كتاب التفسير من صحيح البخاري 251

كتاب التفسير من صحيح البخاري 251

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 251، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مطلع سورة القلم وقصة أصحاب الجنة: النية والعزم

يشرح المقطع تسمية سورة القلم بـ (نون) من الحروف المقطعة، ثم يستعرض قصة أصحاب الجنة الذين منعوا حق المساكين فسلبهم الله ثمرهم، مبيناً أن نيتهم وعزمهم على المنع استوجبا المؤاخذة. ويوضح الفرق بين الهم (النية المجردة) والعزم (النية مع التصميم)، مستدلاً بأحاديث في أن العزم على الخير أو الشر يكتب لصاحبه أجره أو وزره حتى دون فعل.

تفصيل المؤاخذة بالنية والعزم ومصطلح التعليق في الصحيح

يبيّن المقطع أن النية المجردة لا مؤاخذة عليها، أما إذا اقترن بها عزم دل عليه قول أو فعل فقد يؤاخذ العبد، مستدلاً بآية الإلحاد في الحرم وقصة أصحاب الجنة. ثم ينتقل لشرح اصطلاح "التعليق" في صحيح البخاري والفرق بين صيغ الجزم والتضعيف، مع الإشارة إلى دلالات عبارات "قيل" و"لو" في كتب الشافعية والحنابلة.

عقوبة البخل في قصة أصحاب الجنة وأقوال المفسرين

يشرح المقطع تفسير آيات سورة القلم الخاصة بأصحاب الجنة الذين تعاهدوا سراً على منع المساكين من ثمار بستانهم، فحول الله بستانهم إلى صعيد أسود (الصريم) عقوبة لهم. ويستعرض أقوال ابن عباس وأبي عبيدة في معنى (الصريم) و(إنا لضالون)، ويذكر حديث النبي ﷺ عن ترك ثلث الثمار للفقراء كسنة عملية لمنع البخل.

خاتمة التعليق على كلمات الإمام البخاري

يُختتم الحديث بالإشارة إلى أن ما ذُكر من كلمات يعود للإمام البخاري في هذه السورة، ويكتفي المتحدث بذلك مع التوكل على الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال البخاري رحمه الله تعالى: سورة نون والقلم. بسم الله الرحمن الرحيم. تسمى سورة نون، وتسمى سورة القلم. فبعض المصاحف فيها سورة نون، وبعضها فيها القلم، وأكثر أهل العلم على أن نون هو من الحروف المقطعة التي تأتي في أوائل السور. وجاء قول بأن المراد بالنون هنا الحوت، وجاء في ذلك أحاديث مرفوعة لكنها لا تصح. منها: «أول ما خلق الله القلم والحوت»، أخرجه الطبراني بإسناد ضعيف. وإن كان الحافظ سكت عنه، لكن لا يصح. والحافظ ذكر في مقدمة الفتح أن ما سكت عنه فهو مقبول، لكن قد وجدت أحاديث كثيرة سكت عنها وهي لا تصح؛ إما أنه غفل عنها، وإما أنه أراد أن يحقق القول فيها، والله أعلم. لكن وجدت أحاديث كثيرة في الفتح فيها ضعف، لهذا اعتماد بعض أهل العلم على سكوت الحافظ في الفتح ليس صحيحًا. أن بعض أهل العلم يعتمد على سكوت الحافظ على ما جاء في المقدمة، لكن الظاهر -والله أعلم- قد يكون هناك عذر للحافظ في مثل هذه الأمور، وإلا فهو إمام مطلع ولا يشق غباره في هذا الباب، فهو ممن أصل هذا الباب، أي علم الحديث أو علم المصطلح أقصد. وقال قتادة: «حردًا قادرين» في أنفسهم على حرد، قادرين أن يجدون. هم وضعوا أنهم يجدون الثمر، ولعجل أن يأخذوه ويبيعوه، فغدوا على حرد قادرين. جد: جد هو الاجتهاد، يعني من الجد والاجتهاد، أي أنهم غدوا وهم على ثقة من أنفسهم، وكذلك أيضًا جد واجتهاد على أنهم يقطفون هذه الثمر أو يحصدونها ويبيعوها. طيب، وهذه في الجنة -الجنة أو المراد بها البستان الذي حكاه الله عز وجل في هذه السورة-. وذكر قتادة أن هذا البستان كان لشيخ كان يمسك قوته سنة ويتصدق بالفضل، وكان بنوه ينهونه عن ذلك، ينهونه عن الصدقة. فلما مات أبوهم غدوا عليها، فقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. نحن لا يدخل بعد اليوم مسكين، نعطيه صدقة. دخلوا بما عندهم مما ورثوه من أبيهم. كان أبوهم رجلًا صالحًا يأخذ إنتاج السنة ويتصدق بالفضل، يعني يعطيهم قوتهم، قوت أولاده، والفضل والزائد يتصدق به. فغدوا على حرد قادرين. وجاء عن الحسن أنه قال: على فاقة، معناه حرص. عندهم حرص شديد، لما مات أبوهم حرصوا على أنهم يجدون ويجتهدون، لكن لا يعطون أحدًا من المساكين. وذكر عكرمة رحمه الله أن هذه الحادثة أو هذا البستان كان لأناس من الحبشة، كانت لأبيهم هذا البستان، وذكر نحو ما ذكره قتادة، على أنهم كان أبوهم رجلًا صالحًا يتصدق، لكن كان ينهونه عن ذلك. فلما مات اتفقوا على أنهم لا يعطون أحدًا من المساكين، ولا يدخل عليهم أحد من المساكين. فلهذا بكروا، بكروا حتى لا... حتى يجدوا ويأخذوا ثمرهم قبل أن يأتوا المساكين. وغدوا على حرد قادر. فهذا حكم الله عز وجل وأمره سبحانه وتعالى، لا يستطيع الإنسان أن يغير أمر الله. وهذا الحرص على عدم الخير فيه أن الإنسان قد... أو أن الإنسان قد يصرف عنه، وإذا صرف عنه فإن الله قد يعاقبه على نيته. وهذه نية مع عزم، نية مع عزم، وهذا الذي قد يؤاخذ عليه الإنسان. أما النية مع غير العزم فقد يسمى هَمًّا، لكن الهمحيانًا يطلق على العزم، وأحيانًا يطلق على النية المجردة. فلهذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من هم بحسنة فلم يفعلها كتبت له حسنة، ومن هم بحسنة ففعلها فكتبت له عشر، ومن هم بسيئة فلم تفعلها كتبت له حسنة». وهنا الهم المراد به النية، المراد به النية. فإذا حصل العزم صارت نية وعزم، فإنه يؤاخذ. والعزم هذا قد يكون بالفعل، وقد يكون بالقول. إما أنه يتكلم، مثل حديث به: «كَبْشَةُ الْعِلْمِ إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةٍ»، فذكر الرجل آتاه الله عز وجل علمًا ومالًا فهو يسخر ماله في الحق، ورجل آخر قال: لو أن لي مثل فلان لفعلت مثل ما فعل. قال: «هُمَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ». وفي الآخرين قال: «هُمَا فِي الْإِثْمِ سَوَاءٌ». مع أنه ما امتلك شيء من المال، أي الثاني والرابع ما امتلكوا شيئًا من المال، لكن عُوقِبُوا بسبب نيتهم وعزمهم. فهم تكلموا، قال: لو أن لي مثل فلان لفعلت مثل ما فعل. فالذي كان عزم على الخير يحصل على الأجر العظيم الذي يحصل عليه الفاعل الذي فعل. وهذا أيضًا الرابع الذي تمنى أن يكون معه مثل ذلك الرجل المفسد، والرجل أيضًا الذي أفسد نفسه وماله، فهذا أيضًا يحصل على وزره، يحصل على وزره وهو لم يفعل شيئًا، لكن بنيته وعزمه، بنيته وعزمه. فلهذا قول أيضًا بعض السلف، لأن بعض طلبة العلم يشكل عليه هذا: فالنية المجردة لا يؤاخذ الله عز وجل بها، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث الذي في الصحيحين: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل». أن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت بها أنفسها. معنى النية: ما لا يؤاخذ الله عز وجل بها إذا كانت مجرد نية. أما إذا جاء بعد النية شيء مما يدل على الفعل من قول أو فعل، فإن العبد يؤاخذ عليه. فقول مثلًا مجاهد في قول الله عز وجل: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. الله عز وجل يقول هنا: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، أي يرد في الحرم أن يفسد أو يأتي بمحرم أو كذا، بنيته هكذا يريد أن يفعل. فقال مجاهد: لو هم وهو بعدن لأذاقه الله عز وجل من العذاب. يعني أن يدخل في هذه الآية وهو في عدن، يهم وهو ذاهب للحج أو ذاهب للعمرة، يقول مثلًا: سأفعل كذا وكذا من المعاصي، سأنظر إلى تلك النساء، أو سأنظر إلى شيء من هذه الأمور المحرمة. قال: لو هم وهو بعدن. أبي... لكن ليس المراد بالنية النية فقط، وإنما بالفعل وهو الذهاب. هذا كان نيته لأجل أن ينظر إلى مثل هذه المحرمات، وكذلك له أيضًا هدف آخر مما حرمه الله، فإنه يعاقب على ذلك، ويدخل في قول الله عز وجل: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. فهذا الفرق بين من يعاقب على نيته ومن لم يعاقب على النية. فالنية المجردة لا يعاقب عليها الإنسان لأنها كلام نفس، لكن النية مع العزم الذي يدل عليه الفعل أو القول، فهذا يؤاخذ عليه الإنسان، يؤاخذ عليه الإنسان. فلهؤلاء نووا وعزموا، نووا وعزموا أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. فهم في نيتهم هذا، وكذلك اتفقوا على هذا، اتفقوا على أنهم لا يعطون مسكينًا، أو أنهم يعملون كما قال بعض المفسرين: يجدون نخلهم قبل أن يأتي هؤلاء الفقراء والمساكين حتى لا يعطونهم شيئًا. فلهذا غدوا على حرد قادرين. غدوا معناه: من الغد، من البكرة. غدوا من الغدو وهو الفجر، معناه قبل أن تطلع الشمس، بل قبل أو بعد الفجر وأذانه. بعد طلع الفجر يسوغ أن يكون الغدو. فغدوا على حرد قادرين. وقال عكرمة في قول الله جل وعلا: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾، قال: أي أمر مجتمع، معناه اجتمعوا عليه، اتفقوا عليه على أنهم يجدون نخلهم، أو شجرهم، معناه الثمر، ولا يعطون أحدًا شيئًا، لا يعطون أحدًا شيئًا من المساكين، أو أنهم يأتون قبل أن يأتي المساكين. وجاء هناك تفسير في هذه الآية على أن حرد هو اسم الجنة، وقيل اسم قريتهم. ولكن المعتمد هو ما قاله قتادة وعكرمة، كما رجحه الحافظ ابن كثير، وكذلك كأنه أيضًا ترجيح الحافظ ابن حجر، لأنه الحافظ من طريقته في الفتح أنه يحكي الأقوال، والأقوال الضعيفة يؤخرها، وغالبًا يقول: وقيل وقيل. وهذا تجده في أكثر من كتاب من كتب العلم. مثلا عندك المنهاج للنووي رحمه الله، فإذا قال: وقيل، فالمراد أن القول هذا ضعيف. إذا قال: وقيل، فغالبًا المراد أن هذا القول ضعيف. كتب الحنابلة تجد فيها: وقيل، لكن غالبا يعبرون بلو، يعبرون في القول الضعيف بلو. إذا رأيت: ولو كذا، معناه أن قول هذا ضعيف. هذا غالبًا في كتب الحنابلة، وكتب الشافعية يأتون به: وقيل كذا. ومسألة هذه العبارات مهمة جدًا في قراءة الكتب، خاصة كتب الفقهاء، حتى يعرف ما أراد المؤلف. فللهذا انتبهوا لهذا في قراءتكم لكتب أهل الفقه، كتب خاصة الحنابلة والشافعية. فغالبًا كما قلنا في كتب الشافعية: قيل وقيل، خاصة في المنهاج للنووي، وكذلك أيضًا ذكر هذا أيضًا في الروضة. وأما الحنابلة فغالبًا يعبرون بلو. وهنا الحافظ أيضًا من طريقته أنه يعبر بقيل، أو أنه يؤخر الأقوال الضعيفة. طيب، وهذا يعلم بالاستقراء، عن استقراء العلماء للكتب يعرفون مثل هذه الأشياء لتتبع كلام العلماء في كتبهم. طيب، قال رحمه الله: وقال ابن عباس... أي البخاري يقول: وقال ابن عباس. وهذا من المعلق، من حديث المعلق. والمعلق عند أهل العلم في صحيح البخاري: أنه إذا جزم به فهو صحيح إلى من علقه عنه، صحيح إلى من علقه عنه. ثم ينظر في باقي الإسناد. مثلا: وقال، وقال الليث، وقال مالك، ينظر ما بعده، وإلا فإلى مالك أو الليث أو من سماه فهو صحيح. وهكذا هنا إلى ابن عباس. وقال ابن عباس: معنى صحيح عن ابن عباس رضي الله عنه. وما حكاه بصيغة التمريض ينظر في إسناد. لو قال مثلًا: وحكي عن فلان، أو قيل عن فلان، وذكر عن فلان، فهذا من باب الحكاية، لكن ينظر إلى سنده. لأنه وجد في حكايته هذه معناه بالقول بالتضعيف، بالصيغة التضعيف، وجد تحديث صحيحة، وجد تحديث صحيحة، بعضها موجودة في صحيحة، وبعضها موجودة في صحيح مسلم. فلذلك قال العلماء كما ذكر ابن الصلاح ومن بعده: أن التعليق في صحيح البخاري إذا كان بالجزم فهو صحيح إلى من جزم إليه، وإن كان بالتضعيف فهو ينظر في إسناد هذا التضعيف، ولا يحكم عليه بالوضع. قال: وقال ابن عباس: يتخافتون، أن ينتجون السرار والكلام الخفي. يتخافتون: أي بكلامه، ينتجون السرار عنه، يتناجون بينهم بالكلام الخفي، يكلم بعضهم بعضًا. فقال: يتخافتون أن ينتجون السرار. وهذا أيضًا كذلك من عزم النية، من عزم النية بالقول، من عزم النية بالقول. فلذلك فهم عزموا على أنهم... واسروا قولهم أنهم لا يعطون مسكينًا. يتخافتون فيها. قال: وغدوا على حرد قادرين. وأيضًا قال هنا: يتخافتون، وانقلبوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين، وغدوا على حرد قادرين. فاجتمعوا واتفقوا وتساروا على أنهم لا يعطون مسكينًا فقيرًا من هذه الثمار. قال: وقال ابن عباس: ﴿إِنَّا لَضَالُّونَ﴾، أضللنا مكان جنتنا. معناها: لما رأوا الجنة قد أصبحت حصيدًا، أصبحت لا شيء، أصبحت رمادًا. فرأوا هذه الجنة، استغربوا، قالوا: لعلنا أضللنا الطريق. لأنهم خرجوا قرب الفجر أو في الفجر، الغلس موجود، الظلام موجود. فقالوا: لعلنا أضللنا طريقنا. فقال ابن عباس: وقالوا: ﴿إِنَّا لَضَالُّونَ﴾، أي أضللنا مكان جنتنا. والمراد: أي أخطأنا الطريق، أخطأنا الطريق في طريق إلى هذا الجنة، جئنا إلى مكان آخر، فأضللنا. معنى ضيعنا: أضللت الشيء أي ضيعته. فلذلك فسرها العلماء بهذا، لأنهم لما رأوا أن هذه المزرعة احترقت كلها، ظنوا أنهم جاءوا إلى مزرعة أخرى، قالوا: هذه ليست مزرعتنا، فإنا لضالون. ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾، قال: كالصيح، انصرم من الليل، والليل انصرم من النهار. وهذا تفسير أبي عبيدة. تفسير أبي عبيدة: من هو أبي عبيدة؟ هذا تعرفون أبي عبيدة؟ المفسر الذي دائمًا نذكره في البخاري، وقلنا أن كلمات غالبًا ما يفسرها الإمام البخاري من الكلمات هي من كتاب المجاز لأبي عبيدة. وأبو عبيدة هو معمر ابن المثنى، معمر ابن المثنى. بخلاف أبي عبيد، أبو عبيد: أنساب الإسلام، أنساب الإسلام، إمام من السنة، من أهل السنة. وأما معمر المثنى: فيهم سنة، لكن لكنه أكثر ما كان على طريقة المعتزلة. لكن الإمام البخاري غالبًا يذكر ما هو صحيح من كلامه. قال: فأصبحت كالصريم، النهار صرم من الليل، والليل صرم من النهار. أنه لما أصبحت كالصريم، عن شيء نهار ضوء يأتي الليل عليه ويطمسه. هذه فأصبحت كالصريم، مثل الليل إذا جاء إلى النهار فيصير سواد كله، يصير سوادًا كله. فهذا معنى الصريم. فالصريم كما فسرها بعض أهل اللغة وأهل التفسير: هو الليل المسود، يعني... يعني ليس ليل فيه قمر، لا، ليل مسود يعني بدون قمر، بدون ضوء. فهذا هو الصريم. فأصبحت كالصريم، فأصبحت كالصريم كأنها قد سرمت. فخلاصة ما أراد الله، أو ما ذكر من قول المفسرين: أن هذا الصريم أو هذه صارت مثل الشيء السواد، معنى احترقت كلها صارت سوادًا، فأصبحت كالصريم. ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ﴾. فهذا بسبب ما بيتوا من النية، وما اتفقوا عليه من العدوان والبخل، أنهم لا يخرجوا من جنتهم للمساكين والفقراء. فلذلك فإن الشرع حث على الصدقة، حث على إعطاء المساكين. ولهذا نبي الله عليه الصلاة والسلام صحح بعض أهل العلم عنه أنه قال: «إِذَا خَرَصْتُمُ النَّخْلَةَ فَدَعُوا الثُّلُثَ». إذا خرصتم النخلة فدعوا الثلث. لماذا يدعوا الثلث؟ لأن هذا الثلث يخرج منه المتساقط، الأجار، ويخرج منه ما يعطى للفقراء المساكين. وسبحان الله، قد اعتاد أهل الإسلام من زمن النبي عليه الصلاة والسلام إلى اليوم، هذا شيء معتاد، وحث عليه النبي عليه الصلاة والسلام أيضًا، أن الناس إذا جاءت الثمار جاء المساكين إلى المزارع ويعطون من هذا الثمر، من هذا الثمر الذي هو من ثمر النخل، من الرطب. فهذه سنة من زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وحث عليها أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام بالتصدق في ذلك. بل أخرج النبي صلى الله عليه وسلم الثلث لهذا صاحب المزرعة، لأجل أنه يعطى المساكين، ويذهب في الصدقات في هذا الذي يسقط، يأخذه الناس، وغيرها من هذه الأمور. فلذلك قال: إذا خرصتم فدعوا الثلث. وأيضًا لأجل الخرص، لأن الخرص تخمين، وغالب التخمين يكون بالأكثر. فلذلك كله قال: دعوا الثلث. معناه: الذي يدفع يدفع الثلثين، معناه زكاة الثلثين. مثلًا لو كان مثلًا النسأ عنده ألف أو تسعمائة مثلًا وسق، يخرج ثلاثين وسقًا، ويزكي على ستين وسق، على ستين وسقًا. فهذا لأجل أن يعطى المساكين والفقراء من الرطب، لأن الناس كانوا قديمًا يحبون التمر، يحبون شيء ناضج. فلذلك إذا نضجت الفواكه، إذا نضجت هذه التمور والعنب وغيرها، يأتي الناس الذي لا يجد مالًا يشتري به، يأتي للمزارع فيعطى. فاعتاد الناس إلى الآن، أنا أخبرت أن هذا الأمر إلى الآن يحصل. إذا جاءت الثمار وجاء الرطب، جاء المساكين ويعطون من هذا المال. ومن بخل بمثل هذا قد يعاقب بمثل هذه العقوبة التي عزم عليها هؤلاء، فعاقبهم الله عز وجل أن جعل هذا الزرع أو هذا البستان كله أصبح أسودًا. فغدوا على حرد قادرين. قال: فأصبحت كالصريم. قال: وهو أيضًا كل رملة انصرمت من معظم، أو من معظم الرمل انصرمت، صارت سوادًا. والصريم أيضًا المصروم، مثل قتيل ومقتول. فهذه بعض الكلمات التي ذكرت، أو التي ذكرها الإمام البخاري في هذه السورة. فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلى.