التعليق على كتاب الداء والدواء 32

التعليق على كتاب الداء والدواء 32

الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 32، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

عقوبة الذنوب وإضعاف سير القلب إلى الله

يوضح المقطع أن الذنوب تُخرج العبد من دائرة الإحسان التي هي أعلى مراتب الدين، وتضعف سير القلب إلى الله والدار الآخرة. كما يبين نوعي الإحسان: إحسان العبادة وإحسان المعاملة، ويشبه أثر الذنب بمرض البدن الذي يعيق المشي نحو الهدف.

آثار الذنوب على القلب وزوال النعم

توضح المقطع كيف أن الذنوب تميت القلب أو تمرضه وتضعف قوته، مؤدية إلى ثمانية آفات استعاذ منها النبي ﷺ. كما تبين أن الذنوب من أقوى أسباب زوال النعم وحلول النقم، مستدلاً بأدعية نبوية وآيات قرآنية.

الشكر قيد للنعم والمعصية سبب زوالها

يتحدث المقطع عن عظيم نعم الله الظاهرة والباطنة، ويؤكد أن الشكر قيد للنعم الموجودة وصيد للمفقودة. بينما المعاصي تزيل النعم وتحل النقم، مستدلاً بآيات قرآنية وأقوال السلف وقصة قوم سبأ.

خاتمة وتضعيف الحديث النبوي

يختتم المتحدث بالثناء على الله والاعتراف بعلمه المطلق، ثم يكرر حكم "حسن" ثلاث مرات على الحديث أو الإسناد المذكور. مما يشير إلى تصحيحه وقبوله في السياق العلمي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع الداء والدواء، وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لشيخ الإسلام الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي، المشهور بابن قيم الجوزية، رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. ولا يزال رحمه الله تعالى يذكر من عقوبات الذنوب والمعاصي، وقد أطال لكنه أجاد وأفاد وأحسن وأبدع، رحمه الله تعالى، في سرده وطرحه وإيراده لهذه العقوبات والآثار السيئة المترتبة على هذه الذنوب والمعاصي. وآخر ما تكلمنا عنه من عقوبات الذنوب والمعاصي أنها تخرج العبد من دائرة الإحسان، وتمنعه ثواب المحسنين. وسبق معنا الإشارة إلى مرتبة الإحسان، وأنها تعتبر أعلى مراتب الدين، والدين له مراتب ثلاث. يا خيرة العبيد، فما هي؟ الدين له ثلاث مراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان أعلاها. ثم بعدها الإسلام؟ ماشاء الله تبارك الله، أجبت فأصبت. لله درك طيب. ومر معنا بيان ما يتعلق بأهمية الإحسان، وأن الإحسان على نوعين. ما هما يا محمد؟ الإحسان على نوعين. الأول: نعم، ماذا يسمى هذا؟ وماذا يسمى كلا المرتبتين؟ المشاهدة والمراقبة. إحسان، إحسان. نعم، إحسان في عبادة الله تبارك وتعالى، إحسان في عبادة الله تبارك وتعالى، وهو أعظم الإحسان، وهو كما جاء في حديث عمر في مسلم، وحديث أبي هريرة في الصحيحين، في سؤال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: قال: «أخبرني عن الإحسان». قال: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه». فهذه مرتبة المشاهدة. قال: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وهذه مرتبة المراقبة. طيب، النوع الثاني من أنواع الإحسان: الأول الإحسان في عبادة الله عز وجل، الثاني يا خيرة يوسف الصديق؟ الأول: إحسان في عبادة الله عز وجل، الثاني: إحسان في ماذا؟ طيب لا بأس. نعم يا أبا نظم: في أه... أنا قد قلت هكذا أيضا قبلك. أه: في التعامل مع الناس. يعني إحسان يتعلق بحقوق المخلوقين، حقوق المخلوقين. ولخصها الإمام ابن المبارك رحمه الله تعالى في كلمات ثلاث، في ثلاث كلمات. ما هي؟ نعم، أين أبو سعيد عندك؟ لخصها الإحسان إلى أو في أداء حقوق المخلوقين، ابن المبارك في ثلاث كلمات. قال: نعم، بذلوا... تمام، بذلوا، بذلوا ماذا؟ بذلوا الندى، وكفوا الأذى، وبقي واحد. بذلوا الندى، وكفوا الأذى، يا با سعيد عندك؟ أحسنت: وطلاقة الوجه، وطلاقة الوجه. وذكر رحمه الله تعالى جملة من الخصال، بل ومن ماذا؟ الجوائز التي يتحصل عليها أهل الإيمان، وهكذا أهل الإحسان، والإحسان إلى الناس. يا إخوان، باب عظيم، فربنا عز وجل مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وهكذا ربنا عز وجل يحب المحسنين، فهنيئا لمن جعله الله عز وجل من أهل الإحسان، يقضي حوائج الناس، يقوم بإغاثة الملهوف، وهكذا نصرة المظلوم، وهكذا مساعدة المحتاج، وهكذا إطعام الجائع، وسقي الظمآن، وغيرها من أبواب الإحسان. ومما جاء عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى مدح أهل هذا النوع أبيات تكتب بماء الذهب، لا بمائه. كان يقول رحمه الله تعالى: الناس بالناس ما دام الوفاء بهم الناس بالناس ما دام الوفاء بهم والعسر واليسر ساعات وأوقات وأكرم الناس ما بين الورى رجل قال: وأكرم الناس ما بين الورى رجل تقضى على يده للناس حاجات آه، أكرم الناس قال: وأكرم الناس ما بين الورى رجل تقضى على يده للناس حاجات لا تقطع عن المعروف عن أحد إذا كنت تقدر فالأيام تارات واشكر صنيعة فضل الله إذ جعلت إليك لا لك عند الناس حاجاته محمد: الله أن الله عز وجل جعل الناس يحتاجون إليك، ما جعلك أنت الذي تذهب وتجري وراءهم لكي يقوم بقضاء حاجتك. قال: «واشكر صنيعة فضل الله إذ جعلت إليك لا لك عند الناس حاجاته. قد مات قوم وماتت فضائلهم، وما ماتت فضائلهم... قد مات قوم وما ماتت فضائلهم، وعاش قوم وهم في الناس أموات». وهكذا ذكر الإمام أبو الفتح البستي رحمه الله تعالى، ذكر... آه، ماذا ذكر؟ أبياتا فيها الحث على الإحسان. قال: قال: «أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم، أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم، فطالما استعبد الإنسان إحسان. من جاء بالمال... مال الناس قاطبة إليه، والمال للإنسان فتان». يقول: من جاء بالمال... ماذا؟ مال الناس قاطبة إليه، والمال للإنسان فتان. «أحسن إذا كان إمكان ومقدرة، فلن يدوم على الإنسان إمكان. حياك من لم تكن ترجو تحيته، إذا أحسنت إلى الناس ماذا يعملون معك؟» قال: «حياك من لم تكن ترجو تحيته، لولا الدراهم ما حياك إنسان، لولا الدراهم ما حياك إنسان». وهذا يا إخوان يدل على أمر سبق الإشارة إليه، ألا وهو أن الإحسان إلى الناس سبب من أسباب المحبة، وهكذا أيضا المودة التي سببها الإحسان. قال رحمه الله تعالى: «فصل: ومن عقوباتها أنها تضعف سير القلب إلى الله والدار الآخرة». من عقوبات الذنوب والمعاصي أنها تضعف سير القلب إلى الله والدار الآخرة، أو تعوقه، أو توقفه وتقطعه عن السير، فلا تدعه يخطو إلى الله خطوة، وإنما هو في تأخر عنه. هذا، هذا إن لم ترده عن وجهته إلى ورائه. قال: «فالذنب يحجب الواصل، ويقطع السائر، وينكس الطالب». هذا الذنب، انظروا كيف يؤثر على العبد في سيره إلى الله تبارك وتعالى. ولا يزال أقوام يتأخرون ويتأخرون حتى يؤخرهم الله عز وجل. كما ذكر أن الذنب يحجب الواصل، ويقطع السائر، وينكس الطالب. قال رحمه الله تعالى: «قال: والقلب إنما يسير إلى الله بقوته وإيمانه ويقينه. قال: فإذا مرض بالذنوب ضعفت تلك القوة فيه التي تسيره. وهذا كسير الإنسان في طريقه إلى أمر مقصود أو هدف منشود، يمشي تجده يمشي بنشاط وقوة، لكن إذا مرض فإن سيره سيضعف، وهكذا جدّه سيقل. وهكذا الذنوب التي تمرض القلوب فإنها تضعف السير إلى الله عز وجل وإلى الدار الآخرة. قال: فإن زالت أي هذه القوة بالكلية، إن قطع عن الله انقطاعا يبعد تداركه، والله المستعان، والله المستعان. قال: فالذنب إما أن يميت القلب، الذنب قال: إما أن يميت القلب، أو يمرضه مرضا مخوفا، مرضا مخوفا، أو يضعف قوته، ولابد. أي ولابد أن يقع شيء من هذه الآثار على القلب بسبب الذنوب والمعاصي. وأعظمها ضررا هو أن يموت القلب، ويليها أن يمرض مرضا مخوفا، والمرض إذا لم يتدارك أو يتداركه صاحبه فإنه قد يميت. قال: أو يضعف قوته، ولابد، قال: حتى ينتهي ضعفه إلى الأشياء الثمانية التي استعاذ منها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي: الهم، وهي الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال، وغلبة الرجال». استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الأمور الثمانية كما جاء في الصحيحين من حديث أنس رضي الله تعالى عنه. قال: «وكل اثنين منها قرينان». قال: «فالهم والحزن قرينان». قال: «فإن المكروه الوارد على القلب إن كان من أمر مستقبل يتوقعه أحدث الهم». إذا كان المكروه الوارد على القلب كان من أمر مستقبل يتوقعه أحدث الهم، جعل يفكر ويهمه ذلكم الأمر الذي يخاف أن يقع في المستقبل. قال: «وإن كان من أمر ماضٍ قد وقع أحدث الحزن». إذن الحزن من أمر قد وقع، والهم من أمر يخشى وقوعه في المستقبل. قال: «والعجز والكسل قرينان». قال: «فإن تخلف العبد عن أسباب الخير والفلاح... قال: فإن تخلف العبد عن أسباب الخير والفلاح، قال: إن كان أي تخلفه لعدم قدرته فهو العجز. إذا كان لعدم قدرته فهذا هو العجز. وإن كان يعني يقدر لكن ماذا؟ قال: وإن كان لعدم إرادته فهو الكسل». أحيانا الشخص يشعر أنه لن يستطيع أن يقوم بهذا العمل، هذا عجز. كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله من العجز. فإن كان يقدر عليه لكنه ماذا؟ لا يريد القيام به، فهذا يعتبر كسلا. قال: «والجبن والبخل قرينان». قال: «فإن عدم النفع منه إن كان ببدنه قال: فهو الجبن». عدم نفع الآخرين إذا كان ببدنه فهذا يسمى جبن، وهو شدة الخوف. قال: «وإن كان بماله قال: فهو البخل، فهو البخل». قال: «وضلع الدين وقهر الرجال قرينان». قال: «فإن استعلاء الغير عليه إن كان بحق، إن كان بحق، قال: فهو من ضلع الدين. وإن كان بباطل، قال: فهو من قهر الرجال، من قهر الرجال». استعلاء الغير على الشخص إذا كان بحق، كأن يطالبك بدين له عندك، مال، فإن لصاحب الحق مقالا كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا يسمى ضلع الدين. وإن كان بباطل، ليس له عندك شيء، ولكن أتى يتسلط عليك، وهكذا يعتدي عليك، فهذا من قهر الرجال، هذا من قهر الرجال. ومن الأمور التي استعاذ منها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: «والمقصود أن الذنوب من أقوى الأسباب الجالبة لهذه الأشياء الثمانية، لهذه الأشياء الثمانية، كما أنها من أقوى الأسباب الجالبة لجهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء». وهذه أمور أربعة كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله عز وجل منها كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة. قال: «قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من جهد البلاء، من جهد البلاء، أن يبتل الإنسان بما لا يطيق، بما لا يستطيع أن يتحمله من أنواع الإبتلاءات، فيصيبه جهد وتعب بسبب ذلك. وهكذا درك الشقاء، أن تدركه الشقاوة ويحرم الخير والهداية. وهكذا سوء القضاء، أن يقدر الله عليه ويقضي له أمورا سيئة، كالأمراض المزمنة التي لربما تحول بينه وبين الكثير من الطاعات والعبادات. وهكذا لربما فقر يذله، أو عدو ماذا يعتدي عليه، وهكذا غيرها، وهكذا غيرها. قال: وشماتة الأعداء، أن الأعداء يشمت... وشماتة الأعداء من الأمور التي لا تطاق، يشمت بك العدو إذا رأى فيك بلية أو نزلت بك نازلة أو مصيبة، يقول: انظروا إلى خاتمته، انظروا، انظروا إلى حاله، لو كان صالحا لو كان محقا لما فعل الله به ذلك. فكان عليه الصلاة والسلام يتعوذ بالله من شماتة الأعداء». قال: «قال: ومن أقوى الأسباب الجالبة لزوال نعم الله، وتحول... وتحول عافيته، وفجاءة نقمته، وجميع سخطه». هذه يا إخوان كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ منها في دعائه كما جاء في حديث ابن عمر في صحيح مسلم. قال ابن عمر: «كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك». هذا من الأدعية الجامعة التي كان نبينا صلى الله عليه وسلم يدعو بها، فحري بنا نحن أن ندعو بها. فاستعيذوا بالله عز وجل من زوال النعم، وتحول العافية، وفجاءة النقمة، ومن جميع سخطه سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «فصل: ومن عقوبات الذنوب أنها تزيل النعمة وتحل النقم». ولاحظوا كيف أن الله عز وجل قد يغير الحال بسبب هذه الذنوب وهذه المعاصي التي يقع فيها العباد، يقع فيها العباد. قال: «وكما ذكر ربنا عز وجل ذلك بأن الله لم يكن مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ما بأنفسهم». قال: «ومن عقوبات الذنوب أنها تزيل النعم وتحل النقم. والنعمة يا إخوان كما عرفها العلماء بأنها الحالة المستحسنة التي يكون عليها الإنسان، يقال لها نعمة. الحالة المستحسنة التي يكون عليها الإنسان تسمى نعمة. ونعم الله كثيرة لا نستطيع لها حصرا. قال تعالى: ﴿وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾. ونعمها هنا مفرد مضاف فيعم جميع النعم. وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها. وربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون﴾. تأملوا في عظيم هذه النعم. نعم ظاهرة وما أكثرها يا إخوان، ونعم باطنة وهي كذلكم أيضا كثيرة، ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾. وهكذا نعم دينية وهي عظيمة، ونعم دنيوية وهي كثيرة جدا. نعم يا إخوان بالليل ونعم بالنهار، نعم في البر ونعم في البحر. ولما ذكر ربنا عز وجل عددا من هذه النعم قال: ﴿وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾. وهذه النعم يا إخوان إذا شكرت فإنها تقر، يعني تبقى، وإذا كفرت ولم تشكر فإنها تفر. إذن الشكر يا إخوان لهذه النعم يعتبر من الأمور العظيمة جدا. ﴿وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد﴾. الشكر كما قال بعض أهل العلم هو ماذا؟ قيد للنعم الموجودة، قيد لأن نعم الموجودة لكي لا تذهب، وصيد لأن نعم المفقودة، صيد لأن نعم المفقودة». فمن عقوبات الذنوب والمعاصي أنها تزيل النعم وتحل النقم. قال: «فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب». لاحظوا: قال: «فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب». كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة، ولا رفع إلا بتوبة». وذكر المعلق عندنا هنا أنه أخرجه الإمام ابن عساكر في تاريخ دمشق من قول العباس بن عبد المطلب، من قول العباس بن عبد المطلب، وكان ذلك عندما استسقى بالناس في خلافة عمر. لما أراد عمر أن يستسقي بالناس قال: «اللهم إنا كنا نستسقي برسولك، أي وهو حي، واليوم نستسقي بعم رسولك». ماذا فقال؟ «قم يا عباس فادعُ». فقام العباس يدعو. وهذا رواه الزبير بن بكار، ومن طريقه الإمام ابن عساكر في تاريخ دمشق، وجاء من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس به، والكلبي قد كذب، الكلبي قد كذب. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كما في مجموع الفتاوى عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أنه قال: «ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا... إلا بتوبة، ولا رفع إلا بتوبة». فشاهد من هذا أن هذا الأثر ورد عن العباس، وفي الإسناد إليه ضعف شديد. وهكذا جاء عن عمر بن عبد العزيز. وابن القيم ها هنا يرويه عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم جميعا. قال: «وقد قال تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾». لاحظوا: يعفو عن كثير. وقد يؤاخذ ببعض هذه الأخطاء وهذه الذنوب، كما قال تعالى: ﴿وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب﴾. وهكذا قوله: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة﴾. لكن الله عز وجل حليم. وهكذا ربنا عفو وغفور. قال: «وقال تعالى: ﴿ذلك بأن الله لم يكن مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾». قال: «فأخبر تعالى إنه لا يغير نعمه التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو، أي العبد، الذي يغير ما بنفسه. قال: فيغير طاعة الله بمعصيته، وشكره بكفره، وأسباب رضاه بأسباب سخطه. قال: فإذا غير، غير عليه جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد. قال: فإن غير المعصية بالطاعة، غير الله عليه العقوبة بالعافية، والذل بالعز». قال: «وقال تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾. ﴿وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال﴾». قال: «وفي بعض الآثار الإلهية عن الرب تبارك وتعالى أنه قال: وعزتي وجلالي، لا يكون عبد من عبيدي على ما أحب ثم ينتقل عنه إلى ما أكره إلا انتقلت له مما يحب إلى ما يكره. ولا يكون عبد من عبيدي على ما أكره ثم ينتقل عنه إلى ما أحب، قال: إلا انتقلت له مما يكره إلى ما يحب، إلى ما يحب». وهذا أورده الإمام ابن عساكر في تاريخ دمشق، وهكذا غيره، ولعله من الأخبار الإسرائيلية. قال: «وقد أحسن القائل حيث يقول، حيث يقول: إذا كنت في نعمة فارعها *** فإن المعاصي تزيل النعم وحطها بطاعة رب العباد *** فرب العباد سريع النقم وإياك والظلم مهما استطعت *** فظلم العباد شديد الوخم وسافر بقلبك بين الورى *** لتبصر آثار من قد ظلم فتلك مساكنهم بعدهم *** شهود عليهم ولا تتهم وما كان شيء عليهم أضر *** من الظلم وهو الذي قد قصم فكم تركوا من جنات ومن قصور *** وأخرى عليهم أظلم صلوا... صلوا بالجحيم وفاة النعيم وكان الذي نالهم كالحلم *** أي الذي مضى معهم كان كأنه أحلام». وذكر عندنا المعلق أن البيتين الأولين ينسبان لصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وينظر ذلك في ديوانه، ديوان علي بن أبي طالب. والبيت الأخير ينسب لعبد الله بن المبارك، وينظر كذلكم أيضا في ديواني ابن المبارك. وتنظر الأبيات في تاريخ دمشق للإمام ابن عساكر رحمه الله تعالى. فأذه بعض الآثار وبعض العقوبات المترتبة على الذنوب والمعاصي. وذكر ربنا عز وجل لنا أمثلة على ذلك، كقوم سبأ: ﴿لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور فأعرضوا﴾. لاحظوا: هم الذين غيروا، فأعرضوا. قال: ﴿فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور﴾ الآيات. وهكذا الآيات كثيرة في هذا الباب، في هذا الباب، التي تدل على أن من غير، غير الله عليه، وأن من أصلح، أصلح الله له أمره. فنسأل المولى تبارك وتعالى أن يغير حالنا إلى حال أحسن، وأن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، وأن يغدق علينا بالنعم، وأن يرفع عنا النقم، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. وحسن، وحسن، وحسن.