الله. فلما قال له أحمد: «تعال واسمع»، جاء واستمع إلى كلام الشافعي، فعجبه جدًا وأحبه أكثر، ولازمه أكثر من أحمد، حتى ذهب معه إلى بغداد. ولما تحول إلى العراق... لما تحول أقصد إلى مصر، ذهب معه في بداية الأمر، ثم رجع إلى مكة. قال: حدثنا سفيان، وابن عيينة، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، وهو الأنصاري، قال: سمعت عبيد بن حنين المدني يقول: سمعت ابن عباس يقول: «أردت أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، فمكثت سنة فلم أجد... فلم أجد له موضعًا، يعني: يريد أن يدخله في الكلام فلم يستطع، ولم يجد كلامًا حتى يدخل هذا السؤال في الكلام». قال: «حتى خرجت معه لحاجة، فلما كنا بظهران... ذهب عمر لحاجته». ظهران: هذه بين مكة والمدينة. «فقال: أدركني بالوضوء، فأدركته بالإداوة، فجعلته أسكب عليه». وكان ابن عباس يلازم عمر ويأخذ منه العلم. قال: «ورأيت موضعًا، فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان اللتان تظاهرتا؟». فقال ابن عباس: وهذا يدل على أن عمر كان وقته مشغولًا، مشغولا إما بطاعة الله، وإما بأمور الرعية، وإما بالعلم، فلذلك لم يجد موضعًا أنه يسأله، فلما رآه متفرغًا سأله هذا السؤال. فقال: «يا أمير المؤمنين، من المرأتان اللتان تظاهرتا؟». قال ابن عباس: «فما أتممت كلامي حتى قال: عائشة وحفصة». قد ذكر البخاري قصة... هذه القصة مطولة في ذكر عمر رضي الله عنه لهذه القصة، وقد ذكرنا بالأمس سبب نزول هذه الآية أو هذه الآيات: إما لهذه الحادثة التي حصلت، وهو شرب العسل عند زينب، أو ما جاء في بعض الروايات الصحيحة أنه حرم على نفسه أمته، وهي جاء في بعض الروايات أنها مارية القبطية. فهذا إن شاء الله ما يذكره، قد مر شرح هذا الحديث، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر