الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 86، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبين المقطع أن الرياء قد يرقى إلى الشرك الأكبر إن كان أساس العمل، أو الشرك الأصغر إن كان يسيراً، مميزاً بين رياء الأعمال وسمعة الأقوال. كما يقسم العبادة المخلوطة بالرياء إلى ثلاثة أقسام: الرياء في أصل العبادة مبطلاً لها، والرياء أثناءها، والرياء بعد الفراغ منها.
يفصل المقطع حكم الرياء الطارئ أثناء العبادة، مبيناً أن العبادات المنفصلة تبطل ثانيتها فقط، بينما العبادات المتصلة كالصلاة تبطل كلها إن استرسل العبد في الرياء وتصح إن دفعه وكرهه. ويشير إلى أن الرياء بعد الفراغ لا يبطل العمل إلا مع المن والأذى، وأن فرح المؤمن بطاعته ليس رياءً.
يوضح المقطع أن الرياء بعد الفراغ من العبادة لا يبطلها، ثم يفسر آية الكهف 110 مبيناً بشرية النبي ﷺ ومعنى الوحي، وأن اللقاء المذكور هو لقاء الرضا والنعيم الخاص بالمؤمنين. ويستدل بالآية على إثبات رؤية المؤمنين لربهم، مؤكداً أن قبول العمل مشروط بالإخلاص والمتابعة.
يختتم المحاضر الدرس الحالي مكتفياً بما تم بيانه حول أحكام الرياء وتفسير الآية الكريمة. ويؤجل مناقشة الأحاديث النبوية والمسائل الفقهية المتعلقة بالموضوع إلى الدرس القادم، مختتماً بقوله والله تعالى أعلم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله. وبعد، قال شيخ الإسلام إمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله: «باب ما جاء في الرياء». وهنا لم يفصح بحكمه، بل قال إنه شرك. قال العلماء: لأجل أن يحكم الإنسان بنفسه على الرياء، على ما جاء فيه من الأدلة؛ ففي الرياء منهما ما هو شرك أكبر، ومنهما ما هو شرك أصغر. فإذا كان عمل الإنسان من أصله دائماً وأبداً مبنياً على الرياء، فهذا شرك أكبر؛ لا يصلي إلا للناس، لا يصوم إلا للناس مراءاة. فإذا كان هكذا، فقد ينتقل إلى الشرك الأكبر. وأما الشرك الأصغر، فكما قال ابن القيم عليه رحمة الله: كيسير الرياء، كيسير الرياء؛ يعني القليل من الرياء، فهذا من الشرك الأصغر. ومعنى الرياء: من الفعل راءَ يُراءِ رياءً ومراءً، يعني عمل عملاً ليراه الناس، فعمل هذا العمل للناس لا لله. من الرؤية، من الرؤية. ويدخل في هذا السماع، يعني يقول قولاً من أجل أن يسمعه الناس، فيعمل هذا أو يقول هذا القول من أجل الناس. وإن كان بعضهم يسمي هذا أيضاً بالتسميع. هذا جاء في حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من راءى راءى الله به، ومن سمع سمع الله به». فالتسميع هو بمعنى الرياء، لكن الفرق بين الرياء والسمعة: أن الرياء في الأعمال، والسمعة في الأقوال. الرياء في الأعمال يعني مما يرى، والسمعة مما يسمع. فالرياء متعلقه الرؤية، والسمعة متعلقها السمع. هذا هو الفرق بينهما. والرياء خلق ذميم من صفات المنافقين، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. فالرياء خلق ذميم، ما ينبغي للمسلم أن يتحلى به. ولذلك كان السلف الصالح يجاهدون أنفسهم على الإخلاص، كما جاء عن سفيان الثوري أنه قال: «ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتي إياها على الإخلاص». فالرياء خلق ذميم، وذكره المؤلف هنا لأن له تعلق بباب التوحيد. فمن ابتلي بهذا الداء فقد وقع في الشرك على التفصيل المتقدم؛ قد يكون الشرك شركاً أكبر، وقد يكون شركاً أصغر. وذكر العلماء في هذا المبحث مسألة مهمة، من فهمها تبين له حكم الرياء وحكم بطلان أو قبول العمل. هذه المسألة هي: العبادة إذا خالطها الرياء فإنها على أقسام ثلاثة. القسم الأول: أن يرائي بعمله الناس من الأصل، يعني من أول دخوله لهذه العبادة نيته الرياء. فهذا شرك، والعبادة هذه باطلة. مثاله: رأى الناس تنظر إليه، فأخرج ألفاً وتصدق به. فهذه الصدقة لا يقبلها الله لأنها شرك. وسيأتي معنا حديث أبي هريرة الذي يدل على أن العبادة إذا أصلها قائمة على الشرك فهي مردودة وباطلة على صاحبها. مثاله كذلك: الصلاة، أراد أن يصلي، فرأى الناس في المسجد، فحسن صلاته، ودخل بهذه النية. فصلاته باطلة، عمله هذا باطل. هذا القسم الأول. القسم الثاني: أن يكون مشاركاً للعبادة في أثنائها، يعني هذا الرياء ما وقع منه في أصل العبادة، وإنما في أثنائها. مثاله: رأى مسكيناً أو فقيراً فأعطاه خمسمائة، فرأى الناس تنظر إليه، فراءى، فأخرج خمسمائة أخرى وتصدق به. هذه الآن الرياء ما وقع في أصل الصدقة، إنما في أثناء الصدقة. ومثله الصلاة: كان يصلي في مسجد ما فيه أحد، دخل وصلى الله، وبينما هو في الركعة الثانية دخل الناس، فراءى، فحسن صلاته. الآن الرياء وقع متى؟ أثناء الصلاة، ليس من أول الصلاة. فالحالة الثانية: أن يكون الرياء ليس في أصل العبادة، إنما في أثنائها. وهذا له ثلاث حالات حتى نعرف الحكم الشرعي له. الحالة الأولى: أن هذه العبادة التي راءى فيها لا ينبني أولها على آخرها. وما معنى لا ينبني؟ يعني أنها ليست عبادة متواصلة، إنما عبادة متفرقة. واضح؟ مثاله في الصدقة المثال المتقدم: تصدق بخمسمائة، رأى مسكيناً وفقيراً، تصدق بخمسمائة لله. فبعد ما أعطاه الخمسمائة، رأى ناساً ينظرون إليه، فراءى، فأخرج خمسمائة أخرى وتصدق به. الآن الصدقة الأولى منفصلة عن الصدقة الثانية، صح؟ الصدقة الأولى منفصلة عن الصدقة الثانية، فالصدقة الأولى مقبولة، والصدقة الثانية مردودة؛ لأن العبادة لا ينبني أولها على آخرها. واضح هذا الآن؟ فأولها صحيح وآخرها باطل. واضح هذا الآن؟ هذه الحالة الأولى. الحالة الثانية: إذا كان أولها ينبني على آخرها، أولها ينبني على آخرها يعني أنها عبادة واحدة متصلة، مثل الصلاة، عبادة واحدة، صح؟ فهذا لها حالتان حتى نعرف الحكم الشرعي فيها. الحالة الأولى: أنه وقع الرياء أثناء هذه الصلاة، لكنه دافع هذا الرياء، وما سكن إليه، بل أعرض عنه، وكره هذا الأمر الذي وقع في قلبه. وهذا يقع في كثير منا، صح؟ ربما تعمل عبادة، تصلي أو تذكر الله ونحو ذلك، فتشعر بالناس في المسجد وكذا، تحاول يدخلك شيء من هذا، فتجاهد نفسك، تعرض عنه، تكره هذا. فهذا لا يؤثر على العبادة، هذا لا يؤثر على العبادة. الحالة الثانية: العكس، ما هي؟ العكس أنك كنت تصلي لله، ففي أثناء الصلاة دخلك شيء من الرياء، فاسترسلت معه، استرسلت معه، وسكنت إليه، واستمررت فيه. فهنا الصحيح أن العبادة تبطل جميعها، أولها وآخرها؛ لأن هذه العبادة واحدة، لأن هذه العبادة واحدة ينبني أولها على آخرها، ليست مفصولة. وإن استرسلت في هذا، وإن كان في أثناء الصلاة، فهنا العبادة تبطل جميعها، تبطل جميعها. هذا تفسير دقيق، فائدة عظيمة أخذناها من شرح ابن عثيمين على كتاب التوحيد. فمن يعيد هذه المسائل: أولاً، أن يكون في أصل العبادة، إذا كان هذا الرياء في أصل العبادة يعني من أولها. أحسنت. الثاني: أن يكون في أثنائها، نعم، طرأ عليه. وهذا له كم حالات؟ لا، ثلاث حالات. هذا له ثلاث حالات، ما هي هذه الثلاث حالات؟ ثلاث. بعدين قلنا حالتان في الحالة الثانية، تفريعات، هذا كله تفريعات. قلنا هذه الحالة لها ثلاث حالات: أولاً، أن لا ينبني أولها على آخرها، فهذا ماذا؟ أولها مقبول وآخرها باطل. طيب. والثاني: ينبني أولها على آخرها، فهذا له حالتان، صح؟ ما هي هاتان الحالتان؟ يعني إذا دافع هذا الرياء، فلا شيء عليه، نعم. أما إذا استرسل، إذا استرسل في هذا الرياء، تبطل العبادة كاملة. نعم، أحسنت. إذن حالتان، صح؟ له حالتان. أحسنت. الأول له يعني ثلاث أقسام: الأول في أصل العبادة، والثاني مشاركاً له. تمام. بعدين المشارك له حالتان. أحسنت. وهنا مسألة أيضاً قد يستشكلها البعض في مسألة الرياء، وهي: ما يطرأ بعد انتهاء العبادة. مثل الآن: قد صليت، طيب، فأثنى عليك الناس، أثنى عليك الناس، قالوا... هذا لا يؤثر؛ لأن العبادة قد انتهت. لا يؤثر إلا إذا كان فيه منٌّ، خصوصاً في الصدقة، فيه منٌّ أو أذى، وهنا تبطل العبادة، ليس للرياء، وإنما للمَنّ والأذى. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾. وأيضاً من ذلك: أن يفرح المؤمن بعمل نفسه، يفرح بعمل نفسه لهذه الطاعة، هذا ليس من الرياء، بل قد قال عليه الصلاة والسلام: «من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن». فهذا لا شيء فيه، ولا يؤثر على العبادة، ما كان بعد العبادة. بل ذكروا: «إخبار الناس عبادتك هذا من عاجل بشرى المؤمن»، من عاجل بشرى المؤمن. قال: وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. هذا هو القسم الثالث. كيف؟ لما ذكرت القسم الثالث، يعني نحن قلنا: نعم، العبادة إذا خالطها الرياء على ثلاثة أقسام. ذكرنا: مراءاة الناس من الأصل، والثاني: أن يكون مشاركاً للعبادة يعني في أثنائها، نعم. والثالث: ما كان بعد العبادة. هذا هو المراد بالثالث، ما كان بعد العبادة، فهذا لا يؤثر شيئاً، هذا لا يؤثر شيئاً. قال: وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، يعني أن النبي عليه الصلاة والسلام هو بشر، ليس بملك، وليس بجنس غير جنس البشر، إنما هو من البشر. وأكد ذلك في قوله: ﴿مِثْلُكُمْ﴾. وإنما قال ربنا عز وجل ذلك حتى لا يعبد من دون الله، فهو ليس إلهاً، صلى الله عليه وسلم، وليس رباً، إنما هو بشر مثلنا. وإنما الفرق بيننا وبينه أنه يوحى إليه، فهو رسول الله. ولذلك قال: ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾، فهو بشر لا يعبد، ورسول يوحى إليه فلا يكذب. والوحي في اللغة: هو الإعلام بسرعة وخفاء. ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾، الوحي في اللغة: الإعلام بسرعة وخفاء. ولذلك ماذا قال زكريا؟ ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾، يعني أعلمهم بسرعة وخفاء. وأما النبوة في الشرع: فهو إعلام الله بالشرع. هذا النبوة في الشرع. وفي اللغة: الإعلام بسرعة وخفاء. وأما في الشرع: فهو إعلام الله بالشرع، يعني وحي الله على رسوله بالشرع. وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو﴾، الرجاء: الطلب والأمل. أي: من كان يؤمل أن يلقى ربه، من كان يأمل أن يلقى ربه، فهذا معنى يرجو لقاء ربه. واللقاء المراد به هنا: لقاء خاص؛ لأن اللقيا على نوعين: عامة لكل إنسان، وهذا تدل عليها قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾. المراد باللقيا هنا: اللقيا العامة. وهناك لقيا خاصة، وهذه اللقيا الخاصة بالمؤمنين، وهو لقاء الرضا والنعيم. وهذا هو المراد به في هذه الآية: اللقاء الخاص بالمؤمنين. فمن كان يرجو لقاء ربه، يعني لقاء الرضا والنعيم، والذي يتضمن كذلك رؤية الله سبحانه وتعالى؛ لأن الملاقاة معناها المواجهة. فاستدل العلماء بهذه الآية على إثبات الرؤية، رؤية الله، أو رؤية المؤمنين لربهم سبحانه وتعالى. فالمراد باللقيا هنا: اللقيا الخاصة. ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾، والعمل الصالح: هو ما كان خالصاً صواباً، أي ما كان لله سبحانه وتعالى، وعلى شريعة النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا هو العمل الصالح: ما كان خالصاً صواباً. وهذا هو وجه الشاهد من إرادة هذه الآية. فقوله: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾، يعني يعمل عملاً خالصاً لله، بعيداً عن الرياء والسمعة، وصواباً، أي على سنة النبي عليه الصلاة والسلام. ولذلك لا يقبل الله أي عمل إلا بهذين الشرطين، لا يقبل الله أي عمل إلا بهذين الشرطين، ما هما؟ الإخلاص والمتابعة. ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، هذا تأكيد: لا يشرك، يعني لا يدعو غير الله، ولا يرائي بعمله غير الله. فهو تأكيد لـ ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾. فهذا هو وجه الشاهد من إرادة هذه الآية. طيب، نكتفي بهذا، ونترك الأحاديث مع المسائل إن شاء الله تعالى في الدرس القادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.