الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 29، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يوضح هذا المحور أن المعاصي تطفئ نار الغيرة التي هي عماد الإسلام وحياة القلب، كما تذهب الحياء الذي هو مادة الخير كله. ويستدل الشارح بأحاديث صحيحة وأقوال العلماء في تفسير قوله ﷺ: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت».
يبيّن المقطع أن الحياء أصل الحياة القلبية والدينية، وأن فقدانه يميت القلب ويجعل العبد ألعوبة للشيطان، بينما قوته تمنع الذنوب وتجلب الخيرات. ويستعرض أقوال العلماء في كون الحياء خاصة الإنسانية، مع التأكيد على أن أعظمه الحياء من الله، ضاربًا المثل بقصة الثلاثة في الغار.
يبيّن هذا المحور أن من أعظم عقوبات المعاصي ضعف وقار الله وتعظيمه في قلب العبد، فيستسهل الذنب في الخلوة ولا يخشى اطلاع الله عليه، وهذا أصل الانتكاسات. ويذكر قصة رجل ترك المعصية خوفًا من الله فغفر له، مقررًا قاعدة الجزاء من جنس العمل في التعظيم والهوان.
يختتم المتحدث الدرس بالدعاء لله أن يحفظ الدين، وأن يتوفاه على الإسلام، وأن يرزقه التقوى والحياء والغيرة. ويختم بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، فيتجدد اللقاء مع هذه المجالس العلمية التي نتذاكر فيها رسالةً عظيمة وكتابًا نافعًا قيّمًا، ألا وهو "الداء والدواء"، وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي. وكما مر معنا مرارًا وتكرارًا أن هذا المؤلف لعالمٍ وإمامٍ كبير من علماء المسلمين، فمن هو؟ يا محمد، من هو؟ "الداء والدواء" لمن؟ أحسنت، لابن القيم، الإمام أبو عبد الله شمس الدين محمد ابن أبي بكر الزرعي، المشهور بابن قيم الجوزية. أبوه كان قيمًا على تلك المدرسة المشهورة ببلاد الشام التي عرفت بالجوزية. ونحن مع فصولٍ في بيان آثار الذنوب والمعاصي، وهكذا عقوباتها. وقد استطرد رحمه الله تعالى في بيان هذه العقوبات لهذه المعاصي والمحرمات، وحديثه عن العقوبات ضمن بيانه لدواء لذلكم الداء. فما هو الدواء الذي أشار إليه هنا؟ ما هو الدواء يا أبا جعفر؟ أحسنت، ترك الذنوب والمعاصي. هذا من أنفع الأدوية والعلاجات لأمراض القلوب، لا سيما المرض الذي سئل ابن القيم أن يصف له جوابًا، فقام وكتب هذا الكتاب. نعم يا أبا حذيفة، ما هو الداء الذي لأجله ألف هذا الكتاب كدواء؟ "الداء والدواء"، ما هو الداء؟ لما سئل ابن القيم أن يصف دواءً لداء، فما هو هذا الداء بعينه؟ شيء من هذه الذنوب وهو داء... أحسنت، داء العشق. ومر معنا خطورة هذا الداء، وما هي الآثار المترتبة على الوقوع في هذا الداء والمرض، ألا وهو مرض العشق. وشيخ الإسلام ابن القيم إذ يبين خطورة هذا الداء ويصف له هذه الأدوية، مع أنه رحمه الله تعالى عاش في قرون بعيدة... قرون بعيدة. فماذا عسى أن يقول القائل فيما نعيشه نحن اليوم من هذا المرض وغيره من الأمراض؟ اليوم وسائل التواصل، وهكذا وسائل الإعلام من شاشات، وهكذا قنوات، وهكذا مواقع على الإنترنت، وغيرها مما يشعل نيران العشق عند الكثير من الناس، ذكورًا كانوا أو إناثًا. وكم تسمع عن الوقائع والأحداث والحكايات التي تقع بسبب ذلك! كم خربت بيوت، ومزقت أسر، وقطعت علاقات وأواصر بين الناس بسبب ذلك، بسبب ذلك. فالحاجة اليوم لبيان الأدوية والعلاجات لمثل هذه الأمراض. اليوم يا إخوان، نحن أحوج إلى أن يوعي الإنسان نفسه، وهكذا غيره، ولا سيما شريحة الشباب، هم أكثر من يستهدف... ماذا؟ من يستهدف في هذا المجال؟ ذكر رحمه الله تعالى في آخر ما ذكر من عقوبات الذنوب، ذكر فصلًا في أن من عقوبات الذنوب أنها تطفئ من القلب نار الغيرة التي هي لحياته وصلاحه، كالحارة الغريزية لحياة جميع البدن، لحياة جميع البدن. وجعل رحمه الله تعالى الإسلام يقوم على الغيرة، فمن لا غيرة عنده لا إسلام معه. ثم ذكر رحمه الله تعالى فصلًا آخر، قال: فصل، ومن عقوباتها -أي الذنوب والمعاصي- ذهاب الحياء الذي هو مادة حياة القلب، وهو أصل كل خير، وذهاب... وذهاب... ذهاب الخير أجمعه. قال: وفي الصحيح... والحديث في الصحيحين... الحديث في الصحيحين. قال: وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم، جاء في الصحيحين من حديث عمران بن حسين رضي الله تعالى عنه قال: قال: "الحياء خير كله، الحياء خير كله". وقال: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت، إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت". والحديث كذلك أيضًا حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه، والحديث أخرجه الإمام البخاري رحمه الله تعالى. قال: وفيه تفسيران: أحدهما أنه على التهديد والوعيد، والمعنى: من لم يستحِ فإنه يصنع ما شاء من القبائح، إذ الحامل على تركها الحياء، إذ الحامل على تركها الحياء. فإذا لم يكن هناك حياء يزعه من القبائح، قال: فإنه يواقعها. قال: وهذا تفسير أبي عبيد، وهذا تفسير أبي عبيد. وأبو عبيد رحمه الله تعالى المذكور ها هنا المقصود به القاسم بن سلام، القاسم بن سلام، والقاسم بن سلام الهروي، عالم لغوي، وهكذا فقيه، وهكذا محدث، وإمام من أئمة الجرح والتعديل. ذكروا أن أباه كان عبدًا روميًا لرجل هروي، لرجل هروي. ويتصحف "أبو عبيد" بـ "أبو عبيدة"، وأبو عبيدة ذاك هو معمر بن المثنى، شيخ البخاري رحمه الله تعالى، وأيضًا هو من مشايخ القاسم بن سلام، أبي عبيد، الذي ذكر سابقًا. وأبو عبيدة كما جاء في بعض النسخ ها هنا تصحيف، وصوابه "أبو عبيد"، صوابه "أبو عبيد". والبخاري رحمه الله تعالى في صحيحه في كتاب التفسير اعتمد على أبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي مولاهم، وكان أديبًا ولغويًا وإخباريًا، وإخباريًا. قال: والثاني: أن الفعل... إذا لم تستحِ منه... أن الفعل إذا لم تستحِ منه، في بعضها فيه "من الله ومن الناس"، ولفظة "ومن الناس" زيادة في بعض النسخ. قال: فافعله. الفعل إذا لم تستحِ فيه أو منه من الله عز وجل ومن الناس فافعله. قال: وإنما الذي ينبغي تركه ما يستحى منه من الله ومن الناس. قال: وهذا تفسير الإمام أحمد في رواية ابن هان. قال: فعل الأول يكون تهديدًا وزجرًا كقوله: "اعملوا ما شئتم، اعملوا ما شئتم"، ليس هذا إباحة أو أمرًا بالفعل، وإنما هو على سبيل التهديد والزجر. وعلى الثاني، قال: يكون إذنا وإباحة، يعني الشيء الذي لا يستحى منه يفعل، والشيء... أو ماذا؟ الشيء الذي يستحى منه لا يفعل، والشيء الذي... آه، ماذا؟ لا يستحى منه هذا مأذون فيه ومباح فعله على القول الثاني. قال: فإن قيل: فهل من سبيل إلى حمله على المعنيين؟ قال: قلت: لا، ولعل قول من يحمل المشترك على جميع معانيه... قال: لما بين الإباحة والتهديد من المنافاة. قال: ولكن اعتبار أحد المعنيين يوجب اعتبار الآخر، يوجب اعتبار الآخر. قال: والمقصود أن الذنوب تضعف حياء العبد، المقصود أن الذنوب تضعف حياء العبد، إن كان فيه حياء، قال: حتى ربما... إن سلخ منه بالكلية، إن سلخ منه أي من الحياء بالكلية. قال: حتى يصير إلى حال لا يتأثر بعلم... أو لا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله، ولا بالاطلاعهم عليه، بل كثير ممن سلب الحياء يخبر الناس عن حاله وقبيح ما يفعله. قال: والحامل له على ذلك... لماذا يا إخوان؟ يسره الله عز وجل، ويأتي هو ويكشف ستر الله عز وجل عنه، فيتحدث أمام الناس: "أنا فعلت كذا، وارتكبت كذا من المحرمات والذنوب والسيئات". السبب هنا يرجع إلى أن الحياء ضعف وقل، ولربما في بعض الأحيان قد ينعدم بالكلية، قد ينعدم بالكلية. قال: والحامل له على ذلك انسلاخه من الحياء. وإذا وصل العبد إلى هذا الحال، إلى هذا الحال، قال: لم يبقَ في صلاحه مطمع، بل صار ملعبة لشيطان، ملعبة لشيطان. وإذا رأى إبليس طلعة وجهه حيا، وقال: فديت من لا يفلح. وهذا البيت هو للبحتري في ديوانه، كما ذكر ذلك البيهقي رحمه الله تعالى في كتابه "الزهد الكبير"، لكن فيه يقول: "وإذا رأى إبليس غرة وجهه" بدلاً من "طلعة وجهه". وذكره كذلك الإمام ابن عساكر رحمه الله في كتابه العظيم "تاريخ دمشق"، لكنه ذكره بلفظ: "وإذا رأى إبليس صورة وجهه حيا، وقال: فديت من لا يفلح". إذن إبليس يفرح بأمثال هؤلاء، وهو الذي يتحكم بهم. قال رحمه الله تعالى: قال: والحياء مشتق من الحياة، والـ... الغيث أو الغيث يسمى... يسمى "حيًا" بالقصر، لأن به حياة الأرض والنبات والدواب. والغيث المقصود به المطر الذي يرسله الله عز وجل فيجعله سببًا لحياة الأرض، وهكذا حياة النباتات والدواب، بل والإنسان. {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30]، أفلا يؤمنون؟ قال: وكذلك الحياء... قال: وكذلك الحياء، به حياة القلب والدين والدنيا والآخرة. قال: فمن لا حياء فيه ميت في الدنيا والآخرة. وهذا الموت هو الموت المعنوي، هو يتحرك ويأكل ويشرب ويعمل وغيرها من أنواع الحياة الظاهرة، لكن الحياة الحقيقية منعدمة بسبب ماذا؟ أن القلب مات، وهكذا الدين ضعف، بل ولربما إن عدم، فكان ذلك سببًا لخسارة الدنيا والآخرة. قال: فمن لا حياء فيه ميت في الدنيا والآخرة، شقي في الدنيا والآخرة. قال: وبين الذنوب وبين قلة الحياء وعدم الغيرة تلازم من الطرفين. عندنا الذنوب، وعندنا الحياء والغيرة. فكما سبق معنا: إذا وجدت الغيرة وقويت هنا ستقل الذنوب، بل ربما تذهب الذنوب ولا توجد. وهكذا قل في الحياء: إذا قوي وعظم الحياء، أثر ذلك على الطرف الآخر، طرف الذنوب، فتجد أن الذنوب لا توجد، وأن الذنوب إذا وجدت فهي قليلة، وإذا وجدت فإن التوبة تتبعها، وهكذا فعل الحسنات يمحوها، {وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا} [هود: 114]، كما أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: وكل منهما يستدعي الأخرى، ويعينه ويسعى في طلبه حثيثًا. قال: ومن استحيى من الله عند معصيته استحيى الله من عقوبته يوم يلقاه، ومن لم يستحِ من معصيته لم يستحِ من عقوبته، لم يستحِ من عقوبته. وبهذا نعلم أن الحياء لا يأتي إلا بخير، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه خير كله، وأن الحياء من الإيمان كما أخبر عليه الصلاة والسلام. ولهذا العلماء يعرفون الحياء بأنه خلق يبعث صاحبه على فعل الحسن وترك القبيح. أي شيء قبيح فإنه يتركه، ويحرص على فعل الأمور الحسنة. وابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "مفتاح دار السعادة" لما تكلم على الحياء وأهميته، ذكر رحمه الله تعالى قائلًا: قال: الحياء، أو خلق الحياء، من أفضل الأخلاق وأجلها. يقول: "خلق الحياء من أفضل الأخلاق وأجلها وأعظمها قدرًا وأكثرها نفعًا". قال: بل هو... قال: بل هو خاصة الإنسانية. يقول: "الحياء هو خاصة الإنسانية، فمن لا حياء فيه فليس معه من الإنسانية إلا اللحمة والدماء"، إلا اللحمة والدماء. هذا الذي استفاده من كونه إنسانًا. قال: "وصورتهما الظاهرة"، وصورتهما أي صورة اللحم والدم الظاهرة. قال: "كما أنه ليس معه من الخير شيء"، من الخير شيء. الحياة يا إخوان، جمال لصاحبه، وربنا عز وجل يقول كما في كتابه العزيز: {وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26]. قال ابن... أو ماذا جاء عن الحسن البصري رحمه الله تعالى فسر اللباس التقوى؟ قال: الحياة، قال: الحياة. ولهذا جاء في حديث أبي سعيد الخدري يصف نبينا صلى الله عليه وسلم بأنه كان أشد حياءً من العذراء في خدرها، من العذراء في خدرها. من هي العذراء يا أبا قتادة؟ من هي العذراء؟ من هي العذراء؟ المرأة... المرأة المختبئة. أحسن، متزوجة أو لا تزال بغير زواج؟ بدون زواج، بدون زواج. أحسن. وهذا فيه تصوير لشدة حيائه عليه الصلاة والسلام، وليس هذا خدشًا في الرجولة، وإنما هو كمال في الصفة وجمال في الخلق. قال: فإذا... آه، ماذا؟ إذا رأى شيئًا يكرهه عرفنا ذلك في وجهه عليه الصلاة والسلام. والحياء يا إخوان، أعظمه هو الحياء من الله عز وجل، الحياء من الله عز وجل. وحسّن العلامة الألباني رحمه الله تعالى ما خرجه الترمذي وغيره في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "استحيوا من الله حق الحياء"، حق الحياء. هذا يا إخوان من أعظم الحياء. ولهذا مر معنا في قصة النفر الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت عليهم صخرة فسدت فتحة ذلكم الغار. فقال بعضهم لبعض: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بخالص أعمالكم، وفي بعضها: بصالح أعمالكم. فقام الأول وتوسل إلى الله عز وجل ببره بوالديه وإحسانه مع والديه، فانفرجت الصخرة شيئًا، لكن لا يستطيعون الخروج منه. قام الآخر فقال: اللهم إنه كانت لي ابنة عم، وكنت أحبها كأشد... كأشد ما يحب الرجال النساء. قال: فأردتها عن نفسها يومًا فامتنعت، أراد أن يزني بها لكنها امتنعت. قال: قال: حتى ألمت بها سنة من السنين، حاجة شديدة ماسة. قال: فجاءتني. قال: فأعطيتها عشرين ومئة دينار، مبلغ كبير جدًا. الدينار كم يساوي من الجرامات يا أبا خالد؟ الدينار ذهب، والدرهم فضة. الدينار كم يساوي من الجرامات؟ طيب، أحسنت. نعم يا أبا محمد... نعم يا أبا خان، ارفع صوتك: أربعة وربع. أحسنت، أربعة جرامات وربع. الجرام هو أعطاها كم؟ أعطاها مئة وعشرين دينارًا. ضربها في أربعة وربع، انظر كم تكون من الأموال. أعطاها هذا المبلغ مقابل ماذا؟ شرط واحد: أن تخلي بينه وبين نفسها. قال: ففعلت. قال: فلما قعدت منها مقعد الرجل من أهله، يعني قاب قوسين أو أدنى، سيقع في جريمة تسمى جريمة... يا بُنَيَّ، الزنا. هنا ذكرته بكلمة عظيمة، قالت له: "اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه". كلمة عظيمة يا إخوان، يعني: ما تستحي من الله أن يراك في هذا المنظر وعلى هذه الصورة وتفعل هذه الجريمة. أين الحياء من الله؟ أين الخوف من الله؟ "اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه". هنا يا إخوان يأتي الحياء من الله، أما الناس فلا أحد يراه إلا الله تبارك وتعالى. قال: فقمت عنها وهي من أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها. ما قال: "ما دام أن العملية لم تتم ولم تنجح، إذن ماذا؟ يعود الذهب لصاحبه؟" لا، تركه لعل الله أن يغفر له، ولعل الله أن يتجاوز عنه. وهذا يا إخوان يعتبر أمرًا عظيمًا جدًا. كل من سولت له نفسه أن يقع في الجريمة أو يمارس المعصية، لو تذكر هذا لا ابتعد وانزجر عن فعل هذا الذنب والوقوع في مثل هذه الجريمة. قال رحمه الله تعالى: فصل. قال: ومن عقوبات الذنوب أنها تضعف في القلب تعظيم الرب جل جلاله، وتضعف وقاره في قلب العبد، ولا بد، شاء أم أبى، شاء أم أبى. وهذا يا إخوان أيضًا له تعلق بما قبله. لماذا يا إخوان يستحي العبد من ربه؟ لتعظيمه لله عز وجل. ولهذا نوح عليه الصلاة والسلام لما رأى إصرار قومه على الشرك والشر، قال لهم: قال لهم: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} [نوح: 13-14]، {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا} [نوح: 15-17]، الآيات. وشاهدنا منها قوله: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا}، أي تعظيمًا. قال ابن عباس، وهكذا جاء عن مجاهد والضحاك وغيرهم: قالوا: عظمه. وابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: لا تعظمون الله حق عظمته، أي لا تخافون من بأسه ونقمته، كما ذكر ذلك الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره. إذن من عقوبات الذنوب والمعاصي أنها تضعف تعظيم العبد لربه عز وجل. فمع الاستمرار على الذنوب والمعاصي قد يخاف اطلاع الناس على المعصية، يخاف أن الناس يرونه، ولا يخاف أن الله يراه. قد يجعل الله عز وجل أهون الناظرين إليه، يمارس المعصية، قد أغلق الأبواب وأطفأ الأنوار والمصابيح، وشغل الشاشة أو فتح الجوال، ومتخوف ينظر يمينًا شمالًا لا يراه أحد. قد تأتي الريح وتهز الباب فيهتز... ماذا؟ فيهتز قلبه. لماذا؟ يخاف أن أحدًا يراه. طيب، وأنت منذ أن بدأت العملية إلى ساعتك هذا، وربنا عز وجل يراه. ألم يعلم بأن الله يرى؟ فهنا ضعف في تعظيم الرب تبارك وتعالى. وهذا ماذا؟ يدلنا على خطورة الذنوب التي تقع في الخلوات، وأنها أساس وأصل الكثير من الانتكاسات. حيان نتعجب أن طالب علم بعد اجتهاد وجد وحفظ ومذاكرة، تجده ينحرف ويزيغ ويضل. تعجب، كنا نضرب به المثل، ويحتقر الواحد منا نفسه أمامه، وإذا به يزيغ وينحرف. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: قال: أجمع العارفون بالله أن ذنوب الخلوات هي أصل الانتكاسات، وأن عبادات الخفاء هي أصل الثبات، أصل الثبات. فنسأل الله العافية والسلامة. قال رحمه الله تعالى: قال: ولو تمكن وقار الله وعظمته في قلب العبد لما تجرأ على معاصيه. آذ يا إخوان، لآلٍ ودرر ينثرها الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى. وكما سبق أن ذكرنا مرارًا ما ذكره بعض العلماء أن بعض العبارات فيها من الحكمة الشيء الكثير، الشيء الكثير. تنفع أن يجعلها الواحد منا مثلًا حاله، أصحاب الحالات... يعني... يعني بعضهم يضع بعض الأشياء غير المفيدة. يصلح أن تضع هذا السطر حالك، تقول: قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "الداء والدواء"، وتذكر الفقرة الأولى: "ومن عقوبات الذنوب أنها تضعف في القلب تعظيم الرب جل جلاله وتضعف وقاره في قلب العبد ولا بد، شاء أم أبى". انتهى. ممكن تأتي بالسطر الذي بعده: قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "الداء والدواء": "ولو تمكن وقار الله وعظمته في قلب العبد لما تجرأ على معاصيه". قال رحمه الله تعالى: قال: وربما اغتر المغتر وقال: إنما يحملني على المعاصي حسن الرجاء والظن الحسن بالله، وطمعي في عفوه، لا ضعف عظمته في قلبي. ولو تذكرون سبق معنا في كلام ابن القيم ما يتعلق بتنبيهه على أحوال الكثير من المغترين في فعل الذنوب والمعاصي، وهناك أطال فأجاد وأفاد رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. قال: وهذا من مغالطة النفس وفضائح الدنيا والآخرة. قال: فإن عظمة الله إذا سكنت قلب العبد حالت بينه وبين الذنوب، ولو في أدنى ما يكون. قال: فالمتجرئون على معاصي الله ما قدر الله حق قدره، ولا عظموه حق عظمته. وكيف يقدره حق قدره أو يعظمه حق عظمته أو يكبره ويرجو وقاره ويجله، من يهون عليه أمره ونهيه؟ هذا من أمحل المحال وأبين الباطل، وأبين الباطل. وسبق معنا الإشارة إلى ذلك في كلامه السابق رحمه الله تعالى: "ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها، إن السفينة لا تمشي على اليبس". وهكذا من يدعي محبة الله ولم يلزم طاعته تبارك وتعالى. قال: وكفى بالمعاصي عقوبة أن يضمحل من قلب فاعلها تعظيم رب العالمين وتعظيم حرماته، ويهون عليه حقه. ومن بعض عقوبة هذا أن يرفع الله عز وجل مهابته من قلوب الخلق، ويهونه... ويهونه عليهم، حتى يستخفون به وبحقه، كما هان عليه أمر الله تعالى وحرماته. وهذا سبق معنا قريبًا. حتى أهل بيته لا يحترمونه ولا يقدرونه، حتى عبده وخادمه يقول: "يا ولد، يا غلام، افعل كذا"، يقول: "طيب"، ولا يستجيب له. هذا من عقوبات الذنوب والمعاصي كما مر معنا قريبًا، كما مر معنا قريبًا. وختم رحمه الله تعالى أذه... آ... ماذا؟ رده على أولئك المغترين، على أولئك المغترين، بقوله: فعلى قدر محبة العبد لله يحبه الناس، وعلى قدر خوفه من الله يخافه الناس، وعلى قدر تعظيمه لله وحرماته يعظم الناس حرماته. فالجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان. والحديث له تتمة، يأتي معنا إكمالها في درس قادم إن شاء الله عز وجل. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يحفظ علينا ديننا، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يرزقنا التقوى والحياء والغيرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.