الدرس في كتاب الزكاة 6، ألقاها
ناقش المقطع حكم إعطاء الزكاة لآل البيت، حيث أجمع العلماء على عدم جواز إعطاء الزكاة لهم. واختلفوا في جواز التصدق عليهم بصدقة التطوع.
يتناول المقطع أحكام إعطاء الزكاة للوالدين والأولاد والزوج أو الزوجة، حيث يرى بعض العلماء جواز صرف الزكاة إليهم إذا كانوا فقراء وكان الدافع عاجزا عن نفقتهم. بينما يرى آخرون عدم جواز ذلك إذا كانت نفقتهم واجبة.
إذا كان الأب فقيراً، يمكن للأم الغنية أن تنفق على أبنائها. الواجب الأصلي هو على الأب، لكن في حالة عجزه، يمكن للأم أن تقوم بهذا الواجب.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، تقدم معنا في الدرس الماضي كلام على من يستحق الزكاة من أصناف الثمانية الذين ذكرهم الله جل وعلا في كتابه الكريم. وها هنا بعض المسائل، وهي كالتتمة لما تقدم. من هذه المسائل: هل يجوز إعطاء الزكاة لأهل البيت، وإن كانوا فقراء؟ أما الزكاة، فنقل غير واحد الإجماع على أنها لا تحل لهم. واستدلوا بما جاء في الباب من الأدلة الدالة على تحريم ذلك، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الصدقة لا تحل لنا»، وقوله صلى الله عليه وسلم كذلك في بعض الروايات: «أنه لا يحل لنا أن نأكل من الصدقة». وجاء كذلك في بعض الحديث في صحيح مسلم وغيره: «إنما الصدقات أو قال الصدقات إنما هي من أوساخ الناس، وإنها لا تحل لآل محمد». وهذه نصوص ظاهرة في أنها لا تحل لهم، لا تحل لآل محمد زكاة على أي وجه كان. هذا بإجماع لا خلاف بين أهل العلم في ذلك. لما تقدم، وأما الصدقة -صدقة التطوع- فهل يجوز أن يأخذها من كان من آل البيت؟ أي هل يجوز أن يتطوع الإنسان بصدقة على آل البيت أم لا يجوز؟ ذكر بعضهم عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه جوز ذلك، وهي كذلك رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، قالوا: إنما المنع إنما هو فيما ذا في الصدقة الواجبة، أما صدقة التطوع فلا؛ لأنها ليست من أوساخ الناس. والصحيح التحريم مطلقا؛ لعموم الأدلة في الباب: «إنه لا تحل لنا الصدقة»، ما هناك فرق أو تمييز أو تفصيل بين الصدقة الواجبة والصدقة المستحبة. وروي عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها أن بعض الأمراء تصدق عليها بصدقة من الزكاة، فردته رضي الله عنها وأرضاها، وقالت: «إن آل محمد لا تحل لنا صدقة». وهذا وإن كان في الصدقة الواجبة، إلا أن الحديث يدل على التعميم: «إنها لا تحل لنا الصدقة». مسألة أخرى: هل يعطى من الصدقة المفروضة للوالدين وإن علوا، أو للولد وإن سفل؟ صورة هذه المسألة: رجل غني عنده مال يريد أن يؤدي منه الزكاة، هل له أن يعطي لوالديه من هذه الزكاة أم لا؟ وهل له أن يعطي الزكاة أو من الزكاة لأولاده وإن نزلوا أم لا؟ قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز دفع الزكاة إلى الوالدين في الحال التي يجبر الدافع إليهم النفقة عليهم. واضح هذا، جماع عمل معنى هذا: أنا مثلا عندي مال للزكاة، هل يجوز لي أن أعطيها لوالدين؟ يقول علماء: يقول ابن المنذر رحمه الله تعالى: أجمع أهل العلم على أن الزكاة لا يجوز دفعها إلى الوالدين متى؟ قال: في الحال التي يجبر الدافع إليهم النفقة عليهم. واضح هذا. إذا كان والدي فقيرين وكنت أنا أنفق عليهم، فهل لي أن أعطيهم من الزكاة؟ يقول ابن المنذر رحمه الله تعالى: لا يجوز هذا بإجماع. قال: ولأن دفع زكاته إليهم يغنيهم عن نفقته، وتسقطها عنه، ويعود نفعها إليه. يعود نفعها إلى ماذا؟ إليه. الزكاة يدفعها إلى أبيه، فيعود النفع إلى ذلك المتصدق؛ لأنه لا ينفق على أبويه في هذه الفترة. فكأنه دفعها إلى نفسه، فلم تجز؛ كما لو قضى بها دينه. قال العلامة العثيمين: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: يجوز صرف الزكاة إلى الوالدين وإن علوا، وإلى الولد وإن سفل إذا كانوا فقراء، وهذا شرط، قال: وهو عاجز عن نفقتهم. هم فقراء، وهو كذلك عاجز عن أن ينفق عليهم، هل تقع الزكاة في هذه الحالة أم لا؟ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: يجوز. قالوا: استحقاق الزكاة مقيد بوصف، ما هو هذا الوصف؟ قالوا: كالفقر والمسكنة والعمالة. أي أن يكون من العاملين عليها، مثلا. فكل من انطبق عليه هذا الوصف فهو من أهل الزكاة، ومن ادعى خروجه فعليه الدليل. هذا من كلام العلامة العثيمين. فشيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول: وقد المقتضي -وهو كون الأبوين إما فقيرين وإما مسكينين وإما من عاملين عليها مثلا- ولم يوجد مانع. ما هو المانع؟ من الموانع ما ذكر العلماء: أن تكون النفقة واجبة على ذلك الولد. وليس هذا المانع موجود، وقد المقتضي ولم يقد المانع، فإذا كان كذلك فتجوز. مسألة أخرى: لو كان أبوه غنيا، ينفق على أبيه إذا كان الولد غنيا، ينفق على أبيه، وأبوه مستغن إما بنفسه أو بإنفاق ولده. لكن عليه دين، يستطيع الولد أن يؤدي الدين عنه، لكن يقول: أنا أؤدي سأؤدي الدين من زكاة، هل يقول هذا؟ الجواب: أنه يجوز له أن يقضي له الدين؛ لأنه لا يجب على الابن وفاء دين أبيه، أي في حال حياة أبيه. كل من تجب عليك نفقته فلا يجوز أن تعطيه من الزكاة. طيب مثل أخرى: هل يجوز للزوج أن يعطي زكاته لزوجته؟ والعكس. فالجواب: أما الزوجة -أي إعطاء الزوج للزوجة- فلا يجوز إجماعا؛ لأن النفقة واجب عليه، وكل من وجبت عليه نفقة شخص معين فإنه لا يجوز له أن يعطيه من الزكاة. وأما العكس -هل يجوز للزوجة أن تعطي لزوجها؟- فيه خلاف بين أهل العلم. فذهب أبو حنيفة وأحمد في رواية إلى أنه لا يجوز أن تعطيه، وذهب الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى -وهو قول طائفة من أهل العلم أيضا- إلى أن الرجل له أخذ الزكاة من امرأته، وهو اختيار ابن المنذر. واستدلوا بحديث أبي سعيد في قصة زينب زوجة عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صدق عبد الله، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم». والحديث في البخاري، وهو نص في المسألة. وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. ولا يقال: إن الزوجة تجب عليها النفقة على زوجها؛ لأنها لا تجب. بقي في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «زوجك وولدك»، هل للزوجة أن تنفق على الولد؟ الجواب: ليس لها ذلك، أي لا يجب عليها ذلك، وإنما الواجب على الزوج. ولكن الواجب على الزوج أن ينفق على أبنائه، هو الذي يجب عليه أن ينفق على أبنائه، فإذا كان الزوج فقيرا ما عنده ما يكفي النفقة على أبنائه، وزوجته كانت غنية، فهل لها أن تنفق عليهم؟ الجواب: نعم، أنها تنفق عليهم. والله تعالى أعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.