الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 250، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تتعدد أسماء سورة الملك ك«تبارك» و«المانعة» و«المنجية»، ويُفسر لفظ «تفاوت» بأنه الاختلاف أو الخلل. ويؤكد أن الله خلق السماوات السبع طباقاً متقنة بلا شقوق ولا أعمدة مستدلاً بآيات قرآنية.
تصف النار شدة حرها وتميزها من الغيظ عند رؤية الكفار، وتشكو إلى ربها فيُأذن لها بنفستين في الشتاء والصيف. ثم يُفسر الأمر بالسعي في مناكب الأرض لطلب الرزق الحلال مع التوكل على الله وتجنب الحرام.
يحث على اكتساب الرزق بالحلال دون إفراط ولا تفريط، موضحاً أن التوكل الحقيقي يقترن بالأخذ بالأسباب كما فعل الطير. ويحذر من أن تشغل الأموال والأولاد عن ذكر الله مستنداً إلى نصوص قرآنية وسنة وآثار السلف.
يوضح أن الإمام البخاري فسر كلمة «الكفور» بأنها تصف من يزداد كفره وعناده كالفوران الذي يغلي. مما يدل على تفاقم الكفر والنفور لدى هؤلاء القوم.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: سورة تبارك الذي بيده الملك. وهذه السورة سماها البخاري هنا «تبارك الذي بيده الملك»، وتسمى أيضا بتسميات أخرى: تسمى «تبارك»، وتسمى «الملك»، وتسمى أيضا «تبارك الملك»، هكذا ذكر السيوطي في «الإتقان». وذكر أيضا تسميتها بـ «المانعة» و «المنجية»، وجاء ذكر حديث عند الطبراني عن عبد الله بن مسعود أنه قال: كنا نسميها «المناعة» لأنها تمنع صاحبها من عذاب القبر، كما جاء في حديث ابن عباس، وإن كان مختلفا في صحته. لكن المشهورة في تسميتها: سورة الملك. قال رحمه الله تعالى: التفاوت، الاختلاف، والتفوت واحد. فالتفاوت: الاختلاف. ﴿ لَا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ﴾، تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، ﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ﴾، ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت، ليس فيه اختلاف، بل أنها سماء محبوكة ليس فيها شيء من الشقوق، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ ﴾، أي أنها محبوكة كالوصل الواحد، ليس فيها انفطارات ولا انشقاقات ولا خروق، وإنما تتشقق يوم القيامة، ﴿ يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ ﴾، كأن الغمام ينزل من هذه الشقوق، وكذلك الملائكة تنزل من هذه الشقوق، وتتفطر هذه السماء المرادة، أيضا تتفطر أي تنشق، ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ ﴾، ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ ﴾. فالله عز وجل أحسن خلق هذه السموات العظيمة، فخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس، وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾. فالسماء كالقبة فوق الأرض، ليس عليها أعمدة، كما ذكر ربنا جل وعلا أنه خلقها بلا عمد، ليست فيها أعمدة، فلا يستطيع الإنسان أن يصنع شيئا بغير عمد، كالسقف يعتمد عليه، لكن هذا من خلق الله جل وعلا العظيم، فخلق هذه السموات الكبيرة المتسعة باتساعها وثقلها، وجعلها بدون أعمدة، ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾، فلهذا ليس فيها اختلاف ولا افتقاق، ولا كذا. قال: والتفاوت والتفوت واحد. ﴿ تَمَيَّزَ ﴾ أي تقطعت، ﴿ تَمَيَّزَ مِنَ الْغَيْظِ ﴾، أي النار، صفها الله عز وجل أنها تتقطع ويأكل بعضها بعضا، وأيضا كذلك تتغيظ إذا رأت أهل المخالفات من الكفار وغيرهم، فهي تتغيظ، يؤتى بجهنم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ولها سبعون زماما، وعلى كل زمام سبعون ألف ملك يحملونها»، وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿ إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ قَرِيبٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ﴾. فربنا جل وعلا جعل لهذه النار تميزا، وأيضا جعلها تعرف من يكون فيها، فإذا رأتهم تغيظت وتقطعت، ومن حرها وشدة حرها أنها تأكل بعضها بعضا، ولهذا اشتكت إلى ربها جل وعلا، وقالت: يا رب أكل بعضي بعضا، فأذن لها ربها جل وعلا بنفسين: نفس في الشتاء فهو أشد ما تجدون من الزمهرير، أي من البرد، ونفس في الصيف فهو أشد ما تجدون من الحر. واشتكت أيضا إلى ربها أنها قالت: ما لي لا يدخلني إلا المتكبرون؟ فقال ربنا جل وعلا لها: «أنت عذابي أعذب فيك من أشاء». وقال للجنة: «أنت رحمتي أرحم فيك من أشاء». أن الجنة اشتكت فقالت: ما لي لا يدخلني إلا الضعفاء؟ وهم أهل الرحمة غالبا، لا المتكبرون والجبارون، فهم غالبا من أهل النار، إلا من تاب إلى الله واتقى ربه جل وعلا. ﴿ فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ﴾، أي جوانبها، أي جوانب هذه الأرض، والمراد: امشوا فيها وسعوا فيها لرزقكم، ﴿ فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ﴾. والمراد أن الإنسان يسعى على رزقه ويكتسب رزقه من الحلال، فإن الله عز وجل يبارك له فيه، وكذلك أيضا يتوكل على الله، لا يعتمد على الكسب والأسباب كليا، ولا يترك الأسباب، كذلك لا ينهمك في الأسباب حتى يضيع أمر الله، ويغلو في هذا الكسب حتى يأتي به من الحرام، كما في حديث المرداس الذي في البخاري، قال: يكون في أمتي أناس يأخذون هذا المال ولا يبالون، أو كما قال: «والله لا يبالون من حلال هو من حرام»، المهم أنهم يكتسبون المال ولا يبالون بحرمته ولا بحله. فلهذا الواجب على الشخص أنه لا يغلو في هذا الباب من ناحية التكسب، لا بد أن يتكسب بالحلال، وكذلك أيضا حتى لو كان يتكسب بالحلال لا يجعل هذا الحلال يطغيه عن الدار الآخرة، وعن ما أمره الله عز وجل به. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ﴾، وقال: ﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾، ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾، أن الإنسان يتقي الله عز وجل ما استطاع. كذلك في الرزق يتوكل على الله عز وجل ويعمل بالأسباب، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا». فالطير تغدو خماصا، أي من الصباح تذهب وهي جياع، وترجع في الرواح بعد الظهر، يوم العصر، ترجع وهي ملأى وشبع، من الذي رزقها الله، لكنها أخذت بالأسباب، لم تجلس في مكانها، وإنما تسببت وذهبت فجاءت برزقها من عند الله عز وجل. فلهذا فترك الأسباب خدش في الاعتقاد، والاعتماد على الأسباب شرك، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. قال: «تدعون» و «تدعون» واحد، معناهما واحد، «تدعون» أي هذا الذي تقولونه ادعاء، هذا الذي تقولونه ادعاء. قال: «تذكرون» و «تذكرون» و «تذكرون» و «يقبضن» يضربن بأجنحتهن، و «يقبضن» يضربن بأجنحتهن، على أي طير، لما وصف الله عز وجل الطير لأجل التفكر في هذا الحيوان الصغير يطير في الهواء، ويصف جناحه، أي يجعل جناحه صافا، و «فروش» وهو يطير، و «يقبض» إذا، أرى معناه: يصف الجناح ويمشي في الهواء، ويقبض أيضا ويسرع. فالله عز وجل جعل هذه الطيور آية من آياته سبحانه وتعالى، ﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ﴾، فهي آية من آيات الله عز وجل التي جعلها في عباده، والتي أمر الله عز وجل عباده أن يعتبروا بها ويتفكروا فيها. وقال مجاهد: «صافات» أي يبسطن أجنحتهن، أن تبسط الجناح، «صافات» و «يقبض» يصفن جناحهن ويقبضنه. قال: «وتفور» أي «الكفور» وهي تفور، والمراد بالفوران: شدة حرها، فوران، معنى أنها تغلي، هذه النار وهي تفور. فهذه بعض الكلمات التي ذكرها الإمام البخاري في تفسير هذه السورة، ولم يذكر حديثا، لم يذكر حديثا عن النبي عليه الصلاة والسلام. بل معنى هذا الفوران: قال «الكفور»، معنى أنهم مثل النار التي تفور، يزدادون كفرا، يزدادون عتوا ونفورا، معنى يزدادون في كفرهم مثل النار التي تغلي، أو المال الذي يغلي مثلا يفور، يزداد حرا، هذا يزداد كفرهم وعنادهم. طيب، إن شاء الله تعالى نكسب بهذا والله.