التعليق على كتاب الداء والدواء 30

التعليق على كتاب الداء والدواء 30

الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 30، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

عقوبة نسيان الله للعبد وتخليته بينه وبين نفسه وهواه

يشرح المقطع عقوبة من عقوبات الذنوب وهي نسيان الله للعبد جزاءً على نسيانه لربه، فيتركه سبحانه بينه وبين نفسه الأمارة بالسوء وشيطانه فيضل ويهلك، مستدلاً بالآيات والأحاديث على ضيق الدنيا وعمى البصيرة في الآخرة لمن أعرض عن ذكر الله، وأن اتباع الهوى يورد المهالك ويفرط في السعادة الأبدية مقابل لذة دنيوية زائلة.

قصر الدنيا وخداع الأمل وطاعة الشيطان

يذكر حديث النبي ﷺ عن كون المؤمن في الدنيا كغريب أو عابر سبيل، محذراً من إطالة الأمل ونسيان الموت الذي يأتي بغتة، ويبين أن لذات المعاصي فانية كسحابة صيف تعقبها ندم، بينما لذة الطاعة دائمة ومتزايدة، وأن أعظم العقوبات نسيان العبد لنفسه وبيعها بأبخس الأثمان.

عواقب المعاصي: نسيان الله ونفسه وحرمان مرتبة الإحسان

يستعرض عقوبة بني إسرائيل لرفضهم المن والسلوى وطلبهم الأدنى، مبيناً أن أعظم العقوبات نسيان العبد لربه فينسى نفسه ويضيع مصالحها، ويشرح مراتب الدين الثلاث (الإسلام، الإيمان، الإحسان) وأن المعاصي تخرج العبد من دائرة الإحسان وتحرمه ثواب المحسنين، مؤكداً أن الله يعوض عن كل شيء إلا عن نفسه.

الدعاء الختامي والشكر

يختتم المتحدث بدعاء لله أن يحفظ الدين، ويتوفى المسلمين على الإسلام، ويصلح أحوالهم الظاهرة والباطنة، ثم يحمد الله رب العالمين ويشكر الحضور.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع «الداء والدواء» وهو «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي»، وهو لشيخ الإسلام الإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى. ونحن مع هذه الفصول الماتعة التي تتعلق بعقوبات للذنوب والمعاصي، وهي عبارة عن آثارٍ سيئة تعود على الفرد، وهكذا تعود على المجتمعات آثاراً سلبية. وما أحوج المسلمين إلى أن يتذاكروا مثل هذه الأبواب ومثل هذه الفصول النافعة. ولا يزال رحمه الله تعالى يسرد لنا ويسترسل في ذكر هذه العقوبات وهذه الآثار السيئة المترتبة على الوقوع في الذنوب والمعاصي. قال رحمه الله تعالى: «فصل: ومن عقوباتها أنها تستدعي نسيان الله لعبده وتركه وتخليته بينه وبين نفسه وشيطانه». قال: وهناك الهلاك الذي لا ترجى نجاة صاحبه، لا ترجى نجاة صاحبه. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال رحمه الله تعالى: «فأمر بتقواه في أول الآية، ونهى أن يتشبه عباده المؤمنون بمن نسيه بترك تقواه، بترك تقواه. وأخبر أنه عاقب من ترك التقوى بأن أنساه نفسه، أي أنساه مصالحها وما ينجيها من عذابه، وما يوجب له الحياة الأبدية، وما فيه كمال لذاتها وسرورها ونعيمها. فأنساه ذلك كله جزاءً وفاقاً لما نسيه، أو لما نسيه من عظمته وخوفه وإحسانه، ونسيه من القيام بأمره، من القيام بأمره، بأمره». ولاحظوا كيف أن الله تبارك وتعالى يجازي العبد على حسب عمله: «احفظ الله يحفظك». وهكذا من نسي الله فإن الله تعالى يتركه، ولربما وكله إلى نفسه، ولربما وكله إلى نفسه، وخلى بينه وبين هذه النفس الأمارة بالسوء، وهكذا بين الشيطان الرجيم الذي يدعوه إلى معصية رب العالمين تبارك وتعالى. وإذا وكل الله العبد إلى نفسه وهواه، فعندها أصابه ما أصابه من الهلاك، من الهلاك. ولهذا كان من الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «آه، ماذا الدعاء؟» بقوله: «ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين». وهذا من الأمور المهمة جداً، من الأمور المهمة جداً. ونسيان الله لعبده هو بمعنى تركه إياه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾. يعني عنده حاسة البصر، لكنه فقد البصيرة التي يرى بها القلب ويميز بها القلب الحق من الباطل. ﴿كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾. وهكذا، أما رب العالمين تبارك وتعالى لا يعطيه ما يعطي عباده المؤمنين من الرحمة والرضوان. قال: «فتر العاصي مهملاً لمصالح نفسه، مضيعاً لها، قد أغفل الله قلبه عن ذكره، واتبع هواه، وكان أمره فرطاً». وهذا مما حذر منه ربنا عز وجل أهل الإيمان في كتابه العزيز. قال تعالى مخاطباً النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. هؤلاء هم أهل الطاعة، هؤلاء هم أهل حلق العلم ومجالس الذكر. أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصبر نفسه معهم: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. متى تكون الغداة يا أبا نظم؟ الغداة وليس الغداة... ها الصباح، يعني أول أول الصباح، أول النهار. ولهذا تسمى صلاة الفجر بصلاة... يا أبا فواز، صلاة الفجر تسمى بصلاة الغداة. أحسن، تسمى بصلاة الغداة. والعشي يا أبا جعفر: الغداة أول النهار، والعشي آخره، أي آخر النهار، وليس آخر الليل، آخر النهار يعني عند العصر، ما بعد العصر هذا يسمى ماذا؟ يسمى بالعشاء. قال: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. أشغله الله عز وجل بالشهوات والملذات، وابتعد عن مجالس الذكر التي يحبها ربنا عز وجل ويحب أهلها. قال: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾، والهوى يهوي بصاحبه إلى أماكن بعيدة عن طاعة الله عز وجل، وعن مرضات الله سبحانه، ولربما هوى بصاحبه إلى النار، وبئس القرار، وبئس القرار. ولربما جعل الهوى إلهاً: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾. فالهوى هو الذي يميله ويوجهه، وهو مطيع لهذا الهوى. قال: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾، كان أمره إلى الخسارة، وهكذا أمره إلى عدم التوفيق. قال: «قد انفرطت عليه أموره ومصالحه ومصالحه دنيا... قال: قد انفرطت عليه أموره ومصالحه دنيا وآخرة. قال: وقد فرط هو أيضاً في سعادته الأبدية، واستبدل بها أدنى ما يكون من لذة، إنما هي سحابة صيف أو خيال طيف». هذه هي الدنيا كما مر معنا مراراً وتكراراً، ولا سيما في منظومة الإلبيري رحمه الله تعالى. الدنيا عبارة عن سحابة صيف، يعني لا تدوم كثيراً، تبقى قليلاً، سرعان ما تذهب. وهكذا خيال طيف: تخيل أنه يرى شيئاً، فإذا جاءه لم يجده شيئاً. الدنيا لذاتها عبارة عن ظل زائل، عبارة عن ظل زائل، فسرعان ما يزول. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له الصحابة: «ألا نتخذ لك وطاء؟» يعني فراشاً تنام عليه، قال: «ما لي وللدنيا، ما أنا فيها إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم قام وتركها». آذى مثلنا في هذه الدنيا، مثلنا في هذه الدنيا. جاء في حديث ابن عمر في صحيح البخاري: «قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنكبي». أين يقع المنكبان يا أبا حذيفة؟ نعم هنا في الكتفين. «بمنكبي، ثم قال: كن في الدنيا كأنك غريب، كأنك غريب، أو عابر سبيل». الغريب: ماذا تظنون أن يفعل إذا نزل بأرض؟ هل يعمر فيها ويؤسس بها؟ الجواب: لا، يقول: أنا سنة، سنتين، أربع سنوات أو أقل سأجلس، ثم سأرحل إلى بلدي. أكذا الغريب، ونحن في الدنيا غرباء. «كأنك غريب أو عابر سبيل». أرأيتم المسافر إذا نزل ببلد؟ هذه الباصات التي تحمل من المسافرين... من تحمل ينزل أو يتوقف الباص، فينزل ركابه لتناول الغداء ولأداء الصلاة. طيب، نصف ساعة يا جماعة: صلاة وغداء. خلال هذه النصف ساعة ماذا سيفعل؟ هل سيذهب ويحجز له غرفة في فندق أو يشتري له بيتاً ليجلس فيه؟ أبداً، هو في عجل من أمره، وينظر إلى عقاربي الساعة التي يراها تجري سريعاً، يريد أن يستغل الوقت لقضاء أهم الأشياء. هناك أشياء كثيرة يريد: شاحن جوال مثلاً، يريد كذلك أيضاً أن يشتري له بعض الأغراض الأخرى، لكن الوقت لا يتسع لذلك. يا الله، يصلي ويتناول غذاء سريعاً، وماذا؟ يركب إلى الباص أو على الباص. نحن في الدنيا هكذا: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». ولهذا استفاد ابن عمر من هذه الوصية وهذه النصيحة، فكان بعد ذلك يقول: «إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح». لماذا لا تنتظر؟ لأنك لا تدري إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر؟ ما تدري. كم من إنسان نام ولم يستيقظ، وكم من إنسان استيقظ ولم ينم. كم من إنسان لبس ثوباً ما خلعه إلا المغسل، المغسل أثناء تغسيل الميت هو الذي قام بإنزاله. كم من إنسان أخذ لقمة فما وصلت إلى فيه. دنيا قصيرة جداً يا إخوان. والشيطان من أعظم الوسائل التي يستعملها مع هذا الإنسان: يطيل له الأمد، يطيل له الأمل، وينسيه الموت، ينسى أنه سيموت، كأن عنده ضماناً أنه سيعيش أمداً طويلاً. «يا من بدنياه اشتغل وغره طول الأمل، الموت يأتي بغتة، والقبر صندوق العمل». أذه حقائق الشيطان أحرص ما يكون إلى أن ينسينا إياها، لأننا إذا... ماذا إذا تذكرنا؟ فعندها سننتبه لوساوسه وخططه، وسنبتعد عن المعاصي ونقبل على الطاعات. لكن للأسف يا إخوان، داء الغفلة داء عظيم وخطير، وبعض الناس لا يتنبه إلا إذا حضر الموت، وجاءت سكرة الموت بالحق: ﴿ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾، أي تهرب. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾، أن يسوقها وشهيد أن يشهد عليها. ﴿لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾. الآن لكن بعد فوات الأوان، الآن رأيت الدنيا على حقيقتها، وعلمت أن الآخرة هي دار القرار التي كان يجب عليك أن تعمل لها وأن تسعى لها سعيها. فنحن أحبة في الله في معارك مع الشيطان، وحروب مع الهوى، وأنفسنا التي تأمرنا بمعصية الله عز وجل، وتبعدنا عن طاعته تبارك وتعالى. قال: «واستبدل بها أدنى ما يكون من لذة، إنما هي هذه اللذة سحابة صيف أو خيال طيف، أحلام نوم أو كظل زائل. إن اللبيب بمثلها لا يخدع، إن اللبيب بمثلها لا يخدع». هذه اللذات يا إخوان الفانية، هذه اللذات لا تستغرق إلا مدى وجيزة، وبعدها يعقبها ندم، وبعدها يأتي الأسف والهم والغم. أرأيتم رجلاً حدثته نفسه بالزنا؟ لربما يبقى يخطط ويفكر ويدبر وينفق الأموال، همه وغايته أن يقع في الزنا. كم ستستغرق عملية الزنا؟ عملية الزنا كم ستستغرق؟ هي كسحابة صيف أو كخيال طيف. خليها نصف ساعة، قد يتلذذ لذة فانية ويستمتع مدة قصيرة، ثم مباشرة يأتي الهم والغم والأسف والندم، إلى غير ذلك. بخلاف من كانت لذته وراحته في فعل الطاعات: إذا عمل الطاعة أحس بلذة وشعر بمتعة وراحة. طيب، إذا أكمل العبادة، الراحة والسعادة واللذة تكبر وتعظم، تكبر وتعظم. قال: «أحلام نوم أو كظل زائل، إن اللبيب... من اللبيب يا صالح، إن اللبيب ما هو اللب؟ ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. إن اللبيب من هو اللبيب؟ الفطن، يعني من هو الفطن؟ لا زال اللبس قد يكون موجوداً لدى البعض. اللبيب هو الفطن، والفطن من... حتى نأتي على كلمة يفهمها الجميع، حتى العبيد يفهمها أيضاً. نعم يا عبيد: الذكي. ما شاء الله، لا، بس قاب قوسين أو أدنى، ونقعوا على الجواب يا عبد الله: من هو الفطن اللبيب؟ الذكي. قال: إن اللبيب بمثلها لا يخدع. اللبيب: الفطن، الذكي. لخصها لنا في كلمة صغيرة يا محمد: العاقل. نعم أحسنتم: العاقل. إن اللبيب أي العاقل الفطن الحريص على ما فيه صلاحه، لا ينخدع بذلك، لا ينخدع بذلك». قال رحمه الله تعالى: «فصل: وأعظم العقوبات نسيان العبد لنفسه وإهماله لها وإضاعته حظها ونصيبها من الله، وبيعها ذلك بالغب والهوان وأبخس الأثمان، فضيع من لا غنى له عنه ولا عوض له منه، واستبدل به من عنه كل الغنى ومنه كل العوض». قال: «فهل يفعل هذا من كان عنده أدنى مسكة عقل، أدنى مسكة عقل؟ لا، لا يفعل هذا العاقل». ولهذا بنو إسرائيل لما أنزل الله عليهم المن والسلوى... ما هو المن وما هي السلوى يا با محمد؟ اختل لك المن أو السلوى؟ السلوى: طير. نعم أحسنت. المن والسلوى يا إخوان هي أشياء وأمور يحتاجها الإنسان ولا يتكلف في تحصيلها جهد، رزق ساقه الله لهم يتحصلون عليه بسهولة. قيل: ماذا المن؟ يعني شيء من الطعام يأتيهم بكل سهولة. والسلوى قيل: طائر، وهذا الطائر يتحصلون عليه بسهولة، وإلى يومنا هذا نوع من أنواع الطير سهل صيده، سرعان ما يقع في الشباك، وسرعان ما يقتل ويموت، ويذكر من أكله أن طعمه لذيذ، طعمه لذيذ. إذن من وسلوى، بنو إسرائيل لم يكفيهم ذلك، قالوا لموسى: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾. أرادوا بصلاً وثوماً وعدساً. ماذا قال لهم؟ ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾. تتركون الأفضل والأعلى وتطلبون الأدنى والأقل. ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ﴾. ومن ذلك ما الزمن؟ قال: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾، وماذا؟ ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ﴾. هذه عقوبات عليهم إلى يومنا، إلى يومنا هذا، وهكذا إلى قيام الساعة. قال: «من كل شيء إذا ضيعته عوض، من كل شيء إذا ضيعته عوض، وما من الله إن ضيعته عوض». أي شيء إخوان من لذات الدنيا ممكن أن تدركه، لكن إذا أضعت الطريق إلى الله عز وجل، فلا لك أن تهنأ بعيش، وأن تسعد بحياة، وأن تسعد بحياة. قال: «قال: فالله سبحانه يعوض عن كل ما سواه ولا يعوض منه شيء. قال: ويغني عن كل ما سواه ولا يغني عنه شيء. قال: ويمنع من كل شيء ولا يمنع منه شيء. قال: ويجير من كل شيء ولا يجير منه شيء. قال: فكيف يستغني العبد عن طاعة من هذا شأنه طرفة عين، طرفة عين؟ قال: وكيف ينسى ذكره ويضيع أمره حتى ينسيه نفسه فيخسرها ويظلمها أعظم الظلم؟». قال: «فما ظلم العبد ربه، ولكن ظلم نفسه. وما ظلم ه ربه، ولكن هو الذي ظلم نفسه». وهذا يا إخوان من الأمور الظاهرة. ولاحظوا ابن القيم رحمه الله تعالى كيف لفت الأنظار، وجعل العقول تركز على هذه العقوبة بقوله: «وأعظم العقوبات». لما تسمع «أعظم العقوبات» أنت تركز وتنتبه وتهتم أكثر: ما هي؟ قال: «نسيان العبد لنفسه». ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾. إذن نسيان العبد لنفسه هذه عقوبة سببها الذنوب والمعاصي، فعندها لما نسي نفسه نسي مصالحها، وأهمل ما هو سبب لفوزها وسعادتها، فذهب يبحث عن شهوات محرمة ولذات فانية، وهكذا أشياء، أشياء ممكن أن تعوض، وترك من الأمور ما لا يمكن تعويضه، ما لا يمكن تعويضه، تعويضه. قال رحمه الله تعالى: «فصل: ومن عقوباتها... ومن عقوباتها أي المعاصي والذنوب، قال: أنها تخرج العبد من دائرة الإحسان، وتمنعه ثواب المحسنين». والإحسان يا إخوان مرتبة من مراتب الدين، وهو أعلى مراتب الدين، لأن الدين له ثلاث مراتب، له ثلاث مراتب يا حمزة، ما هي؟ الدين له ثلاث مراتب. واحد سبق وأن ذكرنا فائدة، لعلكم تذكرون. قلنا: ماذا في الأسئلة؟ ما فائدة الأسئلة؟ من فوائدها يا بتميم: الأسئلة... يا أبا عبد الرحمن: تصحي النائم، توقظ النائم. وماذا يا أبا حليظة؟ وتثبت المعلومات. وأيضاً... نعم يا أبا جاخر: نعم، يعني تقوي التركيز، يعني تنبه الغافل، تنبه الغافل أيضاً. يا أبا أحمد: نعم، تغذي وتحيي روح التنافس. وأيضاً... ومثلنا ببعض الناس يكون قد وصل عند النقطة، ذاهب إلى الشحر، فتوجه له سؤال، يتذكر أنه في الدرس، فيرجع الأذهان التي تشرد، والعقول التي تسافر. البعض قد يقطع هذا المحيط، ما اسم هذا المحيط الذي بيننا وبين أندونيسيا؟ يسمى بالمحيط الهندي، محيط شاسع، قد يقطعه في أثناء الدرس، فبينما هو في ساحل جاكرتا أو غيرها، فيوجه له سؤال، فيتذكر أنه في الدرس، فيرجع ذهنه إلى الدرس، وينتبه، وينتبه. وما أدري يا حمزة أين وصلت... آه تفضل. الدين له ثلاث مراتب، ذكرت في حديث عمر بن الخطاب الطويل في سؤال جبريل عليه السلام لنبينا صلى الله عليه وسلم. نعم تفضل، ما هي مراتب الدين الثلاث؟ واحد... طيب لا بأس، نعم همام. عندك الدين له ثلاث مراتب: أولها الإسلام، ثانيها الإحسان، ثالثها... جبريل سأل النبي صلى الله عليه وسلم بداية عن مراتب الدين: الإسلام والإحسان، الثالث الإيمان. أحسن: أولها الإسلام، وثانيها الإيمان، وثالثها وهي أعلاها هي مرتبة الإحسان. وربنا تبارك وتعالى مع المحسنين ويحب المحسنين. وهكذا أيضاً ربنا تبارك وتعالى أخبر أن المحسنين هم أهل الجنة. قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾. هذا عرضها يا إخوان، فما بالكم بطولها؟ أرضها السماوات والأرض، ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾، محبة إنفاق في حال الرخاء، وأيضاً في حال الشدة، حتى لو ليس عنده إلا شيء يسير يتصدق بشيء منه، ﴿فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. هؤلاء هم أهل الجنة. جعلني الله وإياكم والسامعين أجمعين منهم. ونؤخر الحديث حول هذا الفصل الماتع الذي يتعلق بالإحسان وثواب المحسنين، ومراتب الإحسان التي ماذا يحرمها العبد بسبب الوقوع في الذنوب والمعاصي، فهي تعتبر من عواقب الذنوب والمعاصي. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يحفظ علينا ديننا، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، وأن يصلح ظاهرنا وباطننا، وسرنا وعلانيتنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكراً.