الدرس في كتاب الزكاة 16، ألقاها
يناقش معنى زكاة الفطر وحكمها، ويشرح آراء العلماء في إضافة الصدقة إلى زمنها أو سببها، ويبين فوائد زكاة الفطر وأحكامها المتعلقة بالصغير والكبير والغني والفقير.
اختلف أهل العلم في الأصناف التي تخرج منها زكاة الفطر، حيث ذهب بعضهم إلى أنها تخرج من غالب قوت البلد، بينما ذهب آخرون إلى أن المراد بالطعام هو الحنطة، مع ذكر أدلة كل فريق.
يتناول المقطع أحكام زكاة الفطر، بما في ذلك أنواع الأصناف التي تخرج منها، ومقدارها، وجواز إخراج القيمة المالية بدلاً منها، وتوقيت إخراجها، وحكم إخراج زكاة الفطر عن المولود الجديد.
تم الانتهاء من مناقشة مسائل أحكام زكاة الفطر، وختم الدرس بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد. قال الإمام أبو محمد عبدالغاني المقدسي رحمه الله: باب صدقة الفطر. قال العلماء رحمهم الله تعالى: هل هذه الإضافة من إضافة الشيء إلى زمنه أو إلى سببه؟ باب صدقة الفطر، صدقة الفطر: هل هذه الإضافة من إضافة الشيء إلى زمنه أم إلى سببه؟ قالوا: والقائل الشيخ العثيمين رحمه الله: إذا قلنا إلى سببه، فمعناه أن الصغار لا فطرة عليهم؛ لأنهم لا يصومون. واضح هذا. إذا قلنا: صدقة الفطر، معناها الصدقة التي سببها الفطر، الفطر من ماذا؟ من الصيام. فمعناه أن من لم يكن صائما، بل كان مفطرا كالصبيان، لا فطرة ولا زكاة عليهم. وإذا قلنا: إلى زمنه، من باب إضافة الشيء إلى زمنه، وجبت على الصغار ومن لا يستطيع الصوم لكبره. والظاهر والله أعلم أنه لا مانع من حمله على المعنيين. طيب، الشيخ العثيمين يقول: وإذا قلنا إلى زمنه وجبت على الصغار ومن لا يستطيع الصوم لكبره. انتهى كلام الشيخ العثيمين. والظاهر أنه لا مانع من حمله على المعنيين جمعا بين التعليل الذي ذكره الشيخ العثيمين رحمه الله، وما جاء به النص من قول النبي صلى الله عليه وسلم في صدقة الفطر بأنها: «طهرة لصائم من اللغو والرفث». فهي تدل على أنها طهرة لمن للصائم، فهي صدقة للصائم من اللغو والرفث. وعلى هذا فلا مانع من حمله على هذا المعنى، وعلى هذا المعنى أن يجوز أن يكون من إضافة هذا أو إضافة هذا أو إضافة هذا. ذكر العلماء رحمهم الله تعالى لشرعية زكاة الفطر فوائد كثيرة، منها أنها صدقة للبدن والنفس، بخلاف ما تقدم في أبواب الزكاة، فإنها صدقة عن الأموال. وأيضا قالوا: أنها طهرة للصائم لظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «طهرة للصائم من اللغو والرفث»، أي مما قد يحصل للصائم في صيامه من اللغو والرفث. وأيضا فيها معنى من معاني شكر الله جل وعلا على إنعامه على العبد بتوفيقه لصيام شهر رمضان. وإلى هذا المعنى يدل قول الله جل وعلا: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾. وأيضا قالوا: فيها معنى من معاني مواساة المسلمين، معنى من معاني المواساة بين المسلمين، من الأغنياء للفقراء، بل من المسلمين بعضهم لبعض، حتى لا يحتاج الناس، لا سيما الفقراء والمساكين، إلى التكفف في مثل ذلك اليوم، في يوم العيد الذي يعم الناس معنى الفرح والسرور والاستغناء. قال الإمام عبدالغاني المقدسي رحمه الله تعالى: عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر أو قال رمضان، صدقة الفطر أو صدقة رمضان». إذا قيل: صدقة الفطر، أي الصدقة التي سببها الفطر. وإذا قيل: صدقة رمضان، فمعناها الصدقة التي سببها رمضان. وبسبب هذا وقع الخلاف في مسألة زكاة الفطر، وفي وقت إخراج زكاة الفطر: هل يخرج أو تخرج عند انتهاء الصوم ودخول الفطر، أم أنها تشرع بدخول رمضان؟ قول لأهل العلم في المسألة أقوال سيئة ذكرها بإذن الله جل وعلا. والغرض ها هنا أن ننبه على بعض فوائد الحديث. قال: «على الذكر والأنثى والحر والمملوك صاعا من تمر أو صاعا من شعير». قال: فعدل الناس به نصف صاع من بر على الصغير والكبير. وفي لفظ: «أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة». قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فرض أو صدقة الفطر على الذكر والأنثى والحر والمملوك»، نص صريح في وجوب زكاة الفطر. وقد نقل غير واحد الإجماع على هذا. نقل الإمام ابن المندر رحمه الله تعالى وغيره الإجماع على وجوب زكاة الفطر، وأنها واجبة، وأنها مما افترضه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين. قوله: «صدقة الفطر على الذكر والأنثى والحر والمملوك، مسألة ها هنا مسألة، وهي: هل زكاة الفطر تلزم الفقير أم هي للأغنياء؟ أي: هل تلزم زكاة الفطر للأغنياء أو هل زكاة الفطر واجبة على الأغنياء وفقراء؟ ذهب الجمهور إلى أن ملك النصاب ليس بشرط في زكاة الفطر، وأن من فقد ما يزكي به فلا زكاة عليه لعجزه. ونقل ابن المندر رحمه الله تعالى الإجماع على هذا. وأما الفقير إذا كان يملك قوت يومه وزيادة صاع أو أكثر، فإنه يجب عليه إخراج زكاة الفطر، ولو لم يكن ماله أكثر من قوت يومه إلا صاع. ودليلهم حديث الباب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «على الذكر والأنثى والحر والمملوك صاعا من تمر أو صاعا من شعير». فعدل الناس به إلى آخر الحديث. وجاء في بعض الألفاظ: «على الذكر والأنثى والصغير والكبير». قال العلماء: والصغير لا يملك، مع هذا أوجب عليه النبي صلى الله عليه وسلم الزكاة، فدل هذا على أن من لا يملك وعنده قوت يومه وزيادة صاع، فإنه يخرج الزكاة. مسألة أخرى: الصغير إذا كان يملك المال، فهل عليه الزكاة أم على وليه؟ ذهب الجمهور إلى أن عليه الزكاة من ماله، وإذا لم يكن له مال أخرج عنه والده. هل يمكن هذا؟ أن يكون صغير عنده مال. مثلا مات أخوه، مثلا غني، أو ماتت مثلا أمه، وكان عندها مال، فأخذ النصف من مالها أو أخذ أكثر مالها، فيكون ماله غنيا ماليا. فالحاصل أن الجمهور يقولون: إن كان غنيا فإنه يخرج من ماله، وإن لم يكن فعلى وليه. وإن لم يكن عنده مال فعلى وليه، أي على وليه أن يخرج عنه الزكاة. ذهب بعض المالكية، أو ذهب محمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة إلى أن الزكاة على الأب مطلقا، يعني سواء كان الولد غنيا أو فقيرا. وذهب ابن حزم من الظاهرية إلى أن الزكاة على الصغير، ولا شيء على الأب، حكما، أي إن كان الصغير غنيا أخرج من ماله، وإن كان فقيرا معدما فلا يجب على وليه أن يخرج من ماله شيئا. والصحيح قول الجمهور؛ لظاهر حديث ابن عمر رضي الله عنهما. المسألة التي تليها: هل على المملوك صدقة؟ والمملوك معناه العبد الذي هو ملك لسيده. قال العلماء: ليس عليه صدقة، وإنما على سيده؛ لأن المملوك لا مال له، وما كان له من مال فإنه لسيده. مسألة أخرى: هل على المكاتب زكاة؟ والمراد بالزكاة ها هنا زكاة الفطر. ذهب الإمام مالك رحمه الله إلى أن الزكاة على السيد. وسدد بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» رواه عبدالله بن عمر، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله. وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما: لا زكاة عليه؛ لأنه لا ينفق عليه. وروي هذا عن ابن عمر، أي أن على المكاتب أن يخرج الزكاة من ماله؛ لأنه يكون مالكا في هذه الحال. وقال ابن عبدالبر: بعد أن ذكر قول عبدالله بن عمر قال: ولا مخالف له من الصحابة. وبه قال الإمام أحمد، وهو الراجح؛ لظاهر الحديث. قوله: «صاعا من تمر أو صاعا من شعير». قال: فعدل الناس به نصف صاع من بر على الصغير والكبير. وجاء في حديث أبي سعيد قال: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «كنا نعطيها في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من أقط أو صاعا من زبيب». فلما جاء معاوية وجاءت السمراء -قال: أرى مدا من هذا يعدل مدين-. قال أبو سعيد: أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. في حديث أبي سعيد رضي الله عنه، قوله: «كنا نعطيها في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام» إلى آخره، يدل على ما كان عليه الناس في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من إخراج زكاة الفطر من هذه الأجناس. وقوله: «صاعا من طعام»، اختلف أهل العلم في قوله: «صاعا من طعام»: ما المراد بالطعام؟ قال الحافظ رحمه الله تعالى عن الخطابي: إن المراد بالطعام هنا الحنطة، وأنه اسم خاص لها. قال: ويدل على ذلك ذكر الشعير وغيره من الأقوات؛ لأن بعضهم قال: الطعام يحمل على عمومه، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صاعا من طعام». قال بعض أهل العلم: يحمل على عمومه، فكل ما كان في معنى الطعام فإنه يدخل في هذا اللفظ. وذهب آخرون إلى أن المراد بهذا اللفظ معنى خاص، وهو الحنطة، كما ذكر الخطابي. قال الخطابي رحمه الله: أو استدل الخطابي على قوله بأن النبي صلى الله عليه وسلم غاير بين الحنطة وغيرها من الأطعمة. ولو كان المراد بالطعام الطعام على عمومه، لم يحتاج أبو سعيد إلى أن يقول: «صاعا من طعام أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من أقط». لقال: نخرج صاعا من طعام، ويدخل فيه كل مطعوم. لكن لما قال: «صاعا من طعام»، ثم أتى بأو التي تفيد المغايرة، دل على أن المراد بالطعام في عرفهم معنى خاص. قال أبو سعيد: فلما جاء معاوية، أي لما كان معاوية في إمارته، حينما كان أميرا للمؤمنين، قال: وجاءت السمراء -وهي الحنطة، ولكنها أجود، أنها نوع من الحنطة السمين، نوع من الحنطة السمين-. قال معاوية رضي الله عنه وأرضاه: أرى مدا من هذا يعدل مدين. كأنه نظر إلى الحنطة الموجودة قبل، وكانت رديئة أو ليست بممتازة، ونظر إلى الأخرى فرأى أنها تعدل هذه بضعفين. فقال: أرى أن تكون هذه نصف هذه، يعني إذا كان صاع من الرديء يقابله نصف صاع من الجيد. وهذا فيه معنى من معاني الاجتهاد والنظر في العلة، الاجتهاد والنظر في استنباط الحكم واستخراج العلة. فمعاوية رضي الله عنه وأرضاه كأنه نظر إلى العلة، نظر إلى علة الثمنية، وعلة النفع. هذا أثمن وأجود، وهذا ثمنه بخس، وفيه رداءة. فنظر إلى هذه المعاني فقال: يظهر أن النصف من هذا يعدل الصاع من هذا. فهذا مما اجتهد فيه معاوية. وهذا فيه دلالة على جواز الاجتهاد والاستنباط والنظر في العلة والحكم، وبناء الحكم عليها. قال أبو سعيد رضي الله عنه وأرضاه: أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. كأن أبا سعيد يقول: أما أنا فأبقى على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي هذا إشارة إلى أن المجتهد إذا اختلف عنده أو ظهر له في المسألة حكم باستنباط، وخالفه أيضا حكما ظهر له من ظاهر النص، فهل يأخذ بظاهر النص أم يأخذ بما ظهر له بالاستنباط؟ الأظهر والله تعالى: أن يأخذ بما ظهر له من النص؛ لأن الظهور في النص وفي دلالة النص الظاهرة أقوى منه من جهة الاستنباط. جهة الاستنباط تكون الجهة مضنونة، وإن كان فيها الظهور، فإنه لا يقوى أن يكون كظهور الظاهر من النص. فإذا اختلف هذا وهذا، وما استطعنا الجمع، إلى أيهما نرجع؟ نقول: الأصل العمل بالظاهر. وهذا الذي عمل به أبو سعيد. معاوية رضي الله عنه وأرضاه نظر إلى العلة فعمل بالعلة. أبو سعيد نظر إلى ظاهر النص فعمل بظاهر النص. وكلاهما مجتهد، والحق مع أحدهما. ولا شك قد يكون مع معاوية، وقد يكون مع أبي سعيد. الظاهر أن البقاء على الظاهر هو الأولى بالعمل. والله تعالى أعلم. مسألة: ما هي الأصناف التي تخرج لزكاة الفطر أو في زكاة الفطر؟ ذهب المالكية والشافعية وأحمد في رواية إلى أنها تخرج من غالب قوت البلد. مثلا: فيه بلد من البلدان الغالب فيه الحنطة، أخرجت الحنطة. الشعير أخرجت الشعير. الذرة أخرجت الذرة. الأرز أخرج الأرز. ينظر إلى ما هو الذي عليه قوت ذلك البلد، فيخرج من ذلك القوت؛ لأنه أنفع لهم. وذهب الحنابلة في المشهور عنهم إلى الاقتصار على الخمسة الأصناف المذكورة في حديث أبي سعيد: «صاع من طعام أو صاع من تمر أو صاع من شعير أو صاع من أقط أو صاع من زبيب». قال: وهذه أجناس كانت تخرج في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن يخرج غيرها، فدل على أنها مقصودة، وأن الإخراج منها مقصود. وذهب ابن حزم وغيره إلى أنها تخرج من التمر والشعير، واستدل بحديث، ولكنه ضعيف. والأحوط والله تعالى أعلم: طول الحنابلة. ومن عمل بطول الجمهور فلا حرج عليه؛ لأن حديث أبي سعيد وإن كان فيه ذكر هذه الخمسة الأصناف، إلا أنه كما قال من قال من أهل العلم: أنها هي التي كان عليها قوت أهل البلد في المدينة. فكان طعامهم لا يخرج عن هذه الأشياء: إما تمر، إما زبيب، إما شعير، أو حنطة، أو أقط. فالنبي صلى الله عليه وسلم فكانوا يخرجون ما يخرجون من هذه الأشياء، بناء على أنه القوت المشتهر عند البلد. من اقتصر على الظاهر فهو الأولى. ومن نظر إلى ما يحتاجه الناس، وإلى أن الزكاة زكاة الفطر المقصود فيها المواساة، المقصود فيها الإعانة للفقراء وإغناء الفقراء في يوم عيد الفطر، فنظر إلى هذا المعنى فأعطاهم من قوت البلد؛ لأنه لهم أنفع، فذلك كذلك لا شيء عليه. والله تعالى أعلم. مسألة أخرى: ما مقدار إخراج زكاة الفطر أو في زكاة الفطر؟ نقل بعضهم الإجماع إلى أن زكاة الفطر من التمر والزبيب وغيرها عدا القمح بأنها تخرج لا تخرج أقل من صاع. واختلفوا في القمح. فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه كذلك يخرج صاعا؛ لضواهر أحاديث، ضاهر حديث ابن عمر، ولضاهر حديث أبي سعيد. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يخرج نصف صاع. وهذا الذي يدل عليه صنيع ابن عمر وما كان في زمنه. وهذا قد يحمل إذا كانت الحنطة المخرجة أثمن من غيرها من الحنطة. والأولى في هذا كله أن يخرج صاعا، بل هو الصحيح؛ لضواهر الأحاديث أن يخرج صاعا من جميع هذه الأصناف: صاع من تمر، أو صاع من طعام، أو صاع من شعير، أو صاع من أقط، أو صاع من زبيب. والمراد بالصاع: الصاع الذي كان هو صاع النبي صلى الله عليه وسلم. وقد اختلف العلماء المعاصرون في تقدير وزنه، فذهب الشيخ العلامة العثيمين رحمه الله تعالى إلى أنه بالكيلو اثنان كيلو وأربعين جراما. واللجنة الدائمة لها فتوى في ذلك، وتقول: بأن الأصناف كلها يجمعها أو الأحوط فيها أن يكون ثلاثة كيلو جرام. مسألة أخرى: هل يجوز إخراج القيمة المالية عن هذه الأصناف؟ بمعنى: هل يجوز أن تخرج الزكاة زكاة الفطر نقدا أم لا يجوز؟ ذهب الجمهور إلى عدم الجواز. وروي عن عمر بن عبدالعزيز رحمه الله أنه كان يأخذ قيمتها. وكأن الإمام أحمد رحمه الله تعالى عاب عليه ذلك، وقال: لا ينبغي، وقال: ينبغي أن لا يدعى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غيره. والصحيح: لماذا؟ لأن النقد كان موجودا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما حث عليه ولا أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان الناس قد يكون النقد بالنسبة لهم أفضل. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم عدل عن ذلك إلى هذا، كما جاء في حديث ابن عمر: «فرض رسول الله صدقة الفطر». فقال: «صاعا من تمر أو صاعا من شعير». ما فرض في النقد. فمن فرض شيئا لم يفرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه يدخل في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». فيكون مردودا، محدثا، ليس مقبولا. والله تعالى أعلم. مسألة أخرى: متى تخرج زكاة الفطر؟ في المسألة أقوال كثيرة. فذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى في رواية إلى أنها تجب بعد غروب الشمس من آخر يوم من رمضان. وذهب ابن عمر وابن حزم، واختار ابن حزم وبعض أهل العلم إلى أن زكاة الفطر يكون إخراجها قبل الذهاب إلى المصلى؛ لظاهر حديث ابن عمر، وفي أنه قال: «أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة». وقال أبو حنيفة: يجوز ولو قبل سنة. وذهب طائفة من الحنابلة أو ذهب الحنابلة والشافعية إلى أنه يجوز من أول يوم من رمضان؛ لظاهر حديث ابن عمر: «صدقة رمضان». والظاهر أنه لا بأس بهذا؛ لفعل عبدالله بن عمر بن خطاب رضي الله عنهما. فيكون هذا من باب الترخص، من باب تقديم هذه الزكاة قبل وقتها؛ لحاجة تقديم الزكاة قبل وقتها. والأفضل والأحرى أن يخرجها قبل أو أثناء خروجه إلى المصلى، إذا كان يعلم أنه سيأخذها ويذهب بها إلى المصلى، وسيأخذ فقراء ويعطيهم بها. وإن خشي أن ينسى أو أن يشغل أو ما شابه ذلك، لا بأس أن يخرجها من الليل، أن يخرجها من بعد صلاة المغرب من آخر يوم من رمضان. مسألة أخرى: من ولد له مولود قبل الفجر أو قبل الذهاب إلى المصلى، فهل عليه زكاة أم لا؟ على هذا القول الراجح في أن وقت زكاة الفطر إلى وقت الخروج إلى المصلى، يكون عليه زكاة. والقائلون بغير هذا القول يكون قولهم بحسب ما رجحوه. فمن قال: متى وقتها إلى المغرب؟ فإذا كان بعد ذلك فلا. ومن قال: من أول رمضان فكذلك. إلا أن يكون قول هؤلاء من باب الإجزاء، أنه يجوز. أما وقتها يكون في ماذا؟ إلى خروج المصلى. فيكون حكم واحدا. فالحاصل أن من ولد له مولود قبل الذهاب إلى المصلى، فإن عليه الزكاة. والله تعالى أعلم. وبهذا نكون انتهينا من مسائل أحكام زكاة الفطر. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.