كتاب التفسير من صحيح البخاري 246

كتاب التفسير من صحيح البخاري 246

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 246، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أدب ابن عباس في طلب العلم وموقفه مع عمر بن الخطاب

يستعرض المقطع سند حديث البخاري «باب: تبتغي مراضاة أزواجك» ويسلط الضوء على هجرة ابن عباس وطلبه العلم من كبار الصحابة. كما يروي كيف مكث سنة كاملة لا يجرؤ على سؤال عمر بن الخطاب لهيبته، حتى شجعه عمر على السؤال مبيناً أن العالم لا يتكلم إلا فيما يعلم.

عمر بن الخطاب وموقفه من مراجعة أزواج النبي واعتزال النبي لأزواجه

يروي المقطع قصة عمر بن الخطاب حين استغرب مراجعة زوجته له، وذكّرته بمراجعة ابنته حفصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب لينصحها، ثم لامه أم سلمة على تدخله بين النبي وأزواجه، فانكسر وخجل. كما يسرد تناوب عمر مع صاحبه الأنصاري في طلب العلم، وقصة اعتزال النبي لأزواجه ودخول عمر عليه في المشربة حيث وجده على حصير أثر في جنبه، فبكى عمر لمقارنة حال النبي بحال كسرى وقيصر، فقال النبي: «أفلا ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟»

انتصار النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومحبة الله له

يُبرز المقطع الانتصار العظيم الذي منحه الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ويؤكد المحبة الكبيرة التي يكنها الله لنبيه. ويختتم الدرس بالإشارة إلى استكمال الموضوع في جلسة قادمة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: تبتغي مراضاة أزواجك». قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم. أنا ظاهر ما أراد ذكر الآية، وإنما أراد العبارات: «تبتغي مراضاة أزواجك»، وأيضا: «قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم». فقال رحمه الله: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، وهو الأويسي المدني، ابن أخت مالك بن أنس إمام دار الهجرة. قال رحمه الله: حدثنا سليمان بن بلال، وهو أيضا مدني ثقة، قاضي أهل المدينة. قال: عن يحيى، وهو يحيى بن سعيد الأنصاري المدني. قال: عن عبيد بن حنين، وأيضا هو مدني. وهذا الإسناد كله مدني. أنا من أهل المدينة، إلا ابن عباس. ابن عباس يعتبر من أهل من؟ أهل مكة، يعتبر من أهل مكة. أنا جلوسه في مكة، كأنا أكثر. متى ذهب إلى المدينة؟ هاجر إلى المدينة متى؟ من يعرف؟ ها؟ بعد الفتح، بعد فتح مكة هاجر مع أبيه وأمه أم الفضل، هاجروا بعد فتح مكة. وإلا كانوا كما قال ابن عباس: «كنت أنا وأمي من المستضعفين» حتى هاجروا بعد الفتح. هاجروا إلى المدينة، وجلس ابن عباس فترة في المدينة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطلب العلم عند كبار أصحاب رسول الله كزيد وعمر وعثمان، جماعة من الصحابة الكبار. وعطاه الله عز وجل علما عظيما، وببركة دعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صار ترجمان القرآن، وشهد له كبار الصحابة، ومنهم عمر، ومنهم مسعود، وغيره. وهذا لجدّه واجتهاده. لهذا ذكر في السنن أن أنصاريا قال بعدما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال لي ابن عباس، وأنا... ليس بعد الوفاة في فترة من الزمن، قال هذا الأنصاري: قال لي ابن عباس: «هلما نطلب العلم عند كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم». فقال له الأنصاري: يا ابن عباس، أترى الناس يحتاجونك وفيهم كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: فمكثت سنوات، فدخلت المسجد فإذا ابن عباس يحدث الناس والناس حوله كثير. قال: فقلت: كان هذا الفتى أعقل مني، كان هذا الفتى أعقل مني. فنحتاج الناس لابن عباس، فهو بحر، صار بحرا في العلم، صار ترجمان القرآن. الناس كما قال بعض أصحابه: كان الناس يأتون مجلس ابن عباس، فمنهم من يسأله في التفسير، ومنهم من يسأله في الفقه، ومنهم من يسأله في كذا. أنا كانوا كثير، كل واحد يجيبه. قال: أنه سمع ابن عباس رضي الله عنه ما يحدث أنه قال: وابن عباس بعد ما جلس في المدينة، خرج إلى مكة فترة، ثم خرج إلى الطائف، ثم الظهر أنه رجع إلى مكة، أو أنه جلس في الطائف إلى أن توفي. قال: يحدث أنه قال: «مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية، فما أستطيع أن أسأله هيبة له». وكان ابن عباس يجلس في مجلس عمر، ويخرج معه، ويطلب العلم عنده، ويلازمه، لكنه لم يستطع أن يسأله عن هذه المسألة. «مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية، فما أستطيع أن أسأله هيبة له». قال: حتى خرج حاجا، فخرجت معه. فلما رجعت وكنا ببعض الطريق، عدل إلى الأراك لحاجة له. قال: فوقفت له حتى فرغ، ثم سرت معه. فقلت له: يا أمير المؤمنين، من اللتان تظاهرتا على النبي عليه الصلاة والسلام من أزواجه؟ فقال: تلك حفصة وعائشة. قال: تلك حفصة وعائشة، كما تقدم في حديث عائشة نفسها أنها هي حفصة تواطأت على ذلك. قال: فقلت: والله إن كنت لا أريد أن أسألك من هذا منذ سنة، فما أستطيع هيبة لك. قال: فلا تفعل. أنا كأنه يقول له: سل في أي وقت وما بدا لك. «ما ظننت أن عندي من علم فاسألني، فإن كان لي علم أخبرتك به». وهذا كلام عظيم، يقول له: اسألني، إن كان عندي علم أجيبك، وإن لم يكن عندي علم فلا أجيبك. أنا ما ما أخبرك إلا بما أعرف. وهكذا ينبغي لكل من يعرف في العلم من أهل العلم وغيرهم، أنه لا يتكلم إلا في المسائل التي يعرفها، وأما المسألة التي لا يعرفها فالأولى له أن يسكت. ولهذا ما أدخل الناس في مسائل لا قبل لها ولا خطام لها ولا زمام إلا بسبب الكلام بغير علم. بل الله عز وجل قال، جعل الكلام بغير علم أرفع من الشرك لأنه أصل الشرك: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فالقول على الله بغير علم عظيم، لأنه فيه تحليل وتحريم، وفيه كذلك إظهار حكم الله جل وعلا. ولهذا الإمام ابن القيم رحمه الله سمى كتابه «إعلام الموقعين عن رب العالمين»، كأن الذي يفتي والذي أيضا يخبر الناس كأنه يوقع عن رب العالمين. فلهذا فليس الأمر بالهينة. قال: فقلت: والله إن كنت لأريد أن أسألك من هذا منذ سنة، فما أستطيع هيبة لك. قال: فلا تفعل، ما ظننت أن عندي من علم فاسألني، فإن كان لي علم أخبرتك به. ثم قال عمر: والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرا. أنا يريد في مكة، حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم. أن كانوا يهينون النساء في الجاهلية، والمرأة ليس لها حظ، لا من ميراث، ولا أيضا كذلك من خدمة، من مشورة زوج، أن يذلون المرأة، وأكثر العمل عليها، حتى أن المرأة تذهب وتأتي بالماء، وأيضا تدق النوى، تدقه لعجل، تعطي الفرس أو الإبل. فكان عملهم كثير، عمل المرأة، وليس لها أيضا حق، لا من ميراث ولا من غيره. فهي كانت في الجاهلية مهونة، فصانها الإسلام، وجعلها مثل الكنز. قال: حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم. قال: فبينا أنا في أمر أتأمره، إذ قالت امرأتي: لو صنعت كذا وكذا. قال: فقلت لها: ما لك؟ وقال: قلت لها: ما لك ولما ها هنا فيما تكلفك في أمر أريده؟ كأنها عارضت أمره. وقريش، قال: بمعنى أهل قريش وأهل مكة، اعتادوا أن المرأة لا تعارض، وإنما تسمع الأمر فقط. فلما عارضت زوجة عمر، استغرب، فقال: ما لك ولما ها هنا فيما تكلفك في أمر أريده؟ لماذا تعارضين؟ فقالت لي: عجبا عجبا لك يا ابن الخطاب، ما تريد أن تراجع أنت، وأن ابنتك لتراجع رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، حتى يظل يومه غضبان. أنا تقول له: كيف لا تريد أني أراجعك، وهذه ابنتك حفصة تراجع رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم؟ فكأن عمر غضب من هذا، فأخذ رداءه. قال: فقام عمر، فأخذ رداءه، مكانه حتى دخل على حفصة، فقال لها: يا بنية، إنك لتراجعين رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم حتى يظل يومه غضبان. فقالت حفصة: والله إنها لترحجه. قال: قال عمر: فقلت: تعلمين أني أحذرك عقوبة الله وغضب رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، يا بنية، لا يغرنك هذه التي عجبها حسنها، حب رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم إياها. يريد عائشة، يعني يقول لها: لا تغتر، أو لا تغار، على أنه يحب عائشة رضي الله عنها. قال: ثم خرجت حتى دخلت على أم سلمة، لقرابتي منها، فكلمتها. وهذا قبل الحجاب، وأيضا هي تعتبر بنت عمه، وإن لم تكن بنت عمه مباشرة. فقالت أم سلمة: عجبا لك يا ابن الخطاب، دخلت في كل شيء حتى تبتغي، تدخل بين رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم وأزواجه. قال: فأخذتني والله أخذا، كسرتني عن بعض ما كنت أجد. فخرجت من عندها، معنا كأنه استحى وخجل من كلامها. أنا أنت قل له: كيف تتدخل في أي شيء، حتى تريد أن تتدخل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه؟ قال: وكان لي صاحب من الأنصار، إذ غبت أتاني بالخبر، وإذا غبت كنت أنا آتي بالخبر. أنا عمر رضي الله عنه استغرب من هذا، كيف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يراجعنه، وأهل مكة ما يعرفون هذا، المرأة ما تراجع، لكن هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلهذا لم يدخل في هذا الأمر. ولما قالت له أيضا أم سلمة، فكأنه استحى، فلم يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك. ثم ذكر أنه كان له صاحب من الأنصار، قال: إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غبت كنت أنا آتي بالخبر. التناوبان. ولهذا ذكره الإمام البخاري في باب التناوب في العلم، في كتاب العلم، في أول الصحيح، وذكر هذه القصة، وأن عمر كان يتناوب مع الأنصاري في النزول، كان يشتغلون في مزرعة، فيوم يذهب الأنصاري ويأخذ العمل عمر، ويوم يذهب عمر ويأخذ العمل الأنصاري، لكن كل واحد يأتي بما قال النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا حرص على العلم. قال: ونحن نتخوف ملكا من ملوك غسان، ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا. وملوك غسان كانوا تبعا للروم، وكانوا أيضا في جزيرة العرب، فكان المسلمون يتخوفون منه. ومعلوم أن ملك غسان أو ملوك غسان كانوا من زمن في الجاهلية يعتبرون حكام العرب، كذلك الغساسنة، أبصد هم نفسهم الغساسنة، كانوا ملوك العرب، أنهم يحتكم إليهم القبائل. قال: فقد امتلأت صدورنا منه. فإذا صاحبي... امتلأت، معنى أنهم خافوا أن هذا يسير إليهم. قال: فإذا صاحب الأنصار يدق الباب، فقال: افتح، افتح. فقلت: جاء الغسان. أنا عمر كان في باله هذا، أن الغسان يأتي. فلما رآه مسرعا، فقال: جاء الغسان. فقال: بل أشد من ذلك، اعتزل رسول الله صلى الله عليه وآله أزواجه. فقلت: رغم أنفي، حفصة وعائشة. فأخذت ثوبي، فأخرج حتى جئت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم في مشربة له. والمشربة هي الغرفة التي تكون في أعلى، في جبل، أو في شجرة، أو في كذا، تسمى مشربة. قال: قال في مشربة له، يرقى عليها بعجلة، وغلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم أسود على رأس الدرجة. أنا كان النبي صلى الله عليه وسلم ما يريد أن يدخل عليه أحد. قال: فقلت له: قل: هذا عمر بن الخطاب. فأذن لي. قال عمر: فقصصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث. وهنا اختصر، وإلا النبي صلى الله عليه وسلم أذن له في الثالث. قال: فلما بلغت حديث أم سلمة، تبسم رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم. وإنه لعلى حصير، ما بينه وبينه شيء. وجاء في رواية أنه حكى له هذا، قال: كنا معشر قريش نغلب النساء. قال: فلما جئنا إلى المدينة، كانت نساؤهم تغلب، أي لها أمر، ولها شورى، ولها كذا. فتعلم نساؤنا من نساء الأنصار. هكذا يقول عمر رضي الله عنه: تعلم نساؤنا من نساء الأنصار. معنا كان أهل قريش لا يعتدون للمرأة بشيء، حتى المشاورة ما يشاورون. لكن لما جاءوا إلى المدينة، رأوا أن أهل المدينة يجعلون للنساء مشاورة وكذا ورأي، فتعلم نساء قريش من الأنصاريات. قال: فلما بلغت حديث أم سلمة، تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنه لعلى حصير، ما بينه وبينه شيء. وعتّى رأسه وسادة من أدم، حشو هليف. عن جلد وحشو هليف. قال: وإن عند... وإن عند رجليه قرض مصبور، وعند رأسه أهب معلق. أهب معلق، أهب هو جلد، جلد الميتة، إهاب يسمى إهاب. والظاهر أنه سقاء، حتى يشرب منه. معنى ليس في الغرفة إلا هذه الأشياء. قال: فرأيت أثر الحصير في جنبه، فبكيت. فقال: ما يبكيك؟ فقلت: يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله صلى الله عليه وآله وآله وآله. فقال عليه الصلاة والسلام: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ فهذا الحديث الشاهد منه: أن اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم هما حفصة وعائشة، حفصة وعائشة. وبسبب أو هذه آيات التحريم نزلت بسبب هذه القضية. وأما الإيلاء، فقد آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجه شهرا. والظاهر بعد هذا، بعد أن رأى تواطئهما، فلهذا ذكر الله عز وجل التظاهر، وهو التواطئ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكره في هذه السورة، وذكر: ﴿إِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أنه لو تظاهرتا على رسول الله، وأيضا كذلك تواطئتما، فليس وحده، بل معه رب العزة جل وعلا، ومعه الملائكة، ومعه أيضا أهل الإيمان. وهذا انتصار عظيم لرسول الله صلى الله عليه وآله وعلى وسلم من ربه جل وعلا، ومحبة عظيمة من الله عز وجل لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، ونكمل في درس قادم. شكرا، شكرا.